الرئيسية » مقالات » حل مشكلة كركوك بين الممكن والمستحيل

حل مشكلة كركوك بين الممكن والمستحيل

سجلت أزمة مدينة كركوك تصعيداً جديداً وربما قياسياً في الآونة الأخيرة بعد تصويت البرلمان العراقي يوم 22/7/2008 على مشروع قانون انتخابات مجالس المحافظات، واعتبار محافظة كركوك أربع دوائر انتخابية، بدلاً من دائرة انتخابية واحدة التي يريدها الأكراد، لأن الدائرة الواحدة تحقق للأكراد مقاعد أكثر في مجلس المحافظة. وبعد صدوره بيوم واحد، سارع مجلس الرئاسة باستخدام حق النقض (فيتو) وفق الدستور، فأصدر بياناً أعلن فيه رفضه التام لقرار البرلمان. كما و أعربت حكومة إقليم كردستان عن رفضها أيضا لمسودة القانون. والمعروف أن الأكراد يعتبرون مدينة كركوك، الغنية بالنفط، ومتعددة القوميات، قدس الأقداس عندهم ويسعون لضمها إلى إقليم كردستان وجعلها عاصمة للإقليم، وأن هذا المطلب من الخطوط الحمراء التي لا يمكن مطلقاً تجاوزها والتخلي عنها بأي شكل كان. وبالمقابل فإن الأطراف الأخرى من سكان كركوك، عرب وتركمان وأقليات مسيحية، يرفضون بشدة ربط المدينة بإقليم كردستان، ويريدونها أن تكون مدينة التآخي لجميع القوميات ومرتبطة بالعراق.

وتصعيداً للأزمة، خرجت مظاهرات جماهيرية صاخبة في مدينة كركوك من هذا الطرف، لتقابلها مظاهرات مضادة من الأطراف الأخرى، إضافة إلى التصريحات النارية من ممثلي مكونات سكان المحافظة. ولكن في نفس الوقت، ونقولها باعتزاز، أن جميع هذه النشاطات مازالت محصورة ضمن اللعبة الديمقراطية، ولم يلجأ أي طرف إلى استخدام العنف أو التهديد بالعنف ضد الطرف الآخر، بل أكد الجميع على استخدام الوسائل السلمية التي يبيحها لهم القانون والدستور في التعبير عن آرائهم ومواقفهم المتباينة. وعليه، يجب أن لا نتطير من هذه السجالات مهما كانت ساخنة ومحتدمة، فمن حق المواطنين، وعلى اختلاف مستوى مسؤولياتهم، أن يعبروا عن آرائهم ومواقفهم في هذه القضية أو تلك بالوسائل الديمقراطية المتاحة، وهي مناسبة لمنح العراقيين الفرصة لتعلم قواعد اللعبة الديمقراطية وإتقان ممارستها.

وعليه، ولكوننا كتاب سياسيين نمارس السياسة من جانبها النظري، وليس العملي، فمن حقنا، أن ندلي بدلونا، بل ومن واجبنا، وحرصاً منا على خدمة شعبنا ومصلحته، ومنع المزيد من الخسائر والتضحيات، أن نقدم المشورة المخلصة والصادقة للسياسيين العمليين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية الحل والعقد، خدمة للمصلحة العامة وحماية الشعب من عقابيل الحلول الخاطئة للمشاكل التي يواجهها الوطن. فقد دفع هذا الشعب عبر الأجيال، وبجميع مكوناته، وفوق طاقته، ثمناً باهظاً طوال التاريخ، وخاصة خلال تاريخه الحديث، وبالأخص خلال حكم البعث الصدامي الفاشي. وعليه أضم صوتي إلى جميع الأصوات الخيرة التي طالبت المسؤولين من القادة السياسيين أن يركنوا إلى العقل والحكمة في حل أزمة كركوك بالوسائل السلمية، ووفق أحكام القانون والدستور، وباستخدام أسلوب التوافق والتسويات العقلانية، وحلول الوسط التي تحقق لكل طرف قدراً من حقوقهم من الكعكة. كما ونؤكد مرة أخرى، أن الإصرار على أسلوب “كل شيء أو لا شيء” أسلوب خاطئ وفاشل في العمل السياسي، لأن الذي يصر على كل شيء ينتهي دائماً بلا شيء ويخسر كل شيء، وسيكلف الشعب المزيد من الدماء والأرواح والدمار، وليس بمقدور هذا الشعب أن يتحمل المزيد من الكوارث وهو يخوض تجربته الديمقراطية الوليدة وبناء دولته الديمقراطية العصرية الحديثة بعد أن تخلص من أبشع نظام همجي عرفه التاريخ.

وبناءً على ما تقدم، أود أن أقدم نصيحة مخلصة إلى قادة الشعب الكردي في العراق، وخلاصتها، أن يعيدوا النظر في سياساتهم الحالية وموقفهم من الدولة العراقية الديمقراطية الوليدة، بأن يراجعوا تاريخهم خلال القرن العشرين، ويستخلصوا منه الدروس والعبر مما عاناه الشعب الكردي خاصة والشعب العراقي عامة، بسبب سياسات الحكومات القومية الشوفينية المتعنته والجائرة، وطرق مواجهتم لها، وما يمكن أن يحققونه لشعبهم الآن في ظل حكومة ديمقراطية منتخبة بالوسائل السلمية المتاحة وفق فن الممكن، وقاعدة (خذ وطالب) وليس سياسة إما وإما!!! خاصة وإنهم (الكرد) يشكلون اليوم جزءً أساسياً من هذه الدولة الديمقراطية، لذا فعليهم أن لا يتسببوا في إغراق السفينة العراقية، لأن في نجاتها نجاة للجميع، وفي غرقها هلاك للجميع.

ولكن من المؤسف القول أن بعض الأخوة من الكتاب الكرد، ما أن يوجه لهم أصدقائهم من الكتاب العرب، نصيحة مخلصة إزاء هذه المشكلة أو تلك، حتى وقذفوهم بتهمة القومية الشوفينية وأنهم من أيتام البعث المقبور. لذا أتمنى عليهم أن لا يقابلوا مقالي هذا بالاتهامات الجاهزة المعتادة، فأنا صديق للشعب الكردي، ومن دعاة دعم حقوقه بما فيه حقهم في إقامة دولتهم القومية المستقلة في حالة توفر الإمكانيات لها، ولكن في حالة تعذر ذلك كما الآن، فمن الأفضل لجميع مكونات الشعب العراقي أن يعيشوا معاً بسلام ضمن الدولة العراقية، متساوون في الحقوق والواجبات دون أي تمييز.

ما هي مشكلة كركوك؟
إن مدينة كركوك عبارة عن عراق مصغر، يتكون سكانها من امتداد لجميع مكونات الشعب العراقي ولو بنسب مختلفة. ولقد عاشت هذه المكونات، أكراد وعرب وتركمان ومسيحيون وغيرهم معاً بسلام عبر التاريخ دونما ينغص صفوهم شيء. وإذا عاشت هذه المكونات بسلام مع بعضها البعض في ظل أنظمة استبدادية جائرة، فما الذي يمنعها أن تعيش بسلام في ظل حكومة ديمقراطية منتخبة تتعهد بالمساواة للجميع؟

لاشك أن يعرف الأخوة من قادة الشعب الكردي، أن العراق وبعد تحرره من أبشع نظام بفضل تدخل المجتمع الدولي والقوات الدولية بقيادة الدولة العظمى، أمريكا، ورث تركة ثقيلة ومؤلمة جداً من الحكومات الجائرة. وهذه التركة عبارة عن تراكمات هائلة من مشاكل كبيرة وكثيرة أهمها الخراب البشري وأزمة الثقة والصراع الدموي بين أبناء الشعب الواحد، وتصفية حسابات، ومن المستحيل حل جميع هذه المشاكل بين يوم وليلة وبعصا سحرية، وفي الظروف القاهرة الراهنة التي يمر بها العراق الجديد، حيث الإمكانيات البسيطة، وغياب الأمن بسبب تكالب عدد من دول الجوار ومنظمات الإرهاب من الذين لا يريدون للعراق وشعبه خيراً، بل ويسعون ليل نهار إلى إفشال العملية السياسية وتجربته الديمقراطية الرائدة خوفاً من وصول عدوى الديمقراطية إلى شعوبهم، لذا يبذلون كل ما في وسعهم من جهود لإبقاء العراق ضعيفاً ومفتتاً وغارقاً بمشاكله لكي يقولوا لشعوبهم هذه هي الديمقراطية التي تريد أمريكا نشرها في دول الشرق الأوسط. ولكن هؤلاء على خطأ كبير، إذ لا يمكن أن تستقر دول المنطقة إلا باستقرار العراق، والمستقبل هو للديمقراطية.

ونفس الكلام أسوقه إلى قادة الشعب الكردي، فاستقرار الشعب الكردي لن يتحقق إلا باستقرار العراق ككل. ففي دراسة قيمة بعنوان (مستقبل الأكراد في العراق) للباحثJoost Hilterman ، في صحيفة (Le Monde Diplomatique) الفرنسية، في حزيران/يونيو2008، قال ما معناه أنه نتيجة للمظالم التي عانا منها الأكراد على أيدي الحكومات المركزية في بغداد لعشرات السنين، فإنهم يفضلون حكومة مركزية ضعيفة في العراق الجديد من أجل أن يضمنوا أمنهم وسلامتهم منها، ويستخلصوا أكبر قدر ممكن من المكاسب. وينتقد الباحث الموقف الكردي هذا، إذ يرى أنه ليس الشعب العراقي وحده الخاسر بحكومة مركزية ضعيفة، بل وحتى الشعب الكردي سيكون من الخاسرين. لأن الضمان الرئيسي لاستتباب الأمن والاستقرار في أي بلد، فيدرالي أو غير فيدرالي، هو وجود سلطة مركزية قوية تفرض هيبة الدولة وحكم القانون على الجميع، وإلا سيصبح العراق دولة فاشلة ومرتعاً للإرهابيين وعصابات الجريمة المنظمة.

وعليه، نؤكد للأخوة الأكراد أن ينظروا بعيداً، ويتحرروا من عقدة الضحية والجلاد، وأن يدركوا جيداً أن من مصلحة الشعب الكردي، كما من مصلحة جميع المكونات الأخرى للشعب العراقي، أن تكون في بغداد حكومة مركزية قوية، خاصة وأنهم يشكلون جزءً فاعلاً ومؤثراً من هذه الحكومة. إذ كما قال السيد هلترمان أن الأكراد تحولوا من ملوك الجبال إلى صناع ملوك في بغداد. يقصد أن لقادة الكرد دورهم الفاعل والمهم في صنع القرار السياسي وتشكيل الحكومة في الدولة العراقية الجديدة الآن.

مقترح لحل مشكلة كركوك
كما بينا أعلاه، إن مدينة كركوك عبارة عن عراق مصغر بمكونات سكانها، وبعد أن تحرر العراق من أبشع حكم فاشي ديكتاتوري كان قد احتكر السلطة والثروة لفئة واحدة، لا يمكن أن يسمح بعودة تلك السياسة وممارستها من قبل فئة أخرى كانت ضحية من ضحايا النظام السابق. والشعب العراق يعيش الآن مرحلة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية السريعة والعاصفة، تتصف بأزمة الثقة بين الأطراف المتصارعة. لذا فمهما أكد قادة الكرد بضمان حقوق الأقليات الأخرى في مدينة كركوك في حالة إلحاقها بإقليم كردستان، فإن هذه التأكيدات لا يمكن الوثوق بها من قبل المكونات الأخرى من السكان في الظروف الراهنة.

وعليه فإني أؤيد ما اقترحه الأستاذ حسين سنجاري، وزير كردي سابق، ورئيس معهد العراق للديمقراطية، ورئيس التسامحية العالمية، في مقاله القيم الموسوم (كركوك إقليماً مستقلاً بذاته) المنشور في صحيفة الأهالي وعلى مواقع الإنترنت، قائلاً: “التعايش بين المكونات المختلفة المشَكَّلة لنسيج كركوك كان سائداً لقرون طويلة، واستمرار ذلك التعايش مرهون بتجاوز الأزمات عبر اعتماد الحوار ولغة التوافق والمساومات وروح المبادرة والاستعداد لتقديم التنازلات المتقابلة بين الأطراف المختلفة. ماذا سيخسر الأكراد اذا صارت كركوك اقليماً مستقلاً بحد ذاته في مرحلة تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وبضمانات دولية على مراجعة وضعها بعد فترة معينة. مع ضمان حقوق مختلف مكونات المدينة وتطلعاتهم المشروعة عبر إجراءات قانونية تحفظ وجودهم القومي والاثني والديني؟”

أجل، إن اختيار كركوك إقليماً مستقلاً بذاته، ليس الحل الأفضل فحسب، بل هو الحل الوحيد أمام جميع الفرقاء وذلك للأسباب التالية:
1- إن سكان مدينة كركوك من غير الأكراد هم أكثر عدداً من سكانها الأكراد، وبذلك لا يمكن فرض إلحاقها بإقليم كردستان رغم إرادتهم. والأصح هو إجراء إحصاء سكاني لها تحت إشراف مراقبين دوليين، لمعرفة عدد السكان ونسبة كل أثنية فيها، ومن ثم إجراء إستفتاء لسكانها لمعرفة موقفهم فيما إذا كانوا يريدون البقاء كمحافظة مستقلة بذاتها تابعة للعراق أم ربطها بإقليم كردستان. وعلى الأغلب فإن السكان من غير الكرد يرفضون الخيار الأخير كما هو واضح الآن من تصريحاتهم وردود أفعالهم.
2- رغم أن قضية كركوك هي قضية عراقية بالدرجة الأولى، ولكن يجب أن لا ننسى أن القضية العراقية ككل هي الآن قضية دولية، إضافة إلى تدخل دول الجوار. ففي ظل الظروف الراهنة من المستحيل أن تبقى تركيا ساكتة إزاء ضم كركوك إلى إقليم كردستان وفيها نسبة كبيرة من التركمان، وفي هذه الحالة يمكن لتركيا أن تخلق الكثير من المشاكل للعراق عموماً وللأكراد بصورة خاصة.
3- وكما قال الأستاذ حسين سنجاري، ماذا سيخسر إقليم كردستان بجعل كركوك إقليماً مستقلاً بذاته؟ لا شيء.
4- كان لجوء قيادة الشعب الكردي إلى السلاح في عهود الحكومات السابقة مشروعاً وذلك لعدم توافر الوسائل السلمية الديمقراطية لحل المشاكل وخاصة الحرمان من الحقوق القومية. أما في العراق الجديد فإن الديمقراطية توفر الوسائل السلمية لحل المنازعات وفقاً للدستور. لذا فإننا نتوقع من القيادة الكردستانية رفض اللجوء إلى القوة في حل مثل هذه المنازعات، لأن في هذا الأسلوب المزيد من الدماء والدمار على الجميع وتكون الخسائر أكثر بكثير مما يمكن أن يجنيه الأخوة الأكراد.
5- يدرك الأخوة الكرد أن السياسة فن الممكن، خذ وطالب، ففي الظروف الراهنة من الصعوبة البالغة، بل وربما من المستحيل تحقيق كل ما يطمحون إليه بدفعة واحدة. ومن الممكن أن تتغير الأحوال في المستقبل، فالزمن وحده كفيل بحل مشاكل لم يكن حلهاً ممكناً في زمن ما. ووضع العراق الحالي لا يتحمل فرض الحلول بالقوة، لأن في ذلك خسارة للجميع. لذا نقترح أن تبقى كركوك إقليماً مستقلاً بذاته، لأنه الحل العملي والصحيح والوحيد الممكن، وفي جميع الأحوال لا يصح إلا الصحيح.