الرئيسية » مقالات » حصاد العمر(3)لمحات من سيرة المناضل عبد الجبار علي الجبر(أبو هادي)

حصاد العمر(3)لمحات من سيرة المناضل عبد الجبار علي الجبر(أبو هادي)

كان العراق يمر بفترة عصيبة ومهمة تلك الأيام وكانت الوزارة القائمة تسعى للتوقيع على اتفاقية مذلة مع الحكومة البريطانية،وعقد أحلاف جديدة مع الدول المرتبطة بالتاج البريطاني،منها حلف الشرق الأوسط والهلال الخصيب وحلف بغداد،وكان قد توجه الى بغداد في تلك الفترة وزير خارجية تركيا(عدنان مندريس)فكانت المظاهرات العاصفة في بغداد قد استقبلت الوزير التركي استقبالا يليق بجنابة الكريم حيث هوجم من قبل الجماهير الغاضبة بقشور الطماطم والبيض الفاسد وكنا وقتها في إعدادية الزراعة فشاركنا الجماهير العراقية في مظاهراتها،وقد أصبح انتمائي رسميا للحزب الشيوعي العراق،فكان الحزب يكلفنا بمهام كثيرة منها الكتابة على الجدران أو توزيع البيانات ولصق المنشورات فكنت مع أخي ورفيقي وزميلي وأكبر قيمة في حياتي حميد مجيد الذي رافقته لسنين طويلة واشتركت معه في كل شيء وكنا نتقاسم الدينار ولقمة الزاد بيننا سواء عندما كنت طالبا أو بعد أن أصبحت موظفا،،وكانت هناك لجنة عليا لإدارة عمل الخلايا الموزعة على الأحياء البغدادية،كنا نرتبط بها مباشرة وذات مرة كلفت أنا والأخ حميد بمهمة كتابة شعارات وطنية على الجدران في منطقة العوينة،وأثناء قيامنا بالواجب هاجمنا مجموعة لم نكن نعرف هل هي جهات أمنية أم من العناصر المعادية للحزب،فتركنا المنطقة وتوجهنا الى منطقة أخرى بعد أن قام الرفيق حميد برمي علبة الصبغ عليهم مما أعاقهم عن اللحاق بنا،وقد قام الحراس الليليين بإطلاق صفاراتهم لتنبيه الآخرين بوجود طارئ يستدعي التحرك والإمساك بالموجودين في ذلك الوقت،ولكنا تمكنا من الإفلات منهم لمساعدة الأهالي لنا حيث اختفينا في أحد الدور ثم عدنا الى منطقتنا بعد انتهاء الأزمة.

وبقيت في بغداد للسنوات من 1951 الى 1954 أمارس عملي النضالي مشاركا في التظاهرات والفعاليات الأخرى ،وعندما حدثت ثورة تموز في مصر عام 1953 نشطت الحكومة البريطانية وعملائها في المنطقة لتشكيل الأحلاف للقضاء على الثورة المصرية وتطويقها فكانت بغداد مركز الثقل في المؤامرات الساعية لإجهاض الثورة المصرية بما يتمتع به نوري السعيد من ثقة كبيرة من قبل أسياده الغربيين،وخشية امتداد الثورة باتجاه الدول الأخرى،وكانت تحركاتنا تنصب للوقوف بوجه الأحلاف البغيضة التي تخطط لها الدوائر الاستعمارية،وذات يوم من أيام تشرين الثاني 1952 وبمبادرة من طلبة كلية الصيدلة خرجت تظاهرات حاشدة شارك فيها الآلاف من طلبة الكليات والمعاهد والثانويات الى جانب العمال والطبقات الشعبية الأخرى،وقد تحركت المظاهرة من باب المعظم باتجاه شارع الرشيد وقد تصدت لها الشرطة وقوى الأمن في محاولة لتفريقها إلا أنها استمرت بالمسير حتى وصلت الى ما يسمى حاليا بساحة الرصافي،فقامت الشرطة السيارة التي استعانت بها السلطة آنذاك بمهاجمة المتظاهرين،وقامت الجماهير بالهجوم على مبنى الاستعلامات الأمريكي وبعثرت محتوياته وقامت بإحراق ملصقاته الإعلامية،وكنت من ضمن اللذين هاجموا المركز المذكور،وصعدنا الى الطابق الثاني من المبنى ،وكانت هناك خطة لإحراق المبنى،قامت بها بعض العناصر غير المنظمة وقام البعض بسرقة محتويات المبنى من الطارئين على المظاهرة،ولعلهم من عملاء السلطة وأمنها لغرض تشويه سمعة المتظاهرين،وبعد إحراق المبنى خرجنا باتجاه شارع الرشيد وكانت النسوة تزغرد للمتظاهرين وتحمل أوعية الماء لتوزيعها عليهم،وقطع القماش ليقوموا بمسح أوجههم من الدخان وإزالة آثار الغازات المسيلة للدموع التي قامت الشرطة السيارة بإطلاقها على المتظاهرين،وواصلنا مسيرتنا بحشود كثيفة منتظمة وقد شارك بالمظاهرة ألاف مؤلفة من الطلبة والعمال والكسبة،وهتفت بسقوط العائلة المالكة ولكن الجماهير لم تردد هتافي الذي يبدوا أنه خارج ما خطط له وأتفق عليه،واستمرت المظاهرة حتى وصلنا الى الباب الشرقي ثم انعطفنا الى شارع الشيخ عمر،وهناك حدثت الطامة الكبرى حيث تجمع المتظاهرون أمام مخفر شرطة باب الشيخ،وقد خرج الشرطة وسمحوا بمسير المظاهرة ولكن كانت هناك أيدي خفية تعمل وفق تخطيط لم يكن ضمن ما خطط له المتظاهرين،ففيما كنا متحلقين حول المركز جاء رجل في العقد الثالث من العمر يرتدي بنطلون خاكي فدعا مجموعة من المتظاهرين للحاق به ونادى علي طالبا مني اللحاق به،ودخلنا الى دار خلف مركز الشرطة،فوجدت هناك مجموعة من الناس وقد هيئوا صحيفة مملوءة بالنفط الأبيض،فصعد الى السطح ونحن معه وطلب منا أن نخفض رؤوسنا حتى لا يرانا الشرطة القناصة المختبئين في مكان ما ويطلقون النار على المواطنين من مرقد الشيخ الذي يقع مقابل مخفر الشرطة،فأحنينا رؤوسنا وأصبحنا فوق سطح المركز فوجدنا سلة فيها أوراق وكارتون فسكب فوقها النفط وأشعلها ورماها في وسط المخفر وسكب فوقها النفط فاشتعلت النار في المخفر،وقام الناس برمي ما يقع في أيديهم من أخشاب وقماش وكارتون فازداد لهيب النار وأتت على غرف المخفر التي التهمتها النيران،وانسحبنا نحن المجموعة المنفذة من طريق آخر،وتفرقت المظاهرة،فانسحبت الى منطقة أخرى ،وفي المساء صدرت أرادة ملكية بإسقاط الحكومة المدنية وأعلن عن تشكيل حكومة عسكرية فأعلنت حالة الطوارئ والأحكام العرفية.

ولم تثني هذه الأمور الجماهير الثائرة ففي صبيحة اليوم التالي نزلت الجماهير الى الشوارع توجهنا الى مستشفى المجيدية لاستلام جثامين الشهداء الذين استشهدوا برصاص الشرطة في اليوم الماضي لتشييعها وفعلا دخلنا الى الطب العدلي وأخذنا من نعرفهم من الشهداء،وكانت هناك جثث لأفراد من الشرطة قتلوا من قبل المتظاهرين وهي متيبسة ومحروقة،وضعنا الشهداء في التوابيت،وبدأت المسيرة الكبرى التي أرعبت الحكومة فاستعانت بالجيش الذي نزل الى شوارع العاصمة لإيقاف التدهور ومنع التظاهر،وهذا ما ليس في طاقة المتظاهرين،وكنا نسير دون توقف ونحمل توابيت الشهداء المغطاة بالورود،وتسير خلفنا مدرعات الجيش،واجتزنا شارع الرشيد ثم الباب الشرقي وتوجهنا باتجاه شارع الشيخ معروف،حتى وصلنا الى مثلث ساحة باب المعظم،وهناك قامت قوات الحكومة التي أخذت من سطوح البنايات العالية مواضع لها بإطلاق النار على المتظاهرين،وقد سقط العديد من القتلى والجرحى،وتفرقت المظاهرة،فأصدرت الحكومة بياناتها التي أوقفت فيها الدراسة في الكليات والمعاهد والمدارس الأخرى،وقد توجهت الى إعدادية الزراعة في أبو غريب ودخلت الى القسم الداخلي وقد تستر زملائي الطلبة ولم يصل الأمر الى المدير.

ولتعطيل الدراسة في عموم العاصمة توجهنا الى أهالينا،وهناك اختفيت عن الأنظار خشية الأخبار عني بعد أن أخذت القوى الأمنية باعتقال المشاركين في المظاهرة رغم أني في القرية وعدم احتمالية إلقاء القبض علي،ولكن هكذا الخوف يعمل عمله،وقامت السلطة الملكية بإصدار قوائم بأسماء الطلاب المشاركين في المظاهرة ،وصدرت القرارات بفصلهم نهائيا من الدراسة،وهنا أخبرت والدي بأني من المشاركين في التظاهرة،وطلبت منه التوجه الى الإعدادية لمعرفة هل أسمي من بين المفصولين،وفعلا توجه والدي الى إعدادية الزراعة في أبو غريب،واخذ معه أحد معارفه الأستاذ خليل الذي له علاقة بمعاون المدير،والتقى به وكلمه حول الموضوع ،فاشترط عليه أن لا أشارك في أي تظاهرة أو إضراب في المستقبل،فقبلت الأمر ظاهرا،وعندما بدأت الدراسة عدت الى الإعدادية ،ولكن بعد أيام علمنا أن الحكومة قد منحت الطلبة إكرامية قدرها ستة دنانير لشراء ملابس شتوية،وعندما راجعنا الإعدادية التابعة لوزارة الزراعة أخبرتنا الإدارة بعدم شمولنا بهذه المكرمة لأنها تخص وزارة التربية فقط،وكنت حينها في الصف الثاني،وكان الطلبة يدا واحدة فأستقر رأينا على القيام بإضراب عن الدوام لحين شمولنا بالمكرمة أسوة بالطلبة الآخرين،وقد اتفقت جميع الأطراف على ذلك وكان بيننا الطالب محمد سعيد السامرائي من الأخوان المسلمين،وطلبة أكراد وآخرين قوميين ونحن الشيوعيين الذين نشكل الأكثرية،فقررنا القيام بالإضراب عن الطعام،وعندما دخلنا الى المطعم وجلسنا على المائدة جيء لنا بالطعام فرفضنا تناوله،عندها جاء المدير والمدرسين متسائلين عن سبب الامتناع عن تناول الطعام،فأخبرناهم بضرورة شمولنا بمخصصات الملابس أسوة بالطلبة الآخرين وفي المساء التقينا بطلاب الصف الأول وكان يقود مجموعتهم هاشم قدوري،ويقود صفنا كاظم السعيد الذي كان الأبرز بين الطلبة فاتفقوا على مشاركتنا الإضراب وتضامن معنا طلبة كلية الزراعة أيضا،وألقيت كلمات حماسية وقصائد،وفي اليوم الثاني أضربنا جميعا عن الدراسة،وكنا أنا وبعض الرفاق منهم إبراهيم الحاج علي نذهب الى بغداد لجلب الصمون مع الدبس والراشي ونأتي بها سرا الى المدرسة بدون علم الإدارة،حيث نقوم بتوزيعها سرا على الطلاب فيما كان إضرابنا العلني معروفا للإدارة،وفي اليوم الثالث استجابت الإدارة لمطالبنا حيث حصلت الموافقة على صرف المنحة أسوة بطلبة وزارة المعارف وبذل حقق الطلبة انتصارهم الأول على أدارة الكلية،مما حفزنا على الوحدة ،والعمل يد واحدة لتحقيق مطالب الطلبة وسائر المواطنين،وقد شكلنا وفدا من الطلبة لمختلف المراحل لتقديم الشكر الى الإدارة على تجاوبها معنا وسعيها لتحقيق مصالحنا،وبذلك تمكنا من كسب الإدارة الى جانبنا في القادم من الأيام.