الرئيسية » مقالات » شنق ما فيه عفو..!

شنق ما فيه عفو..!

لا شك أن إشارات الكتابة(تنقيط.. فواصل.. صيغة القراءة وارتفاع أو انخفاض الصوت.. إلخ.) يعطي لهذه الكلمات القليلة معاني مختلفة وأحياناً متضادة.

والعمل السياسي وموضوعيته وشكله وتأثيره الاجتماعي, ودور الإعلام ومسؤوليته واستقلاليته وموضوعيته في نقل ذلك, تحدد إلى درجة كبيرة قراءة الفكرة ووصولها والتي ستصبح قوة مادية ملموسة.

يُخطئ السياسي مرتين أو يَخدع نفسه عندما يُعطي الإعلام دوراً أكثر مما يجب, أو أن يُقلّل ويُهمل دور الإعلام في العمل السياسي!. ليس من المهم أن يُحب السياسي “الميديا”, لكنه يجب عليه التأقلم معها.

ولا يجب أن نصدّق أولئك الذين يقولون أن “الميديا” تحدّد كل شيء في المجتمع, للصحافة والإعلام بشكل عام دورٌ هامٌ جداً في السياسة الحديثة لكنها تعطي فقط الأطر أو الفرص..

وغالباً نجد أن ممارسة العمل السياسي في بلادنا ـ سواء داخل التنظيم الواحد أو بين التنظيمات المختلفة لا تستند إلى أطر ديمقراطية, وهذا ما يجب تعلّمه. وتعلّم ممارسة العمل السياسي الديمقراطي في مرحلة المعارضة أسهل وأقل تكلفة للمجتمع من تعلّمه عند ممارسة الحكم والمسؤولية في قيادة الدولة..

ويمكن القول إذا لم تتعلم من أخطائك يكون لا مبرر الوقوع فيها!.

وقد يحدث أن الأطر الديمقراطية يتم إملاءها بمضامين وممارسات غير ديمقراطية, إن إنشاء الأطر القانونية من أجل بناء وتشغيل مجتمع مدني صحيّ ويتمتع بحرية ليس شرطاً للمارسة الديمقراطية ـ ضروري لكنه غير كافٍ ـ, لكنه من أجل ذلك لا بد أن ننظر إلى المستويات الاجتماعية والدقيقة(الصغيرة), لأنه للمجتمع أيضاً هناك خلايا صغيرة جداً والتي يجب أن تعمل بشكل طبيعي وتتطور أيضاً, وهذا هو المجتمع المدني الغير ملتزم حزبياً(خارج الأحزاب).

في نظام ديمقراطي ـ عادي وطبيعي ـ تكون مهمة الدولة الرئيسية(الحكومة, الإدارات المحلية…) هي تأمين شروط وظروف عمل ونشاط وتطور المجتمع المدني(من جمعيات ومنظمات نقابية مهنية ورياضية وثقافية وغيرها من المنظمات الغير سياسية), تأمين الشروط المناسبة بما فيها المادية أو الاقتصادية أو القانونية… وإن عدم توفر الأطر الضرورية لذلك يسبب خلل في عمل المجتمع الديمقراطي.

وإذا قامت الدولة بعدم تأمين ذلك تكون قد ضيقت وقلّصت الديمقراطية في المجتمع.

إذا كانت مصالح الدولة(حكومة ومؤسساتها..) ممركزة وظاهرة وبارزة بشكل قوي تكون بالمقابل “مقيدة”إمكانية حرية ونشاط المنظمات المدنية, والحقيقة أن الاثنان متعلقين ببعضهما..



قال برتولت بريخت ما معناه أن الديمقراطية هي الصراع(النضال) ضد الفساد في كل درجات المجتمع, وهي نضال لا ينتهي, صراع ضد السلطة التي تستخدم نفوذها بشكل غير نزيه, ليس فقط في السياسة وإنما في حياة الاقتصاد والسوق والمنظمات الشعبية والمدنية والحزبية….

وإذا لم يشارك الصحافي ـ الإعلامي في هذا الصراع ويأخذ دوره فيه, لا أمل في الانتصار عليه.

الناس مهيأة للفساد من أجل الوصول لنفوذها ومراكزها, إذا لم يكن للعلنية من وجود ورادع..!

يقول أحد عظماء المجر “كوشوت”: اعطوني قضاة كما تشتهون, ليكونوا مهملين, ليكونوا قابلين للتذبذب, ليكونوا قابلين للفساد, ليكونوا أعدائي هذا لا يغيظني(لا بأس), لكن لا تسمحوا لهم بعمل أي شيء بعيداً عن عيون المجتمع..

إن أزمة النظام السوري هي أنه ليس مستعداً لمصارحة نفسه قبل مصارحة الشعب.

ويقول فيلسوف الماني “ليشتنبرغ”: لا يمكن حمل مشعل العدالة ـ الحق والصدق ـ في تجمع كبير تتدافع فيه الناس دون أن تشوي لحية أحد نار المشعل. وبتعبير آخر أنه لا ديمقراطية بدون صحافة حرة وإعلام حر وعلنية.

وللإعلام الحر شروطه وهي أولاً أن يكون مستقلاً بشكل كامل عن الحكومة ـ أية حكومة ـ, وقد يكون للتأثير الاقتصادي والمنفعة التجارية الاستثمارية دور على حساب الاستقلالية..



لا شك أن سوريا تعيش في أزمة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية عميقة, وهذا يعترف فيه الكثيرين حتى داخل النظام, والسبب الرئيسي عن هذه الأزمة هم المسئولون عن إدارة وحكم البلد, أو بالأحرى الذين عاجزون عن إدارة البلد وحكمه بشكل مسئول..



عشرات السنين من التخدير والتنويم وتغييب المجتمع عن العمل السياسي, ويظهر أنه خلال السنوات القليلة الماضية بدأ شيء من “التحرك من أجل الديمقراطية” في المجتمع وما مظاهر وأساليب القمع الأخيرة إلاّ مؤشر على هذا التحرك.

يمكن القول أن النظام الديمقراطي يعمل في كثير جداً من دول العالم, وهذا يعني أنه علينا فقط استيراده وتطبيقه في مجتمعنا؟! هذه مهمتنا فقط؟! كل أربع أو خمس سنوات انتخابات؟!.

لم نصبح بعد مواطنين ذوو مسؤولية, وحتى صفة المواطنة مازالت تنقصنا بشكل أو بآخر!! وهكذا يظهر ويتطور فينا هذا “البناء” المشوّه(التفكير القاصر), وما يظهر من البرلمانية الفارغة في سوريا, أو الديمقراطية بدون ديمقراطيين عند قسم من المعارضة إلاّ نتيجة ثمار وتربية وسلوك أجيال في ظل هذا النظام.!!



تاريخ نشوء الديمقراطية في كل بلد كان دائماً فيه شيء من الضبابية و”الترنح” والتردد وعدم التوازن أحياناً, والتغير الحقيقي هو الذي يحدث تحت تأثير الضغط الجماهيري..

الأزمة التي يعيشها البلد ـ أعتقد أنها أعمق بكثير جداً مما يتصورها الكثيرين سواء من كانوا قريبين من النظام أو في المعارضة.

مخلفات أخلاقية تمتد جذورها ومتأصلة في الماضي ولعشرات السنين, “السادة والعبيد”, فنحن في مجتمع يشعر فيه “العبد” أن قدره أن يكون “عبداً” ويتأقلم ويتعايش مع هذا الواقع والوضع, و”السيد” المتنفذ يعتبر نفسه ومكانته أمراً طبيعياً جداً وضرورياً جداً للبلد.! وهذا التفكير والسلوك ينطبق على رموز النظام أيضاً(لاحظ الارتماء في أحضان إسرائيل وفرنسا وإيران..وغيرها وبنفس الوقت غياب عزة النفس. “سيدٌ” هنا ـ “عبدٌ” هناك.. وهذه العقلية تنطبق بشكل عام على كامل الهرم الاجتماعي!

الخوف والكراهية, عدم المسؤولية, انعدام الثقة المتبادلة,ضعف أو فقدان التضامن الاجتماعي أو انعدامه.. وغيره من السلبيات تقلّص وتقزّم القدرة على الإبداع.. الرضا والقبول بما هو موجود!! القناعة كنز لا يفنى!!..

إن أول خطأ عام يجب الانتباه إليه والتخلص منه, هو القول أن أعضاء حزب السلطة وأنصارها تتألف من كتلة من الناس المؤمنين بسياسة الحزب والحاكم(بما فيهم عناصر الأمن), وهناك قلّة من المعارضين “الشاذين” الغريبي الأطوار, وأن مسألة كون رجل السلطة والتابع لها أكثر سعادة من المعارض لها ليست أصدق من حقيقة كون السكران أكثر سعادة من الصاحي!.. إنهم يحفرون قبر النظام وهم سكرانين.



وهذا لا يعني أنه لا يوجد أمل في التغيير. فرص عديدة يمكن أن تساهم في الخروج من هذا المأزق والانطلاق نحو البناء الوطني البنّاء..

ضرورة المرحلة تلزم ترك جانباً ـ أو تعليقها على الأقل ـ المصالح والطموحات الشخصية والحزبية والجلوس على طاولة للحوار والنقاش لكل القوى المعارضة والمنادية بإقامة البديل الديمقراطي, وبعد فترة من الزمن لا بد من الاتفاق على برنامج عمل توافقي مشترك يتوافق مع مصلحة الوطن.

من الضروري جداً إعادة تقييم لعمل المعارضة على ضوء المتغيرات الجديدة, واستخدام وسائل جديدة في الخطاب والعلاقة داخلياً وخارجياً.

أخشى أن بعض زعماء المعارضة والمثقفين(المهتمين بالشأن السوري) لن يستطيعوا الارتقاء والخروج من الشرنقة التي عاشوا فيها خلال عقود, أخشى أن لا تستطيع التخلص من خوفها, ليس فقط من النظام بل من مواجهة بعضها ومواجهة غيرها من المعارضين للنظام ومن العاملين على إقامة التغيير المنشود..

العمل السياسي ليس بالارتجال, بل بالعمل والتخطيط, مستنداً لإشراك أناس خارج العمل الحزبي السياسي المباشر, خطوة ـ خطوة يجب وضع ما يمكن فعله وتنفيذه ولكن بشكل مسئول ومدروس, وهذا يحتاج إلى عقل وقوة وإرادة مقدسة, يا ترى نملك نحن هذه الأسس؟!. أي أننا بحاجة لانفتاحٍ على بعضنا كمعارضة تؤمن بقواسم مشتركة للتغيير الديمقراطي.



“اتصل فينا منجي, لا تتصل فينا منجي”!.

هذا شعار “الانفتاح” والارتياح الذي يبديه النظام تجاه الغرب الإمبريالي الصهيوني, والذي استمد “شرعية” وجوده من “نضاله” ضد هذا الغرب. لكنه لا يستطيع لا ساركوزي ولا اولمرت ولا غيرهم من ضمانة وجوده ـ العملية مسألة وقت للجميع ـ! والغرب يقامر على حساب الشعب السوري, ولا ينظر للمستقبل ـ حتى من وجهة نظر اقتصادية نفعية ـ, وربما يضطر هذا الغرب على عملية تسريع “اهتلاك” النظام.!.

والشعب ليس بالتأكيد أنه ينسى وليس بالتأكيد أنه يغفر كل شيء!. وحتى لو كانت ذاكرة الشعوب ضعيفة أحياناً ـ لكنه لا بد من وجود من يقوم بالتذكير ونفض الغبار إن توضع على رفوف الرؤوس…

تجارب الشعوب تبين أن عمليات التغيير الكبيرة يقودها ويوجهها بضع عشرات من الأفراد, لكنهم لا يتراجعوا عن خططهم والتزاماتهم.

ليس فقط المثل السيئ يبقى ويؤثر في المجتمع, بل المثل الجيد أيضاً!! آمل أن تكون قناة “سورية الجديدة” أحد الأمثال الإيجابية المؤثرة من أجل التغيير المنشود.

وهناك من يتحدث عن ديمقراطية ضيقة وديمقراطية واسعة, لكنه في الحقيقة تبقى الديمقراطية تعمل على مبدأ حكم الأغلبية, أو بالأحرى تحديد حكم الأغلبية!!.

الديمقراطي هو الإنسان الذي لا يخاف, لأن الخوف الفردي سببه الخوف الذي يخيم(يحكم) على المجتمع.

خوف الحاكم(السلطة) الصحيّ هو إثبات للرقابة ولشرعية وجوده في الحكم من خلال”القلق والتمحيص” قبل وخلال اتخاذ الاجراءات والقرارات, أي تحديد حدود الديمقراطية, وقد تتحول سلطة منتخبة ديمقراطياً وتمثل الأكثرية ـ تتحول إلى شكل حكم ديكتاتوري, أي ديكتاتورية الأكثرية مع مراعاة الشكليات في الديمقراطية!!.

وهذا يعني أنه ليس كل من لا يخاف ديمقراطي, فالذي لا يملك شيء من المحبة والتضامن والشعور المشترك مع الآخرين ولا يملك شيء من الخجل, لا يمكن أن يتحول إلى ديمقراطي, ولا إلى عضو إجتماعي مفيد وفعال!.



يعرف الجميع ـ أو على الأقل الكثير قدرة الإعلام وتأثيره الكبير في الحياة الاجتماعية, وهناك نقاشات ـ أحياناً كبيرة تدور حول تأمين استقلالية الإعلام(الميديا), وما هي الوسائل الكفيلة باستقلاليتها, وعن من تكون مستقلة؟!

يقول مونتسكيو أنه يوجد ثلاث أشكال للسلطة وهي التشريعية والتنفيذية والقضائية, وإلى جانبها صار معروفاً في عصرنا الحاضر اعتبار الإعلام سلطة رابعة في الدولة والمجتمع!.

فضيحةٌ في هذا العالم والعصر إذا لم يوجد مراقبة من المجتمع على السلطات الثلاث الواردة أعلاه, مثل هذه الدول التي لا تملك مراقبة ـ أو لا تسمح فيها ـ تسمى جمهوريات الموز أو الدكتاتوريات المتخلفة أو كما يسميها البعض “جمهوريات الخوف” ـ وسوريا شكلٌ لها معاً ـ وهذا على مستوى الدول, ولكن أهمية واستقلالية الإعلام لا تقتصر فقط على الدولة ونظامها ـ بل عند الإعلام المعارض أيضاً وخارج الوطن أيضاً..

الاستهلاك الإعلامي ودوره الكبير يتعلق بشكل شخصي”ذاتي” في انتقاء الوسيلة الإعلامية أو البرنامج أو القناة التلفزيونية بين بحر من وسائل الإعلام المختلفة..

الاعتماد على التغيير السريع “للمزاج” وحرية بناءها لا يعبر دائماً عن ديمقراطية, خصوصاً إذا كانت مبنية على أساس التضليل الذكي, وهذا يعني أنه لابد من “دمقرطة” الإعلام, ولكن كيف؟!.

وكما يلاحظ, في كل بيت نجد التلفزيون مثلاً ويأخذ المكانة الأولى في قضية الإعلام, ويمكن القول وبشيء من الحق أن “التلفزيون أفيون الشعوب”, أو أكبر مدرسة للشعوب!!.

ولا ننسى أنه في الإعلام قد تكون ديمقراطية الاختيار موجودة بين البرامج والقنوات من خلال كبسة زر, وحتى أعتى الديكتاتوريات لا تستطيع لجمها. ورغم هذه الميزة لكنها ليست ضمانة لعدم تقديم البرامج السيئة والضعيفة, وقد يكون تطور الانترنت السريع وربطه التلفزيوني المنتظر يساهم أكثر في معرفة تأثير ذلك بشكل دقيق.

الميديا استخدمت وتستخدم كوسيلة لدعم العمل الاستثماري الربحي وللتأثير السياسي الواعي الحر, والنظام السوري الذي يحكم بلدنا ليس فقط لا يشجع ويدعم الحرية والديمقراطية وأن نكون أحراراً, وإنما يعاقب عليها!.

المسؤولية تسير جنباً إلى جنب مع حرية الميديا واستقلاليتها.

والحرية لا تعني أن “اللي ماسك مطرقة, كل شيء يراه يحسبه مسمار..”!

أقول هذا وأتمنى للفضائية “سورية الجديدة” أن تأخذ دورها وتملأ ذلك الفراغ الإعلامي المسئول في مجتمعنا, أقول ذلك رغم أنه حمل البعض أسلحتهم ضدها قبل أن يعرفوا ويشاهدوا شيئاً منها, وتبقى الحقيقة وهي أنه “إذا ركلك أحدٌ من خلفك, فاعلم أنك في المقدمة!” وضمان المقدمة واستمراريتها يحتاج الكثير. أولها وضع النقاط والفواصل في مكانها من الكلام!..

إن جيلنا ـ جيل “الخمسينات والستينات وما حولها” يودّع القطار الذي يحمل هذا العالم, لكنه يجب علينا أن نعمل كي لا يكون هناك طفلٌ واحدٌ في دمشق يصيح “أوقفوا هذا العالم, أريد أن أنزل منه”!.

بودابست, 4 / 8 / 2008,.