الرئيسية » مقالات » مصباح بولص

مصباح بولص

لم يتجاوز العاشرة من عمره.. ولم يكن ليحبذ كثيرا اللعب مع اقرانه في المحلة البغدادية الصغيرة حيث كان يفضل العزلة في كل شيء.. فقد كان كثير التأمل.. الا ان التأمل في بلادنا لايعني كثيرا سوى ان المتأمل حمار.. وفي الغالب ابن حمار ايضا..
لم يكن بشتيوان من نوع ابن الحمار، لأن والده كان شرطيا والاطفال يهابونه..، انظروا الى هذا الحمار الصغير انه يسرح دائما بعينيه بعيدا كأنه في عالم آخر.. هكذا كان يردد اولاد محلته كلما رأوه..
– انا لست حمارا.. يدافع بشتيوان عن نفسه..
– اذا لماذا لاتلعب معنا وتترك تأمل الحمير..
– ربما في يوم آخر.. افضل الان التفرج عليكم فحسب..
يضحك الصبيان من حوله بملء افواههم..، – تتفرج فقط، الم نقل انك تفضل ان تصبح مثل الحمار..
لم ينقذه من سخرية اقرانه سوى بولص البدين، هكذا كانوا يطلقون عليه، وهو شاب في العشرين من عمره يحترمه جميع ابناء المحلة لكونه مؤدبا ويحب الجميع.. كما انه لم يكن حمارا رغم انه كان كثير التأمل ايضا الاّ انه لايوجد احد يجرؤ ان ينعته بذلك لأنه كان يجامل الكبير والصغير، طيب القلب، لم يكن يحب ان يؤذي احدا ولا ان يرى احدا يتعر ض للأذى..
– مابالكم ايها الاولاد.. لم لاتتركوا بشتيوان لحاله؟؟
نظر اليه الاولاد وهو يرمقهم بنظرات مهيبة لم يجرؤ بعدها احد على الضحك وردد احدهم..
– اننا نحبه ولانريد له ان ينعزل لوحده لذا ندفعه للعب معنا لكنه يرفض ذلك..
– قلت لهم انه لاطاقة لي الان ربما في يوم اخر..
– اتركوه الان حسب رغبته ربما هو مرهق حقا..
يركض الاولاد الى وسط الشارع للعب كرة القدم.. اقترب بولص من بشتيوان..
– هل انت متعب حقا؟؟
– انني لا أرغب باللعب معهم انهم ينعتوني دائما بالحمار..
ابتسم بولص وهو يردد..، – انهم لايرغبون ان يتركوك لوحدك فهم يحبونك ويريدون اللعب معك، كما انهم لايقصدون شيئا من وراء ذلك..
– لكنني لست حمارا..
– بالطبع ياعزيزي ولكي تثبت لهم ذلك يجب ان تندمج معهم وتشاركهم كبقية الاولاد كي لايعودوا فينعتوك بصفات لاتعجبك..
– اذا شاركتهم لعبهم هل تعتقد انهم سيحترموني!!
– بالتأكيد انهم يحترموك حتى لو لم تلعب معهم..
– هل اذهب للعب معهم الان؟؟
– اذا كنت ترغب بذلك فهو امر طبيعي..
انطلق بشتيوان لينضم الى الاولاد في لعبهم، وسرعان مااندمج مع اقرانه لتنطلق منه ضحكة عالية وهو يتابع نظراتهم المليئة بالسرور والتي لاتختلف عن نظرات بولص وهو يدخل داره مسرورا..
اول كرة وصلت الى قدمه سددها بقوة لتطير فوق رؤوس الاولاد وترتفع حتى وصلت الى المصباح الكهربائي الخارجي لدار بولص لتحطمه وتجعل منه هشيما..
التفت يمينا وشمالا وسط ذهول الاولاد ليطلق ساقيه للريح خوفا من العاقبة والعقاب.. واصل جريه حتى وصل دار عمته الذي يبعد مسافة شارعين عن دارهم.. انقطعت انفاسه وهو يلقي التحية على عمته ويجلس في زاوية من حديقة الدار.. شعرت عمته من خلال انبهات لونه ان خطب ما ألمّ به الا انه لم يقر لها بشيء رغم محاولاتها معرفة السبب.. حاولت ابعاد خوفه وهي تعده انه لن يجرؤ احد الاقتراب منه وهو بقربها حيث ظنت ان والده يريد معاقبته لأمر ما لذا هرب اليها كما يفعل في كل مرة.. لم يستطع تناول الغداء ولا العشاء.. فمازال خائفا يترقب.. وما ان حل الليل حتى جاء والده وسرعان ماتراءت له صورة المصباح المهشم ليجهش بالبكاء وهو يخبر والده انه لم يكن يقصد كسره..
الا ان والده استغرب من هذا الكلام وسرعان ماشعر بشتيوان انه لايعلم شيئا عن الموضوع وانه انما جاء لاصطحابه الى الدار بعد ان احس بتأخره.. رغم ذلك بقي بشتيوان خائفا لذا طلب ان يبقى في بيت عمته التي اقنعت والده بابقاءه عندها هذه الليلة..
في صباح اليوم التالي لم يستطع ان يتمالك نفسه لمعرفة ماحدث بعد فراره.. ليذهب مبكرا الى دارهم وما ان وصل الى مقربة منها فوجئ بمصباح دار بولص سليما.. لكنه كان متأكدا انه تحطم امام عينيه فكيف عاد سليما.. والاغرب انه حين دخل داره لم يسأله احد عن المصباح، فكر مع نفسه..، ايعقل انه لم يشكوه احد لكسره المصباح والا لكان قد تعرض للعقاب..
جلس في باب الدار وما أن رأى بولص يخرج من بيته حتى انخطف لونه مجددا الا ان بولص ابتسم في وجهه وهو يقترب منه ليحييه ويتركه في حيرة من امره.. دون ان يسأله عن المصباح..
هل هو حمار فعلا..، حيث تراءى له تحطم المصباح الكهربائي!!
لم يجرؤ ان يسأل احد من الاولاد حول المصباح لكنه بقي عالقا في ذاكرته طوال الاعوام التالية من حياته..
ذات يوم كان عائدا الى بيته بعد يوم طويل ومتعب في المدرسة الثانوية حيث اصبح طالبا في المرحلة الثانية منها..
فوجئ بزحام شديد يسد شارعهم وصراخ وعويل ينطلق من هناك فتراكض صوب الجموع الهائجة ليقع عليه الخبر المريع كالصاعقة.. لقد قتل بولص في جبهات القتال..، تردد هذا الخبر على السن الحاضرين وعيونهم تذرف الدموع لرحيله المفاجئ، لكن الموت لايعرف احدا، كما لم يكن يعرف ان بولص كان طيب القلب..
شارك مع بقية ابناء محلته في التشييع المهيب الذي اقيم لجنازة بولص حين اقترب منه احد اصدقاء الطفولة وهو يردد قائلا:
– هل تذكر ذلك اليوم حين كسرت المصباح وهربت..
– وكيف لي ان انسى ذلك.. لقد كان يوما عصيبا بالنسبة لي و…
– نعم كان كذلك، لكن بعد هروبك خرج المرحوم بولص ورأى المصباح متهشما وحين اخبرناه بما جرى طلب منا الاّ نخبر احدا بذلك حيث قام بتنظيف مكان المصباح المكسور واستبدله بآخر جديد وهو يكرر علينا ضرورة كتمان الامر..
سقطت دموع لاأراديه من عيني بشتيوان التي ذهبت بعيدا وهو يتأمل ماحدث في ذلك اليوم ثم ردد بحسرة قائلا:
– لقد فقدنا مصباحا آخر.. فهل نستطيع استبداله؟؟