الرئيسية » مقالات » أيها السادة … ما هكذا تورد الإبل!

أيها السادة … ما هكذا تورد الإبل!

حين يتحكم العقل بنا يقودنا إلى الحكمة والحوار ويفتح أمامنا طريق المساومة للوصول إلى أفضل النتائج لكل الأطراف ذات العلاقة , وحين تهيمن العاطفة علينا تقودنا إلى التطرف والتعصب والقطيعة والوصول إلى عواقب سلبية ستكون من حصة الجميع.
مجلس نواب يصوت على قانون ويرتضيه , ولكن الغالبية العظمى اعتبرته خاطئاً ولن يتحقق. وهناك طلبات بإعادة النظر بهذا القانون وتعديله بما كان متفق عليه ووفق المادة 140 من الدستور العراقي. حليفان سياسيان , أحدهما نكث بالوعد والاتفاق , وهو أمر ليس بجديد على السياسيين العراقيين الحكام منذ عقود , وعلى الحليف الآخر أن يتعلم من هذا النكوص عن الاتفاق والتصويت بغير ما اتفق عليه. ويمكن بلورة اصطفاف جديد للقوى يساهم في خلق ميزان قوى جديد يساعد على تحقيق نتائج أفضل للجميع. كل هذا وغيره من الوسائل والأساليب ممكنة وضرورية لتجاوز الصعاب , أي البدء بالتباحث وتحديد المشكلة ثم العمل على معالجتها بقرارات أكثر صواباً وتناغماً مع الدستور.
ولكن لا يجوز ترك العقل خلفنا والبدء باتخاذ قرارات لا معنى لها وغير مبررة من جانب مجلس محافظة كركوك. فليس من حق المجلس اتخاذ قرارا بدمج كركوك بإقليم كُردستان بغض النظر عن الموقف من الإقليم أو من كركوك, بل يفترض الإصرار على العمل وفق الدستور ووفق المادة 140 من الدستور. إن اتخاذ قرار من هذا النوع لا يعني نفاذ صبر حسب , بل وضيق نفس لا يجوز أن يسود في السياسة والعملية السياسية الجارية في العراق حالياً , إذ أنها تقود إلى عواقب مضرة بالجميع , وليس بطرف واحد.
ليس من الصواب , وكما أرى , أن نستبدل العمل المنهجي والمدروس والمنظم بردود فعل غير سليمة ومثيرة للغبار أكثر مما هي قاشعة له.
ليس من الصحيح , وكما أرى , قبول البرلمان الكردستاني مناقشة قرار 23 عضواً , كما جاء بالأخبار , بدمج كركوك بإقليم كُردستان , إذ أن هذه الطريقة , إن تمت الموافقة عليها , لا تختلف عن أسلوب البرلمان العراقي الذي صوت على المادة 24 من قانون انتخابات المحافظات , وهي مادة غير سليمة وغير حكيمة.
ليست التعبئة الجماهيرية وليست المظاهرات وليس الصدام المسلح أو العمليات المسلحة المتبادلة هي الطريق السليم لمعالجة مشكلة كركوك أو أي مشكلة أخرى في العراق. علينا أن نعي بأن مبدأ الحوار ثم الحوار ثم الحوار أولاً , ثم القبول بمبدأ المساومة والتفتيش عن حلول ترضي الجميع ثانياً , ورفض استخدام القوة من أي طرف كان ثالثاً , هي الأسس التي يفترض أن نعتمدها في العمل السياسي في المرحلة الراهنة من العراق الذي نريد بناؤه بصيغة عقلانية حكيمة.
نحن أمام حالة فقدان الأعصاب في قضية كركوك , وهي حالة لا تبشر بالخير إن واصلنا السير على هذا الطريق , وعلى القيادات السياسية أن تتعلم من تجاربها الماضية وأن تعلم الجماهير أساليب أخرى للوصول إلى الحقوق بدلاً من التهديد أو استخدام القوة والعنف.
لا أقدم النصائح لأحد , ولكن أرى بأن الأخوة الكُرد حين لا يتعاملون بروح هادئة وعقل بارد وقلب دافئ على العراق كله , ومنه إقليم , فيدرالية , كُردستان العراق , فالخسارة ستكون كبيرة لكل القوى الديمقراطية والعقلانية في العراق كله , وبالتالي ستكون كارثة على الجميع.
ينبغي أن لا تخضع كل القوى السياسية في العراق للقوى المتطرفة , أياً كانت , التي تريد ضرب التجربة الجديدة في إقليم كُردستان , وتريد تأليب المزيد من الناس العرب وغير العرب ضد الشعب الكردي , إضافة إلى كونها معادية أيضاً لكل الشعب العراقي. أو أنها تريد كل شيء أو لا شيء. كتب السياسي الاشتراكي الديمقراطي الألماني المعروف هيلموت شمدت يقول من لا يعرف التعامل والمساومة لا يمكن أن يكون سياسياً , فهل فقدتنا قدرتنا في أن نكون سياسيين جيدين , أم فقدنا قدرتنا على النقاش والحوار والمساومة , وبالتالي سوف لن نكون سياسيين جيدين لهذا الشعب المبتلى بكل مكوناته القومية.
أتمنى على الجميع التعامل الواعي والمسؤول مع الاختلاف والخلاف بالرأي بروية وصبر , إذ توجد من الأساليب والأدوات الديمقراطية الفعالة والمجربة ما يمكنها أن تساعد في الوصول إلى أفضل النتائج ولصالح الجميع. 2/8/2008 كاظم حبيب