الرئيسية » مقالات » كركوك ومهزلة البرلمانية

كركوك ومهزلة البرلمانية

قبل ان اتحدث عن تصرف اعضاء مجلس البرلمان الهزيل . أحب ان أسأل الحكام الجدد سبب سقوط نظام البعث وإزاحته عن السلطة ؟ وما الهدف الذي اتفقت عليه الاحزاب المعارضة دون استثناء في مؤتمرات لندن وصلاح الدين وغيرها من التجمعات والاجتماعات داخل دهاليز الدول الأقليمية والأوربية ؟ ألم تطرحوا معالجة هموم ومعاناة الشعب العراقي ومكوناته الدينية والقومية ومعالجة قضاياه العقيدية بصورة سلمية وقانونية التي لم تستطيع ان تعالجها الحكومات المتعاقبة على سد الحكم في العراق ؟ اليس الشعب وهمومه ومعاناته هي من اولويات برامجكم ومناهجكم عندما طرحتموها أثناء الانتخابات ؟
يتضح ان هناك امور مخفية وأتفاقيات سرية بين بعض الاحزاب داخل البرلمان ضد طرف آخر ومحاولاً جهد امكانهم تشويه الدستور وأجهاضه ، التي أتضحت للعيان كسقوط أوراق الأشجار في الخريف من خلال التصويت والمواقف والتصريحات الانفعالية والاجراءات المستعجلة بدلاً ان تتخذ القرارات الإنسانية والعقلانية السياسية والمدروسة بشكل جيد لجميع الأطراف لوضع اللبنة الاساسية والآلية السليمة والاسس الصحيحة ومن خلال رجوعهم الى الدستور العراقي التي ينسجم مع مصالح شعبنا ومكوناته الآنية والمستقبلية .

من خلال هذه المقدمة البسيطة سأدخل في صلب الموضوع وهي قضية كركوك ومهزلة البرلمان ومصادقته على تأجيل انتخابات كركوك الذي خطط له من قبل طرف معادي للشعب الكوردي بأسلوب محكم ومخطط لخلق الفتنة والصراع بين مكونات شعبنا العراقي واستغلال الديمقراطية بشكل سيء للوصول الى أهدافه الدنيئة وتحقيق مأرب دول الجوار :
مصادقة على تأجيل أنتخابات كركوك داخل البرلمان العراقي بطريقة غير شرعية ومخالفا للدستور الذين يحاولون أجهاضه من قوى المعادية للشعب العراقي وحقوق الشعب الكوردي ، كانت العملية رسالة متميزة وواضحة المعالم الى الكورد لا تحتاج الى إضافيات للعنوان المرسل التي اثارت ردود كثيرة داخل مكونات الشعب العراقي واتصف الرسالة بالشوفينية والعنصرية لأنها امتداد لمواقف وسياسات النظام البائد التي لم تجلب على العراق سوى الكوارث والويلات ، ومن طبيعي هذه الحالة لاتخدم شعبنا واطيافه المختلفة الذي يفوح منه رائحة قرارات مجلس قيادة الثورة لنظام البعث المنحل ، وهو ما انعكس سلباً على المسرح السياسي في العراق عموماً وعلى الوضع الامني في كركوك بصفة خاصة التي شهدت احداث عنف وحالة جذب قومي مقلقة عبر خطابات انفعالية وتصريحات نارية من جميع الاطراف .
ان تأجيج قضية كركوك داخل البرلمان من قبل بعض الاطراف المعروفة على الساحة العراقية وخاصة من قبل المتشبعين بالفكر القومي والنزعة الاقصائية ومعادي للكورد ، لها مدلولات سياسية وحزبية ضيقة وتحاول هذه الاطراف عرقلة طموحات مكونات الشعب العراقي وفقدان الثقة فيما بينهم ، ومحارية الديمقراطية والفيدرالية التي يحتاجهما المواطن العراقي وقدم تضحيات جسام من أجلهما ، وتحاول هذه الاطراف بقدر ما تستطيع لأفشال التجربة الكوردية ضمن العراق التعددي الفيدرالي خدمة لدول الجوار التي تتخوف من فدرالية كوردستان العراق ، هؤلاء اخذوا من كركوك ذريعةً لهم بحجة حفاظ على وحدة الوطن وسلامته ، كأن قضية كركوك وليدة اليوم على الساحة السياسية ، وليست هي قضية قديمة ومعقدة منذ نشوء الدولة العراقية ولم يتم معالجتها من قبل الانظمة والحكومات المتعاقبة على حكم العراق وكانت دائماً عقدة في كل المفاوضات بين القيادة الكوردية والحكومات العراقية طوال عقود منصرمة ، وجعلت في كل جولات مفاوضاتها خطاً احمر لاتنازل عنها .. والرأي العام العراقي والعالمي تفهم مطاليب القادة الكورد هي نفس مطالبهم في زمن المرحوم الملا مصطفى البرازاني ولم يأتوا بجديد إنما مطالب الشعب الكوردي .
مدركاً في الوقت نفسه مدى تهالك الحكومات العراقية وتحديدا نظام البعث فعل كل شيء وبذل أقصى جهده لتغيير الطابع الديمغرافي لمدينة كركوك في اطار ما كانت تعتقد انه يخدم مصالحها عندما مارس كل اشكال الترحيل والتهجير والعنف بحق الكورد والتركمان ، فاستقدمت عشرات الآلاف من العوائل العربية من جنوب ووسط وغرب البلاد الى مدينة كركوك بعد ان اغرتهم بامتيازات مغرية للعيش في كركوك ومدن اخرى من اقليم كوردستان ، وفرضت طابعاً ثقافياً عربياً عليها ، ونقل الموظف الكردي الى خارج المحافظة أوفصل من وظيفته من رفض النقل ، ووظف بديله بشكل خاص موظف عربي موالي لها ، بالإضافة الى استخدام اشنع اساليب القتل والبطش بحق الكورد والتركمان أيضاً ، وقامت بعمليات استقطاع اراضيها مثيرة للاستغراب وضمها الى محافظات اخرى ، حدث ذلك طوال العقود الثلاث الاخيرة من القرن الماضي ، لكن الاصرار الكورد وصموده امام كل الحملات المسعورة تمكن من مواجهة التغيير الثقافي والاحتفاظ بهويته ووجوده داخل مدينة كركوك رغم من المضايقات والاعتقالات والاعدمات ، وقدم الكورد الاف الضحايا وإنهار الدماء من اجل مدينة كركوك ، كل ذي ضمير يعلم علم يقين بأن مأساة الكورد في كركوك تفوق حجم جميع المآسي .
إن ما يحدث الآن في البرلمان من أزمة حول مسألة كركوك ، وبالشكل الذي جرى تمريره من قبل الذين صوتوا له بصورة سرية ، والتي تعتبر خرقاً فاضحاً للدستور، هي ليست سوى واجهة لقضايا أكثر إشكالية وتعقيداً في المدى المنظور، وهي تعتبر جزأ من أجندات داخلية عراقية وإقليمية ودولية ، وبغض النظر عن الاختلاف في وجهات نظرهم (وهناك تكهنات ودلائل بعدم موافقة الولايات المتحدة الامريكية بالحاق مدينة كركوك بأقليم كوردستان) ، تتحرك هذه الجهات بمحاولاتهم الجادة لأستهداف التجربة العراقية الجديدة عبر بوابة كركوك على دق إسفين في العلاقات الشيعية الكوردية لعدم الاستقرار العراق وإعادة عجلة التأريخ الى وراء والعودة الى الصراع بين الحكومة المركزية والشعب الكوردي الذي يجلب المآسي والدمار الى الشعب العراقي بحجة عدم القدرة على حل معضلة كركوك التي تشكل القضية الاساسية للكورد فهي كانت محور كل صراعاتهم سابقاً بقيادة الاب الروحي للشعب الكوردي البارازاني الخالد مع الحكومات العراقية المتعاقبة .
هنا يطرح السؤال كيف للإنسان الكوردي ان يثق بمعظم المسؤولين في حكومة بغداد أتوا بعد سقوط النظام البائد الذين يتعاملون بعقلية هي امتداد لعقلية البعث واللجوء الى منطق القوة والاستخفاف وعدم جدية في حل قضية كركوك ؟! ان جميعهم يعلنون بان قضية كركوك صارت لغماً مهيأ للانفجار ، ويحذرون من ان قضية كركوك قد تجر العراق كله الى الحرب الاهلية ، لكن المشكلة لم يجد منهم الحل سوى الاهمال وسياسة المماطلة في تذبذب وتردد ازاء تعهداتهم بالالتزام النص الدستوري وخطوات التطبيع طريقاً الى حل يرضى الجميع ، بل استخدام لغة التحذير والخداع لمنع اعادة ضم كركوك الى الاقليم من قبل الاطراف المتعددة ، وعرقلة عودة المهجرين الى مناطقهم الاصلية وانكار حقوقهم وتهميشهم ، وتأخير عمليات تعويضهم وكذلك مماطلة اعادة ضم المناطق المستقطعة من اقليم كوردستان . ومما لا يخفى على احد هو حق طبيعي للكورد مطالبة كركوك وليس غصباً كما تصوره بعض الاحزاب العراقية ومعظم وسائل الاعلام العربية والاقليمية . لا مجال هنا لسرد التفاصيل ، سنأتي عليه بالتفاصيل في مقالات أخرى قادمة .

أستطيع ان أقول أن كركوك اليوم هي الامتحان الاصعب أمام الحكومة وامام البرلمان العراقي ويجب تجاوزه بشكل عقلاني وسلمي لكي يخدم جميع الاطراف المتنازعة . لأن قضية كركوك أكثر القضايا الحساسة والساخنة ، للأسف الشديد هناك بعض الكتل والطوائف المعادية للكورد تحاول تعرقل تطبيق المادة 140 لحل هذه القضية المصتعصية التي تضمن تعايش سلمي بين كل المكونات في المدينة بحجة خوفاً على وحدة العراق .