الرئيسية » مقالات » زمن أتاتورك الصعب!

زمن أتاتورك الصعب!

جاء قرار المحکمة الدستورية الترکية متماشيا مع الموقف الدولي الرافض اساسا لحظر حزب العدالة و التنمية و منع بعض قياديه وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان و عبدالله غول من ممارسة السياسة لسنوات محددة، وليؤکد مرة أخرى على قوة و رسوخ أسس هذا الحزب في الواقع الترکي و رجاحة توجهاته السياسية ـ الاقتصادية سيما بعد ذلك التحسن النسبي الملحوظ في اداء الاقتصاد الترکي والمنجزات التي حققها على الصعيد الدولي. القرار الذي جاء بفارق ضئيل ضمن التصويت الذي جرى بين هيئة القضاة في المحکـمة المذکورة، تضمن أيضا فرض غرامة محددة على الحزب يمکن أن تکون بمثابة نوع من حفظ التوازن بين العلمانيين المتشددين و حزب العدالة ذو التوجهات الاسلامية المثيرة للجدل، لکنه مع ذلك لم يکن بالسهل و الهين على ترکيا إتخاذ قرار بعيدا عن الموقف الدولي من الازمة السياسية في البلاد خصوصا وان ترکيا تعاني العديد من المشاکل و الازمات الاقتصادية العويصة المحتاجة لأکثر من عون و مساعدة دولية. العسکر الترکي وان کان قد کشر عن أنيابه أکثر من مرة و أبدى إستياءه من التوجهات ذات الطابع الاسلامي للحکومة سيما قراره برفع الحظر عن لبس الحجاب داخل الجامعات الترکية، فإنه قد أدرك وللمرة الاولى في تأريخه ان ممارستهم للعبة في عام 2008 هو غير العقود الماضية وهم بذلك قد يکونوا أسدلوا الستار على حقبة تأريخية مهمة من تسلطهم على الساحة السياسية الترکية من حيث توجيه سياقات الامور بالصورة التي تلائم التوجهات العلمانية التي وضعها باني ترکيا الحديثة کمال أتاتورك. بيد انه ومع ذلك، لايمکننا إلقاء الامور على عواهنها و التصور بأن حزب العدالة و التنمية قد أحرز نصرا حاسما بمعنى الکلمة، إذ أن الطريقة التي أستقبل بها الحزب و قادته لقرار المحکمة، کانت تدل بوضوح على تهافتهم على مثل هذا القرار وليس”إنتظاره” وهناك قطعا فارق کبير بين الحالتين. ومن الممکن جدا وصف قرار المحکمة الدستورية بإنه جاء توافقيا لحلحلة الوضع السياسي الترکي و عدم فسح المزيد من المجال کي يتجه نحو طريق اللاعودة، وهذه الحلحلة تعني بحد ذاته بقاء شوکة العسکر وهيبتهم أمام ساسة ترکيا عموما و حزب العدالة و التنمية خصوصا قائما. وقد يکون الذي شفع لحزب العدالة و التنمية لدى جنرالات ترکيا ودفعهم للقبول بأواسط الامور، هو ذلك النشاط الدؤوب الذي قامت به الدبلوماسية الترکية بشأن الوساطة بين دمشق و تل أبيب و نجاحها الذي بات يبدو واضحا للعيان مع إعلان العزم عن قرب إجراء مفاوضات سورية ـ اسرائيلية مباشرة. هذه المفاوضات التي تستلم أنقرة ثمنها عبر تلك الطائرات الاسرائيلية التي تقوم بقصف مواقع حزب العمال الکوردستاني وکذلك عبر التعاون العسکري الوثيق بين الطرفين في مضمار ملاحقة حزب العمال الکوردستاني الذي تسعى أنقرة حثيثا لجر القدم الاسرائيلية الى الوحل الکوردي أملا منها في وضع حد لنزاعها القائم مع حزب العمال الکوردستاني. کما أن اسلوب المراوغة و اللعب الذي يمارسه قادة حزب العدالة و التنمية من قناة الغمز المستمر للعسکر و التأکيد على”بيعتهم”لهم من حيث بقاءهم أمناء على التراث الاتاتورکي العلماني، قد کان له دور واضح في إرضاء غرور کبار جنرالات أنقرة. إلا انه ومع کل الذي سردنا ذکره، فإن ثمة أمر مهم جدا لابد من الوقوف عنده بعض الشئ و تأمل تداعياته، وهو أن زمن السطوة”المطلقة”لعلمانية أتاتورك المفروضة بقوة أعقاب البنادق قد تغير الى عهد السلطة”النسبية”لها في الالفية الثالثة بعد الميلاد، وهو زمن لو نظرنا الى آفاقه غير البعيدة نسبيا فإنه من الممکن جدا تسميته بزمن أتاتورك الصعب!