الرئيسية » مقالات » اللوحة

اللوحة

بين أربعة جدران امتلأت بخطوط سود وبقع حمر داكنة, كانت هي المداد الذي يدوّن به معاناته ويسجل خواطره التي تعبث في مملكة وجدانه وصادرت احلامه وهمساته.
الجدران هي القيد والحرية بالنسبة له, السجن الذي يقيده وينتصب امامه كتمثال جاهلي ابله, يتلذذ بعذاباته ويزغرد لانكساراته وهو يبحث بين شروخه عن وميض الوجد البعيد محاولا اعادة الروح الى لوحته الازلية التي تحمل بشائر الخوف المغموس بالحقد الدفين.. أية وشائج تربطه بتلك اللوحة المقيتة التي استشرت بنجيع المكابدين لعشقهم, فلم يبحثوا عن مقابر يوارون فيها دواوين عشقهم هذا ولم يهزهم المارد الجديد الذي اقتلع الوان الزهور كما اقتلع اظفارهم وطوى الورق الجميل بصفحات مخيفة مليئة بالانذارات والوعيد حتى أضحى يعيش في مصائرهم كل يوم وكل لحظة, ليتناثر الصدى على تلك الجدران ولتخرس امامها العواطف التي تهتز لها تلك الجدران.
يدغدغ احلامه في سباتها لمواجهة الخصم الذي لم يقهره, ويدون على تلك اللوحة لحظات معتمة من حياته لم يعلم بها غيره, والاشباح التي تزوره بين فترة واخرى لتزوده بمداد احمر من دمائه التي تتطاير كالشرار على الجدران.
حاول ان يعيد الكرة تلو الاخرى ليوثق صورة جديدة من الوحشية التي ارتكبت ضده ويضيفها الى اللوحة, لكن رجليه الكسيرتين أضيفتا كقيد آخر من قيوده, لكنه أبى الاّ أن يتكلم.. أن يكتب.. ويصرخ.. رغم انه يعلم انّ الصدى لايخرج من القبر الذي يضمّه.. فاسترخى في مكانه على الأرض الرطبة, وخط بيديه المرتجفتين مالم يستطع تدوينه على الجدران…
انتهى أو كاد وهو يجر آخر خطوطه على الأرض من الدماء التي تجمعت تحته حتى بدا انه يعوم على بركة منها, لتدخل عليه عدة كائنات يدّعون انهم من جنس بشري وكله يقين بأنهم من جنس آخر… انهم الاشباح الذين يرتعب الناس لرؤيتهم.. انهم نوع آخر عرفته البشرية منذ اقدم عصورها, لكنهم ليسوا كما يحسبون… عصبوا عينيه واوثقوه بسلاسل حديدية, ثم أخذوا يسحبونه كجثة هامدة في ممرات ضيقة ألهبت جسده, حتى كاد يستغيث, لكنه لم يستغيث..!!
ثم رفعوه ليقذفوا به في غرفة جديدة أشد برودة من سجنه السابق, ليتكوم على بضع أجساد أخرى بدت كجثث لاروح فيها رغم انّ انفاسها كانت تخفف من برودة جو الغرفة, فكّر مع نفسه, هل هم ثمانية.. تسعة.؟؟ أقل أو أكثر لايهم, المهم انّ الغرفة تحركت بهم..
انتابته هواجس كثيرة عن عمليات التعذيب التي ذاق الكثير منها فظن انّه في آلة تعذيب جديدة ربما يجربونها بأجسادهم, مرّ وقت تجمدت فيه أوصاله من شدة البرودة حتى تأكد له انهم في شاحنة لنقل اللحوم المجمدة, لنقلهم الى مكان جديد ولوحة أزلية اخرى..
تبخرت لحظات الانتظار ليبدأ رحلة جديدة من صراعه مع نار الحقد المتأججة في نفوس الاشباح التي لاتعرف الرحمة, ليتحمل هو ورفاقه أنواع التعذيب وهو يعلم بأن الأرض التي أنجبتهم لن تدوم وطنا للذين نبذوهم وعذبوهم واتهموهم بأنهم طفيليون.. لا لشئ.. سوى أنهم أحرار.