الرئيسية » مقالات » حصاد العمر..(2)

حصاد العمر..(2)

وقد بدأ يعي ما حوله من أحداث ،ويتفهم ما يجري أمامه من حراك سياسي،و طبيعة الأوضاع والحركات العاملة في الساحة السياسية،فكان التيار الديمقراطي والشيوعي هو الأكثر ثقلا بين التيارات الأخرى التي لا تعدوا مجموعة من الطلبة لهم انحيازهم الأسري بحكم مواقعهم الاجتماعي إلى حزب الاستقلال الذي قيل في وقتها أنه يمثل التيار القومي رغم اندفاعاته الدينية المعروفة،وهذه التيارات مجتمعة تشكل نواة الحركة الوطنية في تلك الفترة،وتختلف في توجهاتها الى حد التقاطع تبعا لأيديولوجيتها وما تؤمن به من مبادئ أو تسعى إليه من أهداف،فكان حزب الاستقلال يمثل التيار القومي ذي التوجه الإسلامي ،والحزب الوطني الديمقراطي الذي يمثل البرجوازية الوطنية،والحزب الشيوعي العراقي ممثل الطبقة العاملة وشغيلة اليد والفكر،ولطبيعته وانحداره الطبقي وميله الفطري للتحرر وشعوره الوطني المتنامي كما هو حال غالبية العراقيين،حيث تنحوا نحو الخيار الثوري الذي يقود الى العمل والنضال ضد الاستعمار،وكان الحزب الشيوعي مالئ الدنيا وشاغل الناس آنذاك ورأس الحربة في الحركة الوطنية وقطبها الذي يستقطب الكثير من الشباب الواعي والمثقف ،ويمثل مختلف الطبقات الاجتماعية من طلبة وعمال وفلاحين ومثقفين ،بعكس الأحزاب الأخرى التي تمثل مصالح الطبقة البرجوازية والأرستقراطية،وكانت هناك تيارات حتى داخل الحزب الشيوعي،ومن جملة القضايا التي يتذكرها أن كان مع أخيه حسن،يلتقون دائما بالمناضل الأستاذ نجيب عبود الدليمي،الذي أصبح فيما بعد من القيادات البارزة في نقابة المعلمين في بابل،وكان حينها من طلاب دار المعلمين الريفية ولديه صلات قوية مع أخوانه الساكنين في الحلة،وخصوصا أخواته لأبيه ،وكانت أحداهن زوجة الأستاذ المناضل عبد الرحيم شريف،فكانت تصلنا في ذلك الوقت جريدة أسمها(النظام) وهي تصدر عن المنشقين من جماعة راية الشغيلة،وكان يأتي بها الى القرية لنقرأها سوية،وكانت تلك البداية الأولى للانتماء الى الحركة الشيوعية الديمقراطية،فكانت البداية ارتباطنا باتحاد الطلبة العام الذي هو الفصيل المدني للحزب الشيوعي أو اتحاد الشبيبة،وكانت هذه الفترة من فترات الضياع التي عشتها بسبب اختلاطي مع أهالي المدينة واكتساب عاداتهم البعيدة عن طبيعة الريف،والثانية الخلاف الناشب بين والدي ووالدتي بسبب زواجه من امرأة ثانية،فقد أحدث هذا الخلاف شرخا في تفكيري ،وكان الوالد والوالدة يعتبروني حلقة الوصل بينهما،فكان كل طرف منهم يحاول استمالتي للتوفيق بينهم،والذي حز في نفسي أن والدي الذي أكن له الاحترام الكبير وله المنزلة الكبيرة في نفسي كلفني بأن أفاتح والدتي للحفاظ على وجودها الطبيعي،,أن لا تلح في موضوع الزواج،وأنه كفيل بتوفير ما تحتاجه من الناحية الاقتصادية،فحز هذا في نفسي فأن لوالدتي مكانتها الخاصة في قلبي ولا يمكن أن أرضى أن تكون في الدرجة الثانية من اهتمام أبي ،فبدأت عوامل التمرد تأخذ مجرى آخر،فامتزجت بأصدقاء يكبروني في السن وبدأت أسعى لما يسعى إليه الشباب ممن في سني،بارتياد دور السينما والوقوف في الشارع لمعاكسة البنات وما الى ذلك،وكان للأستاذ مجيد أثره الكبير في أعادتي الى الطريق السليم فكان يجتمع بنا ويقرأ الجريدة ويشرح لنا ما غمض من كلمتها،ولم يصل الأمر الى التنظيم،وكان عددنا لا يزيد على أربعة هم الأستاذ مجيد وعبيد الكاظم،والأخ حسن علي وأنا،،وكان يعدنا أعدادا لأن نكون مؤهلين للارتباط رسميا بالتنظيم فلم يكن من السهولة تلك الأيام الانتماء للحزب الشيوعي لما يتطلبه من فترة زمنية طويلة تبدأ بالدخول في المنظمات الديمقراطية،وتنفيذ الواجبات الكبيرة،والمشاركة في النشاطات العامة ،حتى أذا وجد فيهم القدرة على العمل يكون ذلك البداية لترشيحهم الى الحزب ليمرون بفترة اختبار قد تطول وقد تقصر حسب كفاءة وقدرة المرشح على العمل الجاد والدءوب، انتميت لإتحاد الطلبة وكنا مجموعة من الشباب في القسم الداخلي من خارج الحلة ،من أهالي القاسم والمحاويل والحمزة والمسيب والكفل.

وللظروف العائلية وما حدث من شرخ في كيان الأسرة،كنت أمر بفترة حرجة فقد حاولت الانتحار بتناول مادة النفتالين فأنقذني أصحابي عندما أخذوني للمستشفى لغسل المعدة ، وبدء التمرد يأخذ شكلا آخر فقد سمعت أن هناك بواخر تنقل المشردين من البصرة الى أمريكا وبريطانيا،وكنت مستعدا للعيش كما يعيش المشردون فقررت السفر،فاتفقت أنا وزملائي مهدي جعفر وأحمد سلمان وعزاوي الهرب الى البصرة ومن هناك نركب أحدى البواخر المتوجهة الى العالم الجديد.

وفعلا نفذنا عزمنا وذهبنا الى البصرة ،ولم تتهيأ لنا الواسطة للذهاب فعبرنا شط العرب الى المحمرة وقضينا هناك يوما كاملا،ولم نتمكن من أيجاد الوسيلة للسفر فعدنا الى البصرة بعد أن بتنا ليلتنا لدى الأخوة العرب الأحوازيين،وقد رجعنا بواسطة القطار لاستحالة ركوبنا الباخرة لوجود حراسات مشددة عليها،وبقينا في البصرة فقر رأينا على السفر الى الكويت عن طريق التهريب وفعلا توجهنا الى سفوان على أمل الاتفاق مع المهربين ولكن لم تسعفنا الظروف ،وفشل مشروعنا برمته فقررنا العودة الى الحلة،وباشرنا الدوام في المدرسة والمبيت في القسم الداخلي دون أن يشعر أهلنا بما قمنا به من عمل،وعدنا الى سالف العهد بالدخول الى السينما ومشاهدة الأفلام الأمريكية منها فلم (كارمد) الذي كان يقص علينا حياة رجل من الكابوي يركب الحصان ويحمل مسدسا سريع الطلقات ويقوم بسرقة أموال الأغنياء ليوزعها على الفقراء،وكانت هذه الشخصية من جملة ما أثار في نفسي التمرد على الواقع والسعي لتغييره،وكانت هذه الأمور دافعا لي أن أسلك الطريق الصائب لأكون في صفوف الفقراء والمدافعين عنهم،وكانت البدايات لانتقالي الى فترة القرار والاستقرار.

وكنت خلال هذه السنة قد أنهيت دراستي المتوسطة بمعدل واطئ جدا لم يتجاوز الخمسين،وهنا المحطة الكبرى التي غادرنا فيها مدرستنا ومدينة الحلة الجميلة،وحاولنا اختراق حدود الوطن الغالي والعبور الى الحضارة الجديدة،وعوالم واسعة من المعرفة والتقدم،وكان خير من الماضي المليء بأحلام فقيرة عن رجل يستطيع بمفرده تغيير العالم كما يقوم أبطال الكابوي الأمريكي بمحاولة انتشال الفقراء والوقوف بوجه الأغنياء ،فمثل هذه الأعمال تحتاج الى وعي وعمل جماعي،فكانت العودة الى الذات والسير في الطريق السوي،وكان أخي وشقيقي حسن علي الجبر حينذاك عسكريا في مدرسة القوة الجوية،وتكلم معي بكلام يتضح منه العفو عما فات وأن لكل جواد كبوة ،ولكل إنسان هفوة،ووجه لي النصح مع دعاء الوالدة بالهدايه وفتح صفحة جديدة،أما والدي فكان يتعامل معنا بحزم وقد طلب من أحد أقاربي أن يأخذني معه الى العمل في بغداد،فكنت أعمل معه في أعمال شاقة أعادت الى ذاكرتي أيام الدراسة ولهوها و أجوائها،وأجواء العمل المضني الذي يستهلك الكثير من طاقتي،وكان للظروف الجديدة أثرها في أعادة بناء شخصيتي على أسس سليمة والتعامل مع الواقع،والعودة الى حضن المجتمع كانسان محبوب من الآخرين،واستمرت هذه الحالة أكثر شهور الصيف،وبعد انتهاء العطلة الصيفية قدمت للدراسة في دار المعلمين الكائنة في الأعظمية إلا أن طلبي رفض لعدم حصولي على الدرجات التي تؤهلني للقبول،وكان أسمي ضمن الطلبة الاحتياط،فسجلت في الإعدادية وداومت في الرابع الإعدادي،وفصلت من المدرسة،وفي العام التالي حصلت على وثيقة للتقديم الى إعدادية الزراعة في أبي غريب التي قيل وقتها أنها تخرج معلمين زراعيين،وقبلت فسجلت طالبا فيها وهناك انفتحت أمامي أفاق واسعة من المعرفة والعلاقات الجديدة المبنية على الاحترام والعلاقة الرصينة،وفتحت أمامي أفاق جديدة لأكون شيئا مذكورا وكانت البداية لدخولي في غمار العمل السياسي ناشطا في اتحاد الطلبة العام أو اتحاد الشبيبة الديمقراطي وبداية ارتباطي بالحزب الشيوعي العراقي،وأصبحت على استعداد للعمل الجماهيري،واستعادتي لحياتي الطبيعية،فكنت في صميم العمل الجماهيري وكان لي نشاطي المميز بين العاملين آنذاك لما كنت عليه من اندفاع شديد،ووجدت أن في بغداد تنظيما له جريدته التي تسمى القاعدة، فيما كنت لا أعرف عن الحزب وتنظيمه إلا راية الشغيلة التي كانت لها قاعدة في الحلة،وكان زملائي في الدراسة من جماعة القاعدة فسرت معهم في طريق الحزب دون أن أعي الفرق بين راية الشغيلة والقاعدة.

داومت في إعدادية الزراعة وكان الطلبة لا يزيدون على أل(17) )طالب مقسمين على محافظات العراق المختلفة،وكان طلاب الدورة مؤتلفين فيما بينهم ومحبين لبعضهم،وكان بينهم البعثي نوري عثمان الراوي والإسلامي محمد سعيد،والمستقلين وهم الأكثرية،أما أنا والأخ حميد فكان على ملاك الحزب الشيوعي العراقي،وكنا نمارس بعض النشاطات الجماهيرية مثل التحرك على الجماهير لتوقيع على مضابط أنصار السلام ،فكنا نطلب من زملائنا التوقيع عليها لمعرفة توجهاتهم فكان القريبين منا يوقعون عليها ،وتحركنا على المواطنين الآخرين في الحلة لتوقيعها من قبل أصدقائنا ومعارفنا ممن يميلون الى التيار الماركسي،منهم الشيخ عبد الله من البو مصطفى،ومعن جواد(أبو حاتم) الذي أصبح فيما بعد من الكوادر الحزبية المعروفة،وقد وقعت عليها بعض أقراني من أهل القرية أتذكر منهم الأخ عمران عبود والأخ خيري الذي كان يخشى التوقيع لأن والده عريف في الشرطة،والأخ يونس حنش،وعبد الحسين حبيب أبن عمي،وكانوا لا يدركون أهميتها والعواقب المترتبة عليها.

وكان اتصالنا بحركة الشبيبة بواسطة زميلنا مالك من أهالي المحمودية،وارتباطنا الحزبي بعامل يسكن مدينة الكاظمية في خان ،وهو دار كبيرة فيها عدة غرف ،كل غرفة مؤجرة لعائلة أو مجموعة من الطلبة أو العمال،وكنا أنا والأخ مالك والأخ حميد نجتمع بهذا الرجل أو المنظم،ونسمع منه أشياء لم نسمع بها سابقا فكان يجيب عن تساؤلاتنا واستفساراتنا ويزودنا بالأدبيات التي نحتاج إليها في فهم الكثير من الأمور،وكان يزودنا بالمنشورات والبيانات لتوزيعها أو لصقها على الجدران،أو قراءتها على الزملاء،وذات يوم حضرنا مؤتمرا للحزب الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه المرحوم كامل الجاد رجي في سينما النجوم،وكأن أكثرية الحضور من الديمقراطيين واليساريين وثلة من القوميين،وكان هؤلاء يقاطعون الأستاذ الجادرجي عند القاء كلمته،وعندما أنهى خطابه خرجنا بتظاهرة شارك فيها المئات وانطلقت الى الباب الشرقي وقد علت الهتافات ،وحاولت قوات الشرطة التي هرعت الى المنطقة إيقاف المظاهرة وتفريقها إلا أن المظاهرة سارت باتجاه شارع الرشيد وهي تردد الهتافات الوطنية التي تندد بالاستعمار وعملائه،وقد جاء من يحول مسيرة بعض المشاركين في المظاهرة،فانسلخت عنها مجموعة أخذت تهرول باتجاه جسر الأحرار،كنت معهم ،وعند وصولنا قرب الجسر شاهدت مجموعة من المشاركين في المسيرة يخرجون من تحت ملابسهم العصي الغليظة وينهالون بها على المشاركين بالمظاهرة،وعندما حاولنا الانسحاب الى الأمام فوجئنا بمجموعة من رجال الشرطة الذين قاموا بمهاجمة المجموعة وإلقاء القبض على بعضهم،وعندما حاولت الفرار سقطت على الأرض وأصبت بجرح في خدي الأيسر،وبعد أن نهضت من سقطتي، تحولت الى شارع الكيلاني،وعندها فوجئت بأحد أفراد الشرطة يحاول إلقاء القبض علي،وعندما هاجمته انقطعت أزرار قميصه وتخلصت منه وهربنا في الأزقة حتى وصلنا الى أحد المقاهي وقد حملت في يدي كتاب مدرسي حتى يخال من يراني أني طالب ولم أكن من المتظاهرين.

وبعد أن استرحت قليلا ،وضعت قطعة من القماش لإخفاء الجرح الذي في خدي ثم توجهت الى سينما الحمراء في شارع الرشيد،فوجدت رفاقي الطلبة المشاركين في المظاهرة ،وعندما رأوا الجرح قالوا أحذر أن يراك العميد ويحرمك من الامتحان غدا،فعدت الى أبي غريب ودخلت الى كلية الزراعة المجاورة للإعدادية ومنها دخلت الى الكلية وقررت أنه أذا سألني العميد عن الجرح أخبره بأني قد سقطت على الأرض أثناء ممارستي للعبة كرة القدم مع طلاب كلية الزراعة ،وقد اتفقت مع أصدقاء من الكلية على الأمر حتى لا يكشف الحقيقة،،وفعلا سألني العميد في اليوم التالي فبررت له الإصابة على هذا الأساس.