الرئيسية » مقالات » محاولة في فهم قلق وليد جنبلاط

محاولة في فهم قلق وليد جنبلاط

ليس مطلوبا من زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني السيد وليد جنبلاط أن يكون في تكتيكاته وادارته للأزمات ومواقفه السياسية اليومية والمرحلية نسخة مطابقة لما كان عليه والده الزعيم الوطني الكبير الشهيد كمال جنبلاط فلكل ظروفه ومرحلته وأوضاعه حسب موازين القوى السائدة المحلية منها والاقليمية والعالمية ففي عهد الأول كانت سمة الصراع في غاية الوضوح : الخندق الوطني اللبناني – الفلسطيني المدعوم سياسيا من الاتحاد السوفييتي السابق في مواجهة الخندق اليميني الانعزالي المحلي المحسوب على الغرب والأقرب الى اسرائيل وقد تجاوزت قضايا الصراع الشؤون اللبنانية الداخلية من سياسية واجتماعية وطائفية لتحتل فيها القضية الفلسطينية ومستقبل حركة التحرر العربي وتوسع النقاش السياسي والأبحاث الثقافية في الصحافة والاعلام حول قضايا الشعوب وبينها الشعب الكردي ( ساهم الكرد في تأسيس الحركة الوطنية وتمثلوا في مجلسها المركزي ) والحريات والتغيير في المنطقة ودور النظم الحاكمة بفرعيها الراديكالي والمحافظ والتناحر التاريخي بين الشرق والغرب على الموقع والنفوذ والنفط المركز الرئيسي مما دفع ممثلي معظم المكونات اللبنانية الاجتماعية والسياسية والمذهبية الوطنية حينذاك بما فيها حركة المحرومين الشيعية ومن ثم – أمل – الى التحالف ضمن اطار مؤسسات الحركة الوطنية بزعامة الشهيد كمال جنبلاط المعززة بالقيادة المشتركة اللبنانية – الفلسطينية في المجالات العسكرية والأمنية والادارية ومنذ ذلك الحين كان النظام السوري بمواقفه الانتهازية المنطلقة كما الآن من مصلحة ذاتية ضيقة وبأساليبه الأمنية المعهودة يشكل عقبة أمام تحقيق البرنامج اللبناني الفلسطيني بل دخل في مواجهات عسكرية مع القوات المشتركة وضرب المخيمات الفلسطينية متوجا عداؤه لقضية التحرر والتقدم باغتيال القائد الوطني البارز كمال جنبلاط رئيس الجبهة المساندة للثورة الفلسطينية .
وبعد عقود من غياب جنبلاط الأب وفي المرحلة الراهنة حيث السيد وليد يحمل الراية ويؤتمن على الميراث الوطني والعائلي يختلف الوضع بشكل كامل في الساحة اللبنانية بغياب أهم حليفين الاتحاد السوفييتي السابق ومنظمة التحرير الفلسطينية وانفراط عقد الحركة الوطنية اللبنانية وتشرذم أحزابها وتغييب المئات من المفكرين والمثقفين اليساريين اللبنانيين ورجالات الدولة بواسطة الاغتيالات المبرمجة التي تشار أصابع الاتهام بشأنها الى الفاعل السوري وأعوانه المعروفين في الساحة اللبنانية والأخطر من كل ذلك بروز جماعات الطائفية السياسية وفي المقدمة – حزب الله – وحركة أمل – وسيطرتها على الشارع الوطني الشيعي في أبشع استغلال مذهبي بقوة السلاح والأموال والدعم الخارجي السوري الايراني باسم المقاومة والتحرير مما يهدد التجربة اللبنانية الديموقراطية الفريدة بالصميم ويخلق تحديات جادة لكل المفاهيم الوطنية والثقافة الديموقراطية التاريخية للمجتمع اللبناني .
طبيعة الصراع الجاري في لبنان ومن حيث الجوهر لاتختلف عن مثيلاتها في العراق وفلسطين وحتى في أفغانستان والمنطقة بشكل عام حيث تبدلت أسسها وعناصرها وأدواتها وقواها ووسائلها وأهدافها منذ توقف الحرب الباردة وأحداث سبتمبر عام 2001 والمتوقفة الآن على جملة من العناوين التي تتصدر التحالفات الجديدة : بين الأصوليين بفرعيهم الاسلامي والقومي وأنظمة الاستبداد وجهالة القرون الوسطى وجماعات الممانعة من التنظيمات والتيارات المذهبية والقوموية الذين لايتورعون عن ممارسة الانقلابات العسكرية والأعمال الارهابية الى درجة الابادة الجماعية والفردية المنظمة بهدف التشبث بمقاليد التسلط ووقف عمليات التغيير الديموقراطي وتحقيق المجتمع المدني وعلى ضوء هذا المضمون الحقيقي لقوى ووسائل الصراع في الجبهة الممانعة فلا شك أن السيد وليد جنبلاط وغيره من المناضلين في سبيل التقدم والديموقراطية في طول منطقة الشرق الأوسط وعرضها وخاصة بعد انجاز قوى التحالف الغربي مهام اسقاط أسوأ نظامين في المنطقة على الاطلاق وهما نظام طالبان ونظام صدام حسين والاتيان ببديلين سائرين في الطريق الديموقراطي من حقهم أن يشخصوا الجبهة المواجهة للممانعة أو محور طهران – دمشق في المرحلة الراهنة بقوى الديموقراطية والتغيير المحلية الوطنية ودعاة المجتمع المدني والطبقات والفئات الكادحة في المجتمع ويعتبروا على الصعيد الاقليمي دول وحكومات الاعتدال العربي المتضررة من قوى الممانعة وخاصة من المشروع الايراني بمثابة حليف مصلحي مرحلي عليه التزامات وواجبات في المواجهة الراهنة أما على الصعيد الدولي فمن المشروع أن يقرؤوا المشهد باعتبار حصول مقاربة مصلحية قد تكون وقتية بين مصالح القوى الغربية الأمريكية والأوروبية في حربها على الارهاب ورفضها لأنظمة الاستبداد والمحور السوري الايراني خصوصا على الأقل نظريا ورعايتها لبعض الخطوات باتجاه التغيير الديموقراطي من جهة ومصلحة قوى شعوب وبلدان المنطقة التي تقف عمليا في جه المعسكر الآخر وخاصة في العراق ولبنان وفلسطين من الجهة الأخرى وحسب قراءتي لمواقف السيد وليد جنبلاط الأخيرة فان الرجل وقد يكون من أكثر السياسيين متابعة للتطورات الخارجية وأشدهم حساسية تجاه صفقات القوى العظمى من وراء أظهر الشعوب ليس بهاوي التقلبات السياسية كما يزعم البعض بل أن قناعاته وقد تكون معززة بمعلومات تدفعه الى التريث وعدم الاندفاع كالسابق مدفوعا بدرجة أولى وانطلاقا من مسؤوليته التاريخية الموروثة من اعتبارات الحرص على طائفته الأصغر عددا أمام الطوائف الأخرى بعد أن وصل الى درجة الشعور بعدم الاعتماد على الصعيدين الاقليمي والدولي على من من المفروض أن يكون قريبا لنهج وأهداف قوى الرابع عشر من آذار التي تقف عمليا في قلب العاصفة وتقدم التضحيات في سبيل تحقيق ارادة ومصالح اللبنانيين وكذلك من أجل الحاق الهزيمة بالمشروع الايراني وجماعات الارهاب والطائفية السياسية التي تشكل المجال الحيوي لتنظيم القاعدة وقوى الردة والارهاب في سائر أرجاء المنطقة وكما أعتقد فان ملامح الموقف الأخير للسيد جنبلاط لاتوحي بأنه سيشكل تخليا عن مبادئه التي استشهد والده في سبيلها وليس موجها ضد وحدة وتماسك ثورة الأرز وشعاراتها الاستقلالية الديموقراطية السلمية بقدر ما هو تعبير وحسب طريقته عن خيبة أمل من الأصدقاء والحلفاء المفترضين من عرب وأجانب بل ادانة صريحة لمواقفهم المترددة الهزيلة والجبانة وكأن لسان حاله يقول : مادمتم غير قادرين وعاجزين عن الدفاع عن وجودكم ومصالحكم ولا تلتزمون بشعاراتكم المعلنة وتتخلون عن أصدقائكم وقت الحاجة وتقفون مشدوهين مدهوشين مصعوقين أمام مبادرات أمثال الشيخ حمد صاحب الأدوار المثيرة للجدل أمير تلك الدولة العظمى ! بواسطة مكرماته الحاتمية فاذهبوا الى الجحيم مع كل أساطيلكم وأموالكم ولامشكلة لدينا وسنتدبر أمورنا ولاعيب في الانحناء للعاصفة والتفاهم مع بني وطننا مهما بلغت درجة الخلاف خاصة وأن اللعبة السياسية في بلادنا ومهما بلغت شدة الصراع لن تتخطى القاعدة اللبنانية المعروفة : لاغالب ولا مغلوب .
في كل الأحوال من الجائز ان تتبدل التحالفات السياسية بين مرحلة وأخرى حسب ظروف كل بلد وخاصة في بلد ذي تقاليد ديموقراطية مثل لبنان وكما قيل قديما ليس هناك أعداء دائمييون وأصدقاء دائمييون وفي البلدان العربية التي تفتقر حكوماتها الى برنامجها الخاص جعلتها مرهونة بتبعات ونتائجع صراعات ومصالح القوى العظمى ومشاريع ايران واسرائيل وتركيا والتي تشهد مفاوضات سورية – اسرائلية قد تؤدي الى معاهدة سلام يمكن حصول ما لم يكن بالحسبان في مختلف الساحات وفي مقدمتها لبنان وسوريا وايران وهذا ما يريد السيد جنبلاط حسب ظني أن ينبه حلفاءه من قوى الرابع عشر من آذار اليه لاتخاذ الاحتياطات اللازمة قبل فوات الأوان .