الرئيسية » مقالات » هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في المنطقة ؟

هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في المنطقة ؟


ـ 1 ـ

منذ ان تفكك الإتحاد السوفيتي و انتهى دوره على المسرح الدولي كاتحاد وكنظام اشتراكي قائم على اسس و آليات مناقضة . . فان غيابه ادىّ الى غياب القطب الموازن لزعيمة العالم الرأسمالي في مرحلة الحرب الباردة، الولايات المتحدة الأميركية، واحدث بذلك خللاً هائلاً في قضية الأستقرار العالمي، بسبب عدم نضج مرحلة توافق الأقطاب العالمية بتقدير البعض من جهة، وبسبب اسراع الزعامة الأميركية المتمثلة بـ ” الليبرالية الجديدة ” المؤلفة من اقطاب الحزبين الجمهوري و الديمقراطي، اسراعها الى ملئ الفراغ الناشئ بادوات و آليات منطقها ذاته الذي اتّبعته في مرحلة الحرب الباردة، بعد اعتبارها ايّاها ادوات ” انتصارها العظيم ” وسر تفوقها، دون الألتفات الى الخللات والمخاطر الشاملة التي اخذت تواجه العالم و تواجهها هي ذاتها بسبب اختلال ذلك التوازن و بسبب الحاجة الى توازن جديد، بتقدير اعداد تتزايد من المحللين والخبراء الستراتيجيين و الدوليين .
ويرون انه فيما ادت سياسة الليبراليين الجدد الى محاولاتهم و تشجيعهم دفع العالم الى طريق صراع الحضارات والأديان و الطوائف باساليب معلنة و غير معلنة، ومحاولاتهم للسيطرة على العديد من المنظمات والهيئات الدولية التي لعبت ادواراً هامة في الحفاظ على السلام في العالم في الحرب الباردة وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة . .
فإن ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش التي تشارف مدتها على الإنتهاء بنهاية عامها الثامن، قد تمادت باعتمادها القوة والحرب وتجييش الجيوش الجرارة لمواجهة التحديات التي واجهتها و تواجهها هي مباشرة او تواجه امنها القومي ستراتيجاً . . و بمواجهتها دول وشعوب العالم، و بسعيها الى فرض ارادتها وتحقيق مصالحها لوحدها، وليس سعياً منها لتحقيق سلام عادل ومنصف لشعوبها ذاتها و لدول وشعوب العالم من جهة، او لتحقيق توازن لأقطابه المتعددة كدول و ككيانات، بما يضمن تحقيق الأمن و السلام الدوليين .
وسعت وتسعى في محاولتها للأستفراد بالعالم على اساس وحدانية القطبية . . الى تقييد وحرمان الأقطاب الصناعية العظمى الأخرى، من موارد الطاقة وفي مقدمتها النفط والغاز و غيرها، بالقوة . . في مسعى للحد من سرعة نموها و احتمالات تفوقها، مسخّرة كل شئ للأستفراد بمناطق الخامات الستراتيجية لها و للأحتكارات التي تمثلها، مهما حملت من اسماء وجنسيات، فاتحة بذلك مرحلة ملتهبة من صراعات محتدمة باشكال ووسائل عولمية جديدة فاقت اشكال ووسائل مرحلة الحرب الباردة شكلاً و مضموناً . .
فبعد الحرب التي شنتها الإدارة الأميركية على افغانستان و اسقطت بها حكم طاليبان القروسطي . . . جيّشت جيوشها في الخليج و اعلنت و قامت بغزوها للعراق لـ ( انهاء اسلحة الدمار الشامل واقامة الدمقراطية ) وسط قلق قوى البلد و قوى المنطقة وتحفّز دولها، لإسباب و غايات كثيرة التنوع وجدت تعبيراتها بالرفض و التحذير من جهة، و بعمليات و محاولات ابتزاز و توظيف متنوع متقابل، طغى على ظاهره الصراع الطائفي و الديني، في جو اتسم بالترقب المتواصل و بالتصفيات و الضياع و الخوف رغم انهيار الدكتاتورية، دفع و يدفع اثمانه العراقيون رجالاً و نساءاً من كل الأطياف العراقية ضحايا للأرهاب المتنوع .
اضافة الى ان اعلان الإحتلال و الأخطاء المدمرة التي قامت بها الوحدات الأميركية والسلوك المتشدد لأبرز احتكاراتها، و السرقات والفساد الإداري و غيرها و التي اعلنت في وسائل الإعلام الدولية والأميركية و على لسان ابرز المسؤولين في الإدارة ذاتها . . لعبت ادواراً زادت من تردد و ابتعاد الأوساط الواسعة في العراق والمنطقة عنها باشكال متنوعة من جهة، و ابعد الإدارة الأميركية عن اقرب حلفائها وخاصة اوروبا، من جهة اخرى ( راجع تقييمات وزيرتا الخارجية الأميركية الحالية رايس و السابقة مادلين اولبرايت، ثم تصريحات مرشح الرئاسة الديمقراطي اوباما ) .
وفيما يرى قسم ان الإدارة نجحت في حربها ضد الأرهاب، يرى قسم آخر انها قد تكون نجحت الى حين، في ابعاده وردّه عنها بتصديره الى منابعه دون المساعدة على تجفيف منابعه بالتصديّ للفقر و الجهل و الجريمة . . و يرى فريق ثالث ان اقطاباً اميركية متطرفة تسعى لتوظيف الأرهاب بما يخدم مصالحها بطرق كثيرة التنوع، عسكرية و شبه عسكرية، مباشرة وغير مباشرة، معلنة و غير معلنة كشف عنها بعدئذ، في غمار مواجهة التحديات الكثيرة الكلفة التي تواجهها ( بعد ان تم الكشف عن لقاءات لا تنقطع . . مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين ) .
ويرى ستراتيجيون بأن ادارة بوش رغم اتخاذها للعديد من الإجراءات والتغييرات التحديثية في صفوفها و التي طالت عدداً كبيراً من رجالها وهيئاتها على طريق سعيها لتثبيت مفهومها وقدرتها كقطب أعظم مهيمن وحيد في العالم، الاّ ان ذلك واجه و يواجه عقبات صلدة تزداد قوة، تنبع من تزايد وتيرة التوتر في مناخ صنعه العنف و الغطرسة، اضافة الى تواصل نمو الأقطاب الدولية العظمى الأخرى و تزايد قدرات الأقطاب الأقليمية ( دولاً واتحادات صناعية، مالية، نفطية . . ) وتزايد تنوعها وتفاعلاتها ببعضها، النابعة من تسارع عمليات العولمة الرأسمالية فوق القومية ذاتها، التي صارت تمارسها كل الأقطاب العالمية والتي اخذت تدخل بشكل متزايد فيها مؤسسات الأديان، الأسلامية والمسيحية وغيرها باشكال و صيغ متنوعة (1) .
ويدللون على ذلك بتواصل دور و تفوق الأقطاب الآسيوية، خاصة . . اليابان، الصين والهند، و روسيا، اضافة الى تواصل نجاحات منظمة شانغهاي العالمية، و تواصل نمو ودور بلدان الخليج العربي النفطية المالية، المتنوع الإتجاهات الساعي الى تثبيت الدور الذي يطمح له كقطب في صراع الأقطاب الدولي ـ الإقليمي، الذي يواجه اقليميا الدور الإيراني الذي تغذيّه اجنحة حاكمة فيها اضافة الى الأقطاب الدولية المتفاعلة معها . . فيما يتواصل انهيار و افلاس مؤسسات اقتصادية و مالية اميركية عملاقة بشكل خارج عن المألوف في عمليات صراع وتنافس المؤسسات الرأسمالية العولمية الأميركية في العالم و في الولايات المتحدة الأميركية . . والذي صار محسوساً في الحياة الأميركية الداخلية .
على تلك الأرضية جاء مشروع بيكر ـ هاملتون في اواخر 2006 ، كمشروع شامل للقضية العراقية و للمنطقة لصياغة موقف رأى فيه خبراء بكونه اكثر واقعية ! منذ سعي ادارة بوش للأنفراد بوحدانية القطبية، و الذي جرى التوصّل اليه بعد دراسة و صياغة لجنة مكوّنة من قبل الحزبين الأميركيين الكبيرين في اطار محاولة تقويم و اصلاح السياسة الأميركية الدولية، وسلوك القوات المسلحة الأميركية، كجزء من جهود سعت و تسعى الى محاولة تحقيق تماسك داخلي في الولايات المتحدة، والحفاظ على المكانة الدولية القائدة للأدارة الأميركية، وفق وجهة المشروع.
و يرون ان المشروع جاء تتويجاً وتثبيتاً لما قامت به الأدارة الأميركية منذ غزوها العراق، بعد ان استطاعت ان تثبّت نفسها في البلاد لمرحلة لاحقة، في بلاد ومنطقة عرفت بعدم ودّها وعدم تقبلها للأميركيين . . بعد ان قطعت طريق انفجار الوضع الذي كان يمكن ان يهدد الدكتاتورية، وكان يصعب عليها التكهن به وبمداه في احدى اغنى بقاع العالم . . بتغيير كل معادلات البلاد، بالحرب واعلان الأحتلال .
وطرح المشروع ان الهدف الأساسي هو تحقيق الأمن والأستقرار وليس الديمقراطية، التي يصفها بكونها قد لاتصلح لظروف البلاد !! و على اساس العمل بالممكن الذي يستطيع تحقيق “الأستقرار” من جهة، و يساعد على انسحاب القوات الأميركية لتكاليفها الباهضة من جهة اخرى . . فيما افادت تصريحات روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي لدى زيارته الى بغداد حينها، بأن بقاء القوات الأميركية ( سيكون طويلاً في منطقة الخليج . . وعلى جيران العراق ان يفهموا هذا الواقع) (2)
وفيما ركّز المشروع على تقليص النفقات العسكرية التي اخذت تلقي بكاهلها على الخزانة الأميركية (3) على حد وصفه، باتخاذ الأجراءات اللازمة للأستعداد للأنسحاب على اساس (المحافظة على النصر الذي تحقق)، لتقليل النفقات . . علّقت الأوساط القريبة من الرئيس الأميركي بوش و لاتزال، امر تحقيق الأهداف وتقليص النفقات على اساس ( ان اية زيادة بالألتزامات الأميركية، عسكرية كانت او مالية اوغيرها، يجب ان تقابلها زيادة بالتزامات الجانب العراقي مادياً وبشرياً !! ) (4) .
في خطة رمت الى السحب التدريجي للقوات الأميركية وايلاء الدفاع على ماتحقق للقوات العراقية باسرع مايمكن وعلى اساس ” التفاهم المتنوّع المعاني” مع دول الجوار!! تحت الأشراف الأميركي، لأجل توفير امكانية أستخدام وحدات المارينز في الأماكن الملتهبة الأخرى في العالم وفي مقدمتها الوضع الذي يزداد تدهوراً في افغانستان وفي مناطق شرق آسيا، ولفتح اسواق جديدة على مذهب الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت في استخدام القوات العسكرية لمواجهة فترة الركود في الثلاثينات، على حد وصفه وحيثيّاته . (يتبع)

29 / 7 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الأمر الذي يلقي ضوءاً على تزايد اهتمام الرئيس بوش بالكنيسة الكاثوليكية واستقباله الفائق للعادة للبابا بنديكت اثناء زيارته للولايات المتحدة واستقبال البابا المماثل له في الفاتيكان، اللتان اثارتا انواع التفسيرات والتأويلات في وسائل الأعلام والصحافة في اوروبا و القارة الأميركية. اضافة الى اعلان رئيس الوزراء البريطاني الأنكليكاني السابق توني بلير انتقاله وعائلته الى الكنيسة الكاثوليكية، في مراسم تناقلتها وكالات الأنباء الغربية . راجع البحوث حول وقُف ” القدس” الإيراني وآل المرجع خامنئي .
2. راجع، جريدة ” الشرق الأوسط ” اللندنية في 22 / 12 / 2006 .
3. المقصود خزانة الحكومة الأميركية وليست خزانات الإحتكارات الأميركية و مؤسساتها.
4. راجع، جريدة ” نيويورك تايمز ” ، في 24 / 12 / 2006 .

مراجع و مقارنات :
ـ ” الحقيقة المحرّمة “، جين ـ شارلز بريزارد/ غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 .
ـ ” فخ العولمة ” ، هانس بيترمارتن / هارالد شومان 1996 ، دار روفولت ـ المانيا ..
ـ ” النفط كسلاح للسيطرة على العالم ” ف. وليام انغدال ، شتاينهيرست ـ فيسبادن ـ المانيا ، 2003 .
ـ ” القطب العالمي الأعظم ” زبيغنيو بيرجنسكي، منشورات فيشر، فرانكفورت ـ ماين ، 2003 .
ـ ” مشروع بيكر ـ هاملتون ” ، ايلول 2006 .
ـ ” التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط ” كوندوليزا رايس ، تموز 2008 .
ـ ” خطتي بشأن العراق ” المرشح الدمقراطي باراك اوباما، تموز 2008 .