الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939الحلقة الخامسة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939الحلقة الخامسة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري

المبحـث الثالـث: موقف الحكومة العراقية من القضية الكردية
1932 – 1921
في ضوء مقررات مؤتمر القاهرة والتداعيات التي نجمت عن الظروف الداخلية في العراق , جاءت فكرة اقامة حكومة مؤقتة في العراق تمهيدا لاختيار ملك للبلاد .
وقع الاختيار على نقيب بغداد عبد الرحمن الكيلاني ليكون اول رئيس للحكومة المؤقتة التي تم تشكيلها في الخامس والعشرين من تشرين الاول عام 1920 لتمهيد الطريق امام فيصل ابن الحسين , احد انجال الشريف حسين زعيم الثورة العربية الكبرى , وملك سوريا سابقا لتولي عرش العراق(1) . سبق مجيء فيصل الى العراق اجراء استفتاء شعبي لسكان الالوية العراقية عن طريق لجان شكلتها الحكومة العراقية المؤقتة , وكانت نتيجة الاستفتاء تأييد اغلبية العراقين لتسلمه العرش في العراق(2) .
اما موقف الالوية(3) الشمالية فقد تمثل في تصويت كركوك ضد الامير فيصل, في حين ان لوائي اربيل والموصل اشترطا في نص البيعة ضمان حقوق الاقليات عند تشكيل ادارات الدولة اي ,(( تعيين موظفين اكراد “وان ” تكون اللغة الكردية اللغة الرسمية في المدارس ))(4) .
اما لواء السليمانية فقد امتنع عن الاشتراك في الاستفتاء(5) . توج فيصل ملكا على العراق بتاريخ الثالث والعشرين من اب عام1921, ولم يحضر حفل التتويج ممثلين عن كركوك والسليمانية(6) في حين شارك وفد من اربيل والموصل في ذلك الاحتفال , وطلبوا اثناءه مقابلة الملك للبحث في منح الحكم الذاتي للكرد تحت رعاية الملك وفي اطار الدولة العراقية (7) .
كما اخذت تصل الى الملك عرائض من كرد الموصل واقضيتها , ومن اربيل , يعرب فيها مواطنون كرد عن ولائهم للملك ورغبتهم في البقاء ضمن حدود العراق(1) . بدوره ابدى الملك فيصل تفهمه التام للمطالب الكردية , في تمتع الكرد بحكم ذاتي ضمن الحدود العراقية , وابدى اكثر من مرة احترامه للحقوق الثقافية واللغوية للكرد وحقهم في ممارسة تقاليدهم الوطنية(2) .
دشن عبد المحسن السعدون(3) اول وزارة في الحكومة العراقية الملكية الجديدة بتاريخ العشرين من تشرين الثاني عام 1922 , وقد واجهت الحكومة الجديدة المشاكل منذ ايامها الاولى , فقد اعلن الاتراك عن مطالبتهم بولاية الموصل , وبدؤا باطلاق التهديدات حولها(4). استغل الكماليون موجة المشاعر المعادية للبريطانيين بين الكرد , فشنوا حملة دعاية مكثفة في صفوف العشائر الكردية , ونجحوا في استمالة عدد منها الى جانبهم , واشتركت قوات عسكرية تركية مع عشائر كردية مناوئة للبريطانيين في القتال في راوندوز وكويسنجق وعدد من المدن والقصبات في السليمانية(5). وفي جمجمال قتل النقيب بوند ( L.Bond) معاون الحاكم السياسي البريطاني في المدينة على يد عبد الكريم فتاح الهماوندي – أحد الرؤساء الكرد في المنطقة-(6). غير ان مصاعب الحكومة العراقية, ومن ورائها البريطانيون تفاقمت مع اعلان المعاهدة العراقية – البريطانية في الثالث من تشرين الاول عام 1922 والتي عدها العراق اعترافا من بريطانيا باستقلال العراق سياسيا وتثبيت سيادته الوطنية(1). في حين نظر اليها الكرد على انها تراجع من جانب الحكومتين العراقية والبريطانية عن وعودهما السابقة بتلبية المطاليب الكردية. ولطمأنة المخاوف الكردية اصدرت الحكومتان البريطانية والعراقية تصريحا مشتركا في الثاني والعشرين من كانون الاول 1922 جاء فيه (( تعترف حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية بحق الاكراد القاطنين ضمن حدود العراق في تأسيس حكومة كردية ضمن هذه الحدود , وتأملان ان الاكراد على اختلاف عناصرهم سيتفقون في اسرع ما يمكن على الشكل الذي يودون ان تتخذه هذه الحكومة , وعلى الحدود التي يرغبون ان تمتد اليها , وسيرسلون مندوبيهم المسؤولين الى بغداد لبحث علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع حكومتي بريطانيا والعراق ))(2). وفي خطوة لتأكيد نفوذ الحكومة العراقية في كردستان تم الحاق السليمانية بادارة الدولة العراقية , اسوة بالالوية العراقية الاخرى , بدلا من ابقائها تحت الادارة المباشرة للمندوب السامي البريطاني , وذلك استنادا الى بروتوكول الثلاثين من نيسان 1923 بين العراق وبريطانيا(3). وتم تعيين احد الشخصيات الكردية( احمد توفيق ) الموالية لبريطانيا متصرفا على المدينة(4).
ولتهدئة مخاوف الكرد كانت الحكومة العراقية قد بادرت الى اصدار قرار بتاريخ الحادي عشر من تموز عام 1923 اعلنت فيه عزم الحكومة على تعيين موظفين كرد في الاقضية الكردية , واستبعاد تعيين موظفين عرب فيها , الا في حدود معينة , وفي الاختصاصات الفنية التي لا تتهيئ في تلك المنطقة , الى جانب حرية المواطنين الكرد في المناطق الكردية في استخدام اللغة الكردية في المخاطبات الرسمية , واخيرا اكد القرار على حرص الحكومة العراقية على احترام حقوق الاهالي والطوائف الدينية والمدنية في المناطق المذكورة(1).
وفي خضم الوضع السياسي القلق الذي عاشه العراق خلال تلك السنوات , والفوضى التي عمت كردستان , بدأت تلوح في الافق بوادر مشكلة دولية دخلت التاريخ السياسي والدبلوماسي بأسم مشكلة الموصل التي تركت تداعياتها الخطيرة على تاريخ العراق السياسي, ولا سيما كردستان لسنوات لاحقة . فما ان ثبت الكماليون اقدامهم في السلطة حتى بدأوا باثارة المطالبة بولاية الموصل(2), على الرغم من ان القوات البريطانية لم تكن قد احتلتها حينما اعلنت هدنة مودروس التي توفقت بموجبها العمليات الحربية بين الاطراف المتحاربة في الحرب العالمية الاولى . واستنادا الى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة لوزان بين تركيا والحلفاء فان تعيين الحدود بين تركيا والعراق يجب ان يتم “بترتيب ودي” بين الجانبين , خلال تسعة اشهر من عقد المعاهدة , وفي حالة عدم التوصل الى اتفاق نهائي بشأن القضية , فانها ترفع الى عصبة الامم(3)0
اثارت قضية الموصل قلق الحكومة العراقية ,وفي خطوة ذات مغزى , سافر الملك فيصل الاول الى لواء الموصل بتاريخ الحادي والعشرين من ايار عام 1923 , عقد خلالها اجتماعات مع وفود شملت مختلف اقضية ونواحي اللواء , اعلن خلالها ان قضية الموصل تعني العراقيين جميعا(4). في حين قام رئيس وزرائه عبد المحسن السعدون يرافقه مستشاره البريطاني كيهان(5) كورنوالس (K.Cornwalis) بزيارة السليمانية في التاسع والعشرين من ايار عام 1923 لتفقد اوضاع المدينة , واصدر بيانا اعلن فيه عزم الحكومة العراقية على احترام خصوصية المنطقة الكردية وتلبية مطالب سكانها . وفي زيارة ثانية للمنطقة حينما اصبح وزيرا للداخلية في وزارة ياسين الهاشمي الاولى ( 12 اب 1924- 21 حزيران 1925) , زار السعدون عددا من الاقضية الكردية , زاخو , دهوك , العمادية , وتفقد بعض المخافر الحدودية بين العراق وتركيا, واستفسر عن احوال الاهالي فيها وذلك في خطوة لكسب مشاعر المواطنين في تلك المناطق(1) .
على اي حال رفعت القضية الى عصبة الامم , وتشكلت لجنة من العصبة زارت كل من استانبول ولندن وبغداد . وصلت اللجنة بغداد في السادس عشر من كانون الثاني عام 1925 , وقامت باستطلاع اراء العديد من المسؤولين العراقيين والبريطانيين , وامضت اللجنة شهرين في جولات استطلاعية في ولاية الموصل , وكذلك زار اعضاء اللجنة السليمانية وكركوك(2) . كانت السليمانية بسبب اهميتها الستراتيجية والعسكرية واللوجستية في ولاية الموصل تشكل نقطة فاصلة بين ادعاءات الاتراك الرامية الى ضم الموصل لها وبين الحكومتين العراقية والبريطانية اللتان كانتا تعولان على موقف الكرد في السليمانية الداعي الى انضمامهم الى حكومة بغداد . وكان رأي غالبية الكرد في المدينة الرغبة في الانضمام او الالتحاق بالعراق , على ان تراعي حقوقهم القومية , وذلك بان يكون موظفيهم من الكرد , وان تكون اللغة الكردية لغة الادارة الرسمية والتعليم في المدارس . كما اعرب معظم التجار الذين تربطهم مصالح اقتصادية مع العراق عن رغبتهم في انضمام السليمانية الى العراق(3).
كذلك التقت اللجنة بشيوخ ورؤساء العشائر الكردية من عشائر الجاف وبعض الاغوات الذين عبروا عن وجهة نظرهم تجاه المشكلة باكملها(4).
وفي خضم ذلك الصراع على مصير الموصل اتخذ الكرد مواقف اخرى حاسمة انصبت كلها في صالح العراق(5). فان كرد كركوك والسليمانية وجميع العشائر الكردية القاطنة في ولاية الموصل و ((اهالي ))300 قرية في الجبال الشاهقة التابعة لراوندوز التي كانت منذ وقت غير بعيد مركزا لامارة كردية , و((معشر اكراد عقرة )) و(( مشايخ دهوك )) و(( العمادية )) و فرع (( جمعية الدفاع عن زاخو )) , وفرعه الاخر في دهوك , واعيان اربيل وغيرهم رفعو عشرات البرقيات والمضابط الى لجنة التحقيق ومنها الى عصبة الامم يؤكدون فيها رغبتهم في ان يعيشوا ضمن العراق ما دام القانون الاساسي العراقي يضمن حقوقهم القومية(1).
أكملت اللجنة عملها في السليمانية , ثم رفعت تقريرها النهائي الى عصبة الامم بتاريخ السادس عشر من حزيران عام 1925(2) . نصت فيه على وضع هذه المنطقة تحت وصاية عصبة الامم لمدة خمسة وعشرين سنة وضرورة تسليم الشؤون الادارية والقضائية والتربوية الى (( العنصر الكردي )) مع اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في المنطقة(3) .
في اعقاب عودة ولاية الموصل الى العراق , وما اقرته لجنة عصبة الامم من توصيات حول حقوق الكرد في تلك الولاية , قدم ستة من نواب الكرد في المجلس النيابي في شباط عام 1929 مذكرة طالبوا فيها اجراء اصلاحات ادارية في المناطق الكردية(4) .
في الوقت نفسه رفع احد النواب الكرد في المجلس مذكرة الى كل من رئيس الوزراء العراقي, والمندوب السامي البريطاني تضمنت تشكيل لواء كردي من اقضية الموصل التسعة,التي يشكل الكرد الاكثرية الساحقة منها على الاقل, ويكون مركزه دهوك يدعى بـ لواء دهوك وتلحق به اقضية (( عقرة , وزيبار , والعمادية وزاخو )) .
وكذلك طالب بتشكيل وحدة أدارية كردية تضم الوية السليمانية واربيل وكركوك , وان يتولى امر هذه الوحدة الادارية مفتش كردي عام , يكون المنسق الوحيد , بين هذه المنطقة وبين الحكومة العراقية (5) .(
وطالبت المذكرة ايضا بتطوير دائرة المعارف الكردية وزيادة ميزانيتها , الى جانب زيادة التخصيصات العامة فن كردستان , كما اشارت الى وجوب تعديل القوانين القديمة التي تخص كردستان , واستبدالها باخرى جديدة تتلاءم مع حاجات وتطلعات الشعب الكردي .
واخيرا ان تكون اللغة الرسمية في الالولية الاربعة سواءً في الدواويين الحكومية او المدارس وفي المخاطبة مع العاصمة هي اللغة الكردية(1).
وتشير وثيقة بريطانية الى ان رئيس الوزراء العراقي قد (( فوجئ )) بهذه المذكرة , وعدها في اتصال مع المندوب السامي البريطاني , انها قد تكون خطوة اولى من جانب الكرد لاعلان الاستقلال(2).
ولتبديد مخاوف الكرد اقدمت الحكومة العراقية بتاريخ العاشر من نيسان عام 1930 على سن قانون يجعل اللغة الكردية لغة رسمية في الاقضية والالوية التي يكون الكرد الاكثرية الساحقة فيها .وتمت المصادقة عليه من قبل مجلس النواب في عام 1931(3).
وفي لقاء مع الملك فيصل الاول اعرب المعتمد السامي البريطاني عن ثقته بان القانون المذكور سيعزز من الثقة بالحكومة العراقية , وينسجم مع الوعود التي قطعتها هذه الحكومة امام اللجنة التي ارسلتها عصبة الامم اثناء بحث قضية الموصل بخصوص احترام الحقوق والمطالب الكردية في كردستان العراق(4).ومع ان الملك ابدى مخاوفه من احتمال تزايد المطالب الكردية التي قد تسبب ازعاجا (( للحكومة )) غير انه وعد بتنفيذ ما طالب به النواب الكرد(5).
اعقب ذلك انشاء مكتب للترجمة في وزارة الداخلية , وتعيين معاون لمدير الداخلية لمتابعة الشؤون الكردية في الالوية الشمالية , وكذلك تم تعيين مفتش للمعارف , للاشراف على المدارس في الوية السليمانية واربيل وكركوك(6) .

التآخي