الرئيسية » مقالات » هذا المقال يسيء لمشاعركم.. فلا تهتموا به 2/3

هذا المقال يسيء لمشاعركم.. فلا تهتموا به 2/3

أحبني.. حضارة وقيمة، وموقفاً..

و امرأة شجاعة تحلم بالتغيير..

فالحب يا حبيبي.. قضية كبيرة.. كبيرة

فهل تعرف ما قضيتي؟

يا أيها العاشق، والفارس، والمكتشف الكبير؟؟

نزار قباني


رفض المثقف العربي بمختلف مشاربه الفكرية الشراكة العاطفية على أساس الرؤية التقليدية: “نداء الغريزة الغاشم”، وكان موقف المثقف العربي الماركسي هو الأوضح في هذا المجال، انطلاقا من إيمانه أن البيئة الاجتماعية الدينية الثقافية المبنية على قاعدة الاستغلال الاقتصادي تفرز علاقة بين الرجل والمرأة قوامها سحق الحب.

وجاء موقف المثقفين العرب عموماً منسجماً مع الجو السياسي العام، أي حين بدت الشروط الاقتصادية والسياسية وما أفرزته من مفاهيم التحرر في الحياة الاجتماعية و الثقافية ملائمة لاتخاذ مثل هذا الموقف، وحين بدت الأطر الحزبية: شيوعية قومية بعثية ناصرية من القوة بحيث أنها ستساند رؤية شاملة تبدأ بتحرير فلسطين وتنتهي بالموقف من مسائل إنسانية ملحّة كالجنس.

على مبدأ: هيئوا طريقاً للحب، واجعلوا السبيل إليه مستقيماً انخرط المثقف في صفوف الأحزاب، وحاول المساهمة في توفير مقومات حياة إنسانية جديدة تحقق: مبادئ العدالة الاجتماعية والتحرر من أشكال الاضطهاد، فينجح بالتالي في الحصول على التوازن المنشود في الحب الجنسي ويقارب رؤيته الخاصة مع رؤية الأطر الحزبية العامة، كذلك حاول المتعلم أن يفعل تأثراً بموقف المثقفين من الحياة التقليدية.

وشهدت سوريا وأعتقد في بلدان عربية عديدة حركة علاقات حب كسرت هذا الجبل الجليدي للعلاقة الجنسية التقليدية، وحدث تزاوج بين رجال ونساء من أديان مختلفة، وعلاقات حب دخل بعضها ضمن الإطار القانوني أو غيره، وظهر للعيان وكأن المشكلة الجنسية في العالم العربي صارت إلى حل طالما أن الحياة تضخ فكراً وسياسة ونماء اقتصادياً وبعضاً من رخاء إنساني.

لم يكن الأمر بهذه البساطة فالحب في ظروف بيئة عربية: اقتصادية اجتماعية انهارت ملامح تطورها المفترض فجأة ودفعة واحدة، جعل من الحب الجنسي شجرة جيدة تحمل ثماراً رديئة.

وكان من المفترض أن يظهر دور المثقفين قوياً حين ناحت آلام الأحلام العامة وأحلام الأطر الحزبية بسبب تكسرها على صخرة انكفاء البرامج وتعرض تلك الأطر للقمع والتشتيت، إلا أنه كان أول وأهم الضحايا لأسباب أذكرها بشكل سريع:

– اختلاط الأدوار عنده: دوره كمثقف وسياسي فطبيعة السياسي تختلف عن طبيعة المثقف: ذاك واقعي وهذا مثالي. ذاك من طبيعة جلدة وهذا من طبيعة عرف عنها الحساسية المفرطة والانفعالية، بحيث أنّه يطبع الشعار بمثالية إنسانية تلائم دوره كمثقف وليس كسياسي.

قناعاته: جعل من أحكامه نهائية فنادراً ما ترى مثقفاً سورياً عاش تجربة الأحزاب لا يفتي في طبخة إن كانت تحتاج إلى قرص بندورة بنفس اليقينية التي يفتي بها بالنسبة إلى الموقف من موسكو أو برلين أو فرنسا وهو يمارس هذه الفتاوى بحكم العادة ليس إلا.

– مسيرته مع الحزبي والسياسي: فالسياسي والحزبي كانا قادرين على الارتباط العاطفي وفق النظرة التقليدية، فيما لو اضطرهما الأمر، وهذا ما لم يستطع المثقف استيعابه، فكونه مع الحزبي والسياسي في إطار حزبي واحد يحملون مبادئ متماثلة، ولهم مسيرة حزبية واحدة كان يعني من مجمل ما يعنيه للمثقف أن السياسي والحزبي سيكون لهما موقفاً حازماً من العلاقة الجنسية وفق النظرة التقليدية، وهذا ما لم يحصل عليه.


ولذلك كان الصراع داخله شديداً وعدم توازنه جلياً، فشعار تحرير الأرض لم يتم، وشعار العدالة الاجتماعية لم يتحقق والتجربة الاشتراكية تبدت عن ثغرات أفقدت العالم توازنه فكيف بالمثقف العربي؟!. وعاد لنقطة البدء، وكأن التضحيات الجسيمة ذهبت أدراج الرياح.

وحدها البنية الاقتصادية المتخلفة ومفرزاتها الاجتماعية ومورثاتنا الثقافية القديمة مع حليفتها الدينية كانا يتقدمان بخطى واثقة من مصيرهما وعودتهما إلى الحياة بقوة.

ووحدهما السياسي والحزبي تأقلما مع الواقع الجديد المنكفئ، وكأن التجربة مرت مرور الكرام.

يتبع..