الرئيسية » مقالات » جَـــــرّائـِمْ وبَـــــرّاعِــمْ

جَـــــرّائـِمْ وبَـــــرّاعِــمْ

حین ينتابُ الأنسان نزوة تـَـملـُكْ ، وأنانیة ٌ فـَـجّة َ، یمدُ یدهُ ليقطف وَردةَ….
ولکنهُ عندما ینحدر في لحظةٍ من اللحظات لیقطفَ بُرّعُماً یکون القیمُ حینها قد ذهب بلا رَجعة َ…
البراعم لیست مشاریع ورودٍ نباتیة فحسب، بل یمکن أن تکونَّ مشاریع أعلامیة وثقافیة، أدبیة أو سیاسیةً أو علمیة وکل مایهم الحیاة الأنسانیة….
حینما تنبت بُرعما ً، تزرع الأمل في القلوبِ.
وحینما تتفتحُ وردةً ،تکون السند للشعوبِ.
وحذاري من مجتمع ٍ أصیب العامة ُ منهم بداء قطف البراعم وأرتکاب الجرائم.
وبعد…
لایجد الأنسان بـُـدا ً من تسجيل الأحداث الیومية بفطرّیة ومصداقیة بحتة، حینما یکتبُ مذکراتهِ، لا لشئ ،ولکن فقط لأنهُ یدون الواقع ولا یؤلف الواقع…
کراس مذکراتي یحمل فیما یحمل ذاکرة أمة ، کتب غیري عنها الکثیر،وأرتأیتُ الیوم أن أسرد فیها بعض المشاهد المشهدانية .

المشهد ألآول:

هذا المشهد يدور أحداثه في محلة رشیداوه‌ في الشورجة بکرکوك حیث أدرك أسلاف الحجاج بـُـرعماً لم ینع بعدْ ولکنهم قرروا قطفه…
فطرق ‌أیادي الرذیلة والأرهاب باب برعم الأعلام الکردي سوران مامه‌ حمه‌ فطلبوه‌ وحضر،فقتلوه‌ أمام منزله‌ في وضح النهار…
لا تلعب کرکوك الپوکر ولا الروليت ولاتعرف سبیلا ً لحانات القِمار،ولکنها فقدت في لحظة ثروة قومیة ضخمة في مجال الصحافة والأعلام، برعمٌ رقیق،وجریء، وعظیم في هذا المِضمار.
ولم یواسي نحیبها سوى أیمانها بخصوبة رحمها…
ذهب الأرهابُ لیقطف بُـرعماً ویرتکب جُرماً..ولکنهُ نسى أن یحمل معه‌ هویة…فضاع الدم بین دیکتاتوریة حزبیة أنتقدها سوران…
وبین سلفیة تکفیریة تمقتْ البراعم والورود والعنفوان…
وبین مخابرات “أخویة- جاریة” کالترکیة والأیرانیة مثلا ً، اللتان تسرحان وتمرحان في کل ارجاء العراق من زاخو حتى صفوان…

المشهد ألثاني:

بعد لیلة واحدة …حمل الکادر التصویري معداتهُ وتوجهَ نحو بغداد وبالتحدید لمنزل المشهداني، حیث أجتمعَ سادة ُ قریش من الکتل اللاسیاسیة المافیویة العراقیة لـِــئدوا العقد الأجتماعي العراقي- الدستور وبرعمتهُ الفتیة المادة 140 .
برعمٌ لو تـُرِّكَ لـِیتفتحْ لـَغمَرَ العراق والمنطقةِ أجمعْ برحیق الإستقرار وعـِطرّ السلام.
ولکن قریش والبداوة لاتعرفان عُرفاً يحترم الألتزامات والتحالفات والأتفاقیات او التعهدات فهذا مایرفضه العنجهیة والغرور.
وفي تراث البداوة لاتوجد مواد دستوریة ولا براعم قانونیة سوى الغزو والعدو.

المشهد ‌الثالث:

لم یمض یومٌ آخر ألا وقد قطفت قریش بسادتها تجمع “البداوة والشقاوة” وبضربة رجل واحد… براعم الدستور.
نعم ..قطفت قریش بکل بداوته‌ِ وحقارتهِ وصلافتهِ… حبال العراقیة الهزیلة بین عربستان وکردستان.

المشهد ‌الرابع:

تأججت کرکوك للصدمة..فسارع فریق التصویر والأخراج والمساعدین قافلین راجعین الى قلب الدوامة..کرکوك.
حیث اللهیب بین ألسنة بابا گرگر وقلوب المتظاهرین مُستعِْر..
خرج الناسُ صارخین رافعین فقط اعلام و لافتات لا راجمات، ولا دبابات ولا کلانشيکوفات.
محتجین ، معترضین فقط…ولکن…
المیت…. الترکیة في کرکوك..وعملائهم من الجبهة الأتاتورکیة.
القاعدة… السلفیة في کرکوك..وحلفائهم من أنقاض العروبیة.
دخلوا المشهد هنا ولعبوا دورهم…
فأمطروا الغضب السلمي رصاصاً وتفجیرات…
فغمر الدماء المکان والمشهد..
وسجل التأریخ مرة آخرى قطف البراعم وارتکاب الجرائم.

بعد فاصل الصدمة صارت عدسات الکامیرات والمایکروفونات تنتقل بین براعم ٍ مذبوحة ٍ تتکلمْ…وضمائر ٍ معذبة ٍ تعترفْ ..وغربان ٍ مکروهة ٍ‌ تنعقْ.

المشهد ‌الخامس:

الاول: آلو..آلو.. آخي‌ انا فلان، کیف حالك؟
الثاني: لابأس.
الأول: لقد سمعت لتو عن تفجیر الیوم این کنت حینها؟
الثاني: امام فندق صنوبر القدیم ، تحدیدا على بعد حوالي عشرة امتار من التفجیر.
الأول: اللهي…وهل اصابك مکروه‌ ؟
الثاني: جسدیا…لا.
الأول: الحمد لله على سلامتك..ولکن کیف نجوت ؟
الثاني: لا ادري کیف نجوت..لقد غبت عن الوعي، ثم صحوت واذا بزملائي في‌ الهیئة التدریسیة وطلابي..براعمي
وورودي قد استشهدو وانا مرميٌ بین اشلائهم
وبعد صمت….
الاول: آلو..آلو..
الثاني: (وهو یجهش بالبکاء)..واشلائهم تغطیني…
صدقني لقد نجوت جسداً ومت روحاً…أتدري أن قمیصي الأبیض مغموس لحد الآن بدمائهم..وحتى بقایا لحومهم وشظایا جثثهم..کیف المس قمیصي وعلیها لحوم ودماء زملائي وطلابي…!!

انتهى المشهد هنا لبشاعته، ولکنه کان واقعا شهدته بنفسي.

المشهد ‌السادس:

الکادر التصویري وجد نفسه في مستشفي آزادي وهو یلتقي “ضیاء”.
الصحفي: ضیاء اروي لنا أحداث یوم التظاهرة…
ضیاء:الأحداث بدء قبل یومین من یوم التظاهرة حین استدعانا الرائد”عماد” رئیس حرس مقر الجبهة الأتاتورکیة وکنا في أجازة..فطلب منا المباشرة والاستنفار..ومن ثم أمرنا بفتح النار على کل من نشاهدوه‌ بعدما نسمع الأنفجار…وقال لاتأبهوا اني احمل تعلیمات واضحة من انقرة…تفید بذلك.

المشهد ‌السابع:

أیضا بعد یوم آخر…وفي المؤتمر الصحفي لعظوة في الجبهة الأتاتورکیة…ژالة نفطچي.
الصحفي: السیدة ژالة هل صحیح انکم اطلقتم النار على المتظاهرین وکان معظم الأصابات بین المئتان والخمسون شخصا برصاصکم..؟
ژالة:..نعم.
في هذا الأثناء تلقى المکتب الأعلامي بیانٌ مُرسل من ” رئیس منظمة حقوق الأنسان في کرکوك”…الذي آدان فیه حرق مقرات الجبهه الأتاطورانیة..ولکنه لم یجد الوقت الکافي لأدانة… اطلاق الرصاص و التفجیر …لعل ضحایا التفجیر واطلاق الرصاص لاینضوون تحت عنوان الانسان لدي هذا الرئیس لمنظمة “انسان من نوع ٍ آخر”…!!
ویبدوا ان کلیشة هذا البیان اعجبت بان کى مون وکروکر والدباغ واردوگان و..الخ فکلهم لم یجدوا من جریمة اطلاق الرصاص على المتظاهرین مایستحق الأدانة…!!
همم..فعلا ً.. الوقاحات..والجرائم..والبراعم..باتوا من مکونات کل هذه المشاهد المشهدانیة…!!
وهذه المشاهد المشهدانیة شهدت أوج أثارتها عندما شرع المشهداني قطف البراعم وحلل لقریش ارتکاب الجرائم ولکنها تستمر لحد الیوم بوتیرة متسارعة و متصاعدة..بین تهدیدٍ وتأجیج ٍ..مفاوضات ومؤامرات…مطالبات وقرارات.
ولکنها بالتأکید لم تؤلف في نفس ذلك الیوم…
فلو تابعنا السیناریو من جدید واعدنا صیاغته وفق نظرة تبحث عن الحبکة والمسار وتتابع الأسباب والأحداث وقارناه بالمشهد العراقي العــام والمشهد الأقلیمي الأکثر تعقیدا للمسنا واکتشفنا ربما جر عة مرکزة جدا من أزمة کل المنطقة مندسة في عروق کرکوك…ولخرجنا في النهایة لربما بنظریة تخالف نظریة أحد أنتیکات العصر العروبي البائد”عمرو موسى” حینما خرج مزهوا بنصر ترقیعى للأزمة اللبنانیة وقال قبل اتفاق الدوحة: أشتدي..أشتدي..یأزمة لتنفرجي…
ویبدو ان الواقع یعتبر الأنتیکات ماض ٍ لا یشتریه ولایهتم له …وهکذا بقت لبنان لحد الیوم محتقنة ومؤزومة‌.
ولکننا في موضوعة کرکوك لربما یجب ان نقول: تشتدي..تشتدي یاأزمة لتنفجري…!!
دم سوران المهدور والضائع في المشهد الأول کانت الشرارة والفتنة..
وشرعنة اللاشرعیة في المشهد الثالث کان باکورة واوج التآمر …
التآمر او تشابك المصالح او اي تسمیة أخرى هو المنطلق لحبك سیناریوهات تعید الى الأذهان معادلات العراق التناقضیة.
عراق التصارع الصفوي-العثماني، العراق الواقع بین فکي التشیع والتسنن کما اخبرنا الوردي في رائعته ” لمحات من تأریخ العراق الأجتماعي” وهذه الفتنة الکبرى کما یصفها عمید الأدب طه حسین ، کانت صراع الخلافة والرئاسة وباتت الیوم صراع المصالح و النفط والنفوذ بین امبراطوریتین قدیمتین جدیدتین ، وهذا الصراع نظرا لعمقه وتأریخیته وتشابکه هیکلت فیما بینها معادلات معقدة تشهد في بودقة کرکوك تفاعلا ً خطیرا لربما تفجر المنطقة بأکملها.
فالنفوذ الأیراني لدى شیعة العراق یغازل النفوذ الترکي في الولایات المتحدة
وحلحلة التحالف الکردي-الشیعي بشأن کرکوك من قبل أیران یمکن ان یقابله وعود بحلحلة ازمة ایران النوویة لدى الولایات المتحدة من قبل ترکیا…
وهکذا سیناریوهات تجد شوفینة الأطراف السلفیة والعروبیة في العراق عاملا مساعدا اخر لسیر التفاعل الترکي الأیراني العراقي في کرکوك….
وحتى الأ نطباع الذي خرج به کل الناس عن اداء التحالف الکردستاني الهزیل لحد قبل هذه الأزمة أيضا فیه ما یساعد نظرا لمرونة ولیونة کبیرة من ما ابداه الکورد خلال السنین السابقة في بغداد، ترك الأنطباع انهم سوف یتنازلون فیه عن کرکوك امام کل هذه الظغوط..
والضعف والمرونة الزائدة عن الحد کانت واضحة في اداء التحالف الکردستاني خلال خمسة سنین عجاف في بغداد شهدوا فیها کیف ان الدستور وبقراته السمان..عفوا وفقراته السمان تؤکل وترمى وتهمل ولم یتحرکوا ساکنین. وکانت الایام الأخیرة خیر شاهد عن حجم التحالفات والأصدقاء والضمانات الهزیلة التي بنوها لنا في العراق خلا ل کل هذه السنین…
نعم السیاسة الحالیة للتحالف الکردستاني المتسم بالحزم والحکمة نذیر مرحلة جدیدة وجیدة في تحسین الأداء وشکل التعامل مع بغداد ولکن الخشیة من أنها اتت متأخرة…کثیرا.
مهما کانت السیناریوهات والمخططات فأنها ستفشل ان هي لم تدرك لحد الآن العمق الجغرافي للکورد في المنطقة ومعنى کرکوك وتجربة کردستان العراق بالنسبة لکل الارجاء الآخرى من کردستان..
فأي انفجار سیمتد شظایاه لتشمل کل جغرافیة تواجد الکورد من اسطنبول لحد بغداد ولحد العمق الأیراني، ولن یکون حتى اوروپا في هدوء.
العراق الهش لن یعرف معني الوحدة،وایران النووي ایامه معدودة والدول العربیة سوف تکتفي بارسال الدولارات والتفخیخات وتبقى ترکیا بکل ما تحمله‌ من أزمات داخلیة لتواجه‌ مستنقع کردستان وهذه الفوضى.
الأنفجار لن یمر کما هه‌لبجة والانفال بهدوء بل یعید قضیة کردستان واستقلاله على طاولة الرآي العام العالمي وساحته السیاسیة وبقوة فکردستان الیوم غیر الأمس.
وهذه التفاعلات الثلاثیة العدائیة للکورد لاتؤدي الا الى قوة دافعة لتوحید المشاعر الکردیة في کل دول المنطقة.
اما الأمنیات التي خطت لنفسها سیناریو جلب القوات العراقیة لکرکوك او حتى جلب القوات الترکیة لکرکوك بعد فبرکة هذه الأزمة وتحویر مسار وشکل المطالبات الکردیة من تطبیق المادة 140 الى الدفاع عن الانتخابات.
فکان لها رد کردي تصعیدي وحازم بالمناقشات التي جرت في کردستان وسرب منها مثلا الأعداد لأعلان الکونفرالیة او الکفاح المسلح وبعدها قرار مجلس محافظة کرکوك لأعادة کرکوك لأقلیم هذه الردود اعادت الکرة مرة اخرى لملعب الخصم.
الخصم الموجود في انقرة هزه هذا الرد فخرج عن طوره والعرف الدبلوماسي وبات یتدخل بشأن کرکوك بوقاحه‌ وامام الاعلام.
والخصم الاخر في بغداد صار یهدد بقوة لایملکها حتى لحمایة نفسه…!!
وهکذا تبقى کرکوك رهینة الآزمات لتحوم فوق رأسها …. الغربان.
ولم ینتهي ضدها المؤامرات و الجرائم
ولن تنتهي ابدا البراعم
ولم یسدل الستار بعد.