الرئيسية » مقالات » عولمية عربية بلا تشريعات حيوية

عولمية عربية بلا تشريعات حيوية

تشخيص الاشكالية :

الكل يدرك اننا اليوم نعيش انطلاق ثورة اعلامية كبري من خلال ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .. والتي دخلت كل حياتنا اليومية ، وفي اي مكان ، من عولمتنا الجديدة ، ولا يمكن لأي دولة ، او سلطة ، او حدود ان تصد هذا التدفق الهائل من الاعلاميات في الاخبار ، والمعلومات ، والرأي ، والصورة ، والحركة .. الخ ربما بدأ الناس يعتادون علي هذه الكائنات الجديدة ، وكأنها موجودة منذ القدم من دون التفكير بتأسيس اي ضوابط ، أو قوانين وتشريعات ، أو محددات ، للتلقي والقبول والنشر والبث والذيوع والانتشار ! هل ندرك حجم الاذي الذي سيتعرض له اي كائن يتفاعل اعلاميا مع الاخر ؟ وفي هذا الوقت بالذات ، خصوصا ، عندما يأخذ الخلاف او الاختلاف ، الجدل او الجدال ، مدي شخصي في ثقافتنا العربية والثقافات المحيطية الاخري ، ثم يتفاقم الي قذف سياسي جماعي ، ومن خلال اسلوب فاضح علي الملأ ؟؟ ومن المؤكد ، وبحكم مشاعيته ، سيشترك فيه اناس لا علاقة لهم ابدا لا بثقافة ، ولا بتخصص ، ولا باحتراف ، لا بمنهج ، ولا بأي رؤية اصلا ، ليبدأ فصل مثير للاشمئزاز والقرف وبواسطة مداخلات متخلفة او بدائية او سمجة باسم حرية التعبير والرأي ، وباسم ديمقراطية مزيفة لا تعرفها مجتمعاتنا ابدا ، وهي تطال اي واحد في المجتمع من دون وجه حق ، بل وتصبح العملية مجالا للقذف السياسي والشخصي وباساليب رخيصة لا تمت للقيم الانسانية باية صلة .. ناهيكم عما يجده الجيل الجديد بين يديه اليوم مفضوحا بشكل عادي في اي مكان .. ان الدعوة باتت ماسة لتأسيس ضوابط واصدار تشريعات لضبط ما يدور اليوم في فضاءاتنا كلها ضمن مشهد العصر . انني اراقب منذ خمس سنوات ، تجارب دول ومجتمعات ، وما يصدر فيها من تشريعات ، او ما يرّسخ عنهما من تقاليد سواء بشكل رسمي يأخذ الصفة القانونية ، او بشكل شبه رسمي يأخذ له الصفة النقابية .. فتجد ثورة العصر لا تقود الي فوضي ، بقدر ما تمنحها المناهج والقوانين وكل التقاليد ، فضاءات رحبة من التقدم الدائم علي مر الايام المتداولة .


الرؤية النقدية من خلال تشخيص حالات ونماذج

دعوني اسجل لكم جميعا هذه الملاحظات التي تتضمن نقدات ومقترحات وفتح صفحات جديدة من اجل خدمة العمل الجماعي للثقافة الاعلامية التي اعتبرها مشهدا حيويا للعصر ، ولكنه لا يستقيم ابدا مع التحولات العولمية في الدنيا كلها :

1/ الانفلات الاعلامي:
ان مجرد فتح المجال للصحافة والاعلام ( باسم الحريات والديمقراطية ) ، والقاء التهم وتبادل التراشق في مسائل فكرية ، وتخصصية ، ومعلوماتية نقابية ، ومؤسسية تنظيمية بحتة يعد من جملة الاخطاء او الخطايا التي ترتكب اليوم في منطقتنا ، بلا اي شعور بالذنب ، ولا اي اسلوب في التعايش مع اية مصاعب أو تحديات.. انها ستخلق بالضرورة انقسامات لا حد لها ، ويتوالد فرقاء متفرقين ومشتتّين .. ان الاعلام ، واجهزته ، ومؤسساته لا يمكنه ان يكون ميدان سقطات او انفعالات او القاء مواعظ او معروضات تافهة تغسل الادمغة .. بافلام او اقلام او خطاب من نعرفه ومن لا نعرفه .. ان اية خروقات تمس موضوع معين او أي ذات ينبغي ان يعاقب عليها القانون في اي مجتمع متمدن يلتزم بالاعراف الديمقراطية ويعمل ضمن سقف القانون والاعراف الاخلاقية ..

2/ الاحتقانات السياسية والاجتماعية :
ان الديمقراطية لا تعني فتح الابواب ، امام التشهير والقذف العلني ، والاساءات الشخصية البالغة والموضوعية الخطيرة .. والتي وجدت لها بيئة خصبة لدي الجميع في السنوات الاخيرة التي تطورت فيها الاعلاميات بفعل ثورة الاتصالات .. ، ولكن بدت ثورة العصر في حياتنا العربية ساحة لافراغ كل الاحتقانات سياسيا واجتماعيا .. ثقافيا وفكريا ، ومن دون اي كوابح ، ومن دون اي اعتبارات نقابية او مؤسسية . ان الحوار وفلسفته هو فنّ عالي المستوي ، وهو جدل حقيقي لا جدال سجالي ، يجر الي مهاترات شخصية وشتائم تصل الي حد كسر العظام ، وتهشيم السمعة .. من دون اي وازع حضاري ، ولا اي مبرر موضوعي ، ولا اي مسوغ حقيقي من قبل اناس لهم مواقفهم السياسية او الشخصية المضادة .. .

3/ اتساع نطاق الخلافات :
لقد كانت الخلافات الثقافية والادبية والفكرية في مجتمعاتنا وحياتنا العربية سابقا تدور بين اثنين ، او بين جماعتين ، او بين مؤسستين ، أو بين حزبين ، او بين جريدتين ، او بين طرفين اثنين .. وربما تنحصر بين الجدران ، او المكاتب ، او القاعات ، او اروقة الجامعات ، او حتي ان نشرت فتبقي في اطار محلي ضيق ، وربما تخرج علي الملأ في صحافة وطنية معروفة ، وقد عشنا وشفنا معارك سياسية وادبية وفكرية بين ادباء وشعراء ومفكرين وساسة تعرف كل اسمائهم وتدرك جل عناوينهم علي صفحات جرائد او مجلات مسجّلة ضمن قانون مطبوعات اي دولة .. وربما لا يتجاوز احدهم الاخر بسبب نصوص القانون اولا وبسبب قيود الصحافة ثانيا ، وبسبب قانون المطبوعات ثالثا ..

4/ هجمة التوحش :
اما اليوم ، فلقد دخلنا مناطق محظورة وجدّ خطيرة ، ليس علي مستوي الناضجين والمؤهلين حقا لأي حوار ، بل غدت كل الاجيال منهمكة في بحر من هذا اللامعقول ، في كل مرفق من مرافق الحياة .. شاشات التلفزيون بكل الفضائيات لا حدود لما تبثه .. وتلحق بها اعلاميات مواقع الكترونية تحمل الغث والسمين ، وتختلط فيها الاشياء في خلطة لا يمكن تمييز الصالح من الفاسد فيها ! ان الاخطاء في كل الامور قد زادت بشكل لا يمكن تخيله ، بفعل كل هذا التطور المذهل في الحياة الاعلامية .. ربما كانت ثورة المعلومات والاتصالات اكثر نفعا في الحياة الاقتصادية والمالية والخدمية .. لكنها مع مشهد العصر تغدو انما هي نقمة ، خصوصا وان ارقي آليات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات قد وجدت نفسها في مجتمعات متخلفة غارقة في الوحل والطين ، او انها تتحرك ضمن بيئات متوحشة تتشكل فيها جوقات من اناس تتنوع ليس افكارهم وابداعاتهم ، بل تتعدد سيئاتهم وتنعدم اخلاقياتهم .. ومن المؤسف ان تغدو الآليات الجديدة أدوات تشهير ، وماراثون قذف ، ومعرض اخطاء باسم الديمقراطية ، وكأن ” الديمقراطية ” لا يمارسها الا انصاف المثقفين والجهلاء والرعاع ضد المثقفين العلماء والمختصين بعيدا عن نقد ممارسات القادة والزعماء وما يقترفه عدد كبير من السياسيين والاعلاميين من آثام وجرائم ؟

5/ الاضمحلال الثقافي :
لا يمكننا ان نتعامل بمثل هذه الاسلوب ونحن ننضوي تحت يافطة ( ثقافة متطورة ) فلا نحن قد احتكرنا الحقيقة لانفسنا ، ولا نحن ، قد اصبحنا اساطين ثقافة ومعرفة عليا يتسابق العالم علينا .. وعلي الاخر من غير المثقفين والعلماء والاكاديميين ان لا يقحم نفسه ، ولا قلمه ، ولا خطابه ، ولا يدخل انفه في ما لا يعنيه من مشكلات ! وفي الحصيلة ، ثمة ما يتركونه من زبد يذهب جفاء من دون اي حوافز وانشطة وابداعات ومنتجات تفوق حدود الذاكرة ، بل الخيال . ان مشهدنا الاعلامي والثقافي يضمحل شيئا فشيئا بفعل كل المثالب التي يزداد حجمها من دون اي علاجات ..

6/ ضرورة التشريعات الواقية :
ان اعلامياتنا العربية في مثل هذه الظروف الصعبة مسؤولية صعبة جدا ، ويتحّتم عليها وعلينا جميعا ان نتقّبل كل الملاحظات والانتقادات ، وان نحافظ علي الحدود الدنيا من العلاقات الادبية التي يحترم فيها احدنا الاخر علي الاقل ، وهنا ، يستوجب الانطلاق من واقع مهترئ ينبغي تغييره او تطويره ، وان يتقّبل كل المستحدثات الجارية في العالم بروح عالية .. اننا مدعوون جميعا لوضع اسلوب عمل صريح وشجاع يطالب بالنص مراعاة التشريعات الخاصة بذلك .

7/ ضوابط الثورة الاعلامية :
وعليه ، فان حياتنا الاعلامية العربية ، الرسمية والاهلية ، بحاجة ماسة الي اصدار تشريعات وضوابط لكل مرفق من المرافق والمؤسسات والاجهزة المستخدمة وصولا الي كل المواقع الالكترونية علي الويب ، وان تخضع كل الثورة الاعلامية الي هيئات نزاهة وان تخضع كل التجاوزات للقضاء .. فمثلا ، من حق القارئ ان يعرف كل شيئ عن كاتبه ، ولكن بنفس الوقت من حق الكاتب ايضا ان يعرف من يمدحه ومن يعلق عليه ومن يذمه ويشتمه ! اننا ازاء ثورة اعلامية ينبغي ان تكشف فيها كل الاوراق وكل الاسماء وكل الاشياء من اجل ان تحدد خطواتنا كوننا نعمل ونعيش كل في مكان من هذا العالم .

8/ تغيير النهج والتقاليد :
لابد من تغيير في النهج ، وتماسك في العلاقات ، ومشاركة في العمل .. وهدوء في الاعصاب وشفافية في الحوار واخلاقية التزام بكل القيم بحيث لا يمكن ان نفسر النقد شتيمة ، ولا الاعتراض سبّة ، ولا النصح جريمة ، ولا الحرية فوضي .. علينا ان نقدّر الامور حق قدرها ونحمل حلم الرجال في كل خطواتنا .. علينا ان نحترم بعضنا بعضا مهما بلغت بنا درجة الاختلاف .. وعلي كل منا ان يعرف قدر نفسه ازاء الاخر ، وكم باستطاعته كمثقف من المثقفين ان يركض في ماراثون ابداع الكلمة والنص والريشة والصورة والصوت والعقل والمشاعر والجمال واثراء الثقافة الحقيقية واشراكها في سيرورة الثقافة العالمية .


الحصيلة : مطلوب مؤسسية واحتراف وتقاليد جديدة

وأخيرا ، ينبغي تفعيل اي بادرة او اكثر من اجل ان يكون كل الاعلام له حريته وفضائه الديمقراطي ، ولكن ضمن تقاليد واعراف لا حيدة عنها .. وان تمارس اخلاقيات في غاية النضج وان تؤسس برامج عمل ، وتشرع قوانين ، والانطلاق بكل ما يمكن ان يسّهل العمل ويرسّخ الشفافية بعيدا عن الفوضي السائدة .. ان الاعلام العربي ينبغي ان يكون مؤسسة للمثقفين ، وتجمعا للمبدعين ، ومنظومة للعاملين ، وميدانا للتربويين ، وساحة للفنانين الحقيقيين . اننا بأمس الحاجة الي ان نعيد التفكير بمسيرتنا ، حتي وان كانت قصيرة والا سنكتب ضربا من العبث والجنون ومهما بقينا متنازعين بمثل هذا المستوي فسوف يسجل العالم علينا بأننا غير مؤهلين ابدا للعمل بروح جماعية وحداثوية .. فهل سندخل حقا القرن الواحد والعشرين ؟ وهل سننجح باستخدام آخر منجزات العصر من اجل الارتقاء بواقعنا وافكارنا وخطابنا وكل وجودنا الي زمن جديد ؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة .

3 /8/ 2008
www.sayyaraljamil.com