الرئيسية » مقالات » عراق الأمس وعراق اليوم

عراق الأمس وعراق اليوم

لقد كان العراق فيما سبق، حاله كغالبية بلدان الشرق التي تحكمها أنظمة شمولية / قمعية، حكراً على فئة بعينها، ونموذجاً للسلطة الفردية التي تختزل الدولة في ذاتها، استناداً إلى قوانين ودساتير هي من صنيتعها، وبحراسة مراكز القمع والقوة، سواء أكانت جهات أمنية أم حزب السلطة، إلى جانب توظيف الجيش – عقائدياً – لتشكل بمجملها، حلقات الضغط والضبط للحد من إيقاع حركة الشارع، خدمة لديمومة النظام واستمراريته، كونها تعتبر الركائز الأساسية له، والجهات التي تسهر على ترسيخ دعائمه، عبر إشاعة الذعر والإرهاب، وبالتالي تحد من تفاعل المجتمع مع الدولة بمنأى عن مفهوم المواطنة، وجدلية العلاقة بين الحقوق والواجبات، وعليه فإن كل شيء يكون مباحاً في الساحة الوطنية، إلا التدخل في شؤون السياسة وإدارة البلاد، فهي من مهام واختصاصات الجهة التي تحكم وتتحكم، وتكون الجهات التي تقف على مسافة معينة من شكل وإدارة الحكم، غير معنية بما يجري في البلد، بل عرضة لسيف القمع وحبل المشنقة، إذا ما تجرأت وحاولت أن تأخذ بنصيبها من الهم الوطني، بغية المشاركة في صنع القرار، أو المساهمة في تحديد الخيارات الوطنية، وهذه الحالة هي التي تعزز من شعور الاغتراب والتغرب بين الوطن والمواطن، وتساهم إلى درجة كبير في ضرب مرتكزات الوحدة الوطنية، كنتيجة طبيعية للاصطفافات التي تحصل بين خنادق الموالاة والمعارضة من جهة، وداخل كل نسق بذاته من جهة أخرى ..
لقد شكل عراق الأمس بنموذجه الديكتاتوري الدموي، آفةً حقيقية تهدد أمن واستقرار المنطقة، وإحدى أهم بؤر الاحتقان، لما شابه الكثير من مظاهر الفساد والإفساد، إلى جانب تدخله في الشؤون الداخلية لدول الجوار، ووقوفه على طول الخط في مواجهة استحقاقات المرحلة، وذلك بحكم جملة من القضايا التي تمت القفز عليها في الداخل الوطني بالاعتماد على دورة القمع والإرهاب، من انتهاك لحقوق الإنسان والقوميات والمذاهب، ومواجهات مع خيارات التغيير والديمقراطية، عبر كم الأفواه وقطع الرؤوس والمقابر الجماعية، إضافةً إلى دوره الإقليمي الذي دفع بالمنطقة إلى أجواء التوتر واللا استقرار، علاوة على قضية الأسلحة الكيماوية، والتي شكلت بمجملها أسباباً لسقوط النظام، ذاك السقوط الذي كان يؤمل منه أن ينهض فيه العراق الجديد من الرقاد، وينفض عن نفسه تراكمات مرحلة طغت عليها ثقافة الدم وسلطة الاستبداد، إلى فضاءات حيث الحرية والديمقراطية، وتشكيل تجربة تمهد الأرضية في أن تعمم في المنطقة وتشكل نموذجاً يحتذى به، وعلى هذا الأساس، جرى التفاعل مع الحدث العراقي على أنه بداية نقلة نوعية من سلطة الفرد إلى سلطة الشعب، ومن عراق الدم إلى عراق الوئام والتعايش السلمي بين مجمل مكوناته، من سياسية ومذهبية وقومية ..
إلا أن الذي حصل في العراق، وكنتيجة للنموذج الثقافي السائد في المنطقة، لم يكن سوى عملية تبديل في النموذج وتغيير في التوازنات ومراكز القوى، حيث حلت سلطة الطائفة والمذهب مكان سلطة الفئة، وثقافة التكفير موضع سلطة الاستبداد، كون السقوط لم يكن لمرتكزات البنى الثقافية والمعرفية، التي استمدت منها الديكتاتورية استمراريتها، فهي بقيت تفعل فعلها في ذهنية المجتمع وحتى النخب السياسية، وخاصةً تلك التي امتلكت مراكز القوة ومصادر القرار، وإن كان البعض قد حاول أن يعبر عن خياراته في دفع الأمور نحو بناء الدولة المدنية، إلا أنه لم يمتلك مقومات التفعيل وسط ما هو سائد من مظاهر التسلط على القرار، أو التأثير فيه، بالاحتكام إلى لغة السلاح واحتضان المليشيات وفرق الموت، المدعومة من أكثر من جهة وأجندة، والتي لا تكف في الفتك بأسس بناء الدولة العصرية، وذلك بهدف التأثير على موازين القوى الداخلية من جهة، وتمرير مشاريع إقليمية من جهة أخرى، مما جعلت من بعض أطراف المعارضة، التي كانت تعاني القمع والتنكيل في ظل النظام السابق، أكثر دموية وهي على تخوم السلطة، ودعاة الديمقراطية والتعددية، أكثر ممارسة للمنهج الشمولي، بل الاقصائي المحمي من النزعات التي تعتمد لغة البارود والأحزمة الناسفة في مواجهة الآخر، وعلى هذا النموذج تشكلت مفردات السياسة التي تمت التعامل من خلالها مع الاستحقاقات السياسية، وعليه أصبح العراق أسير قيود الحظر والمنع من المساس بالحصص، لأن مفهوم التوافق الذي بني على أساسه النظام، تم الإطاحة به أمام سطوة المحاصصة، والمبدأ الذي بات يقيد العملية السياسية هو مبدأ الشروط والرضوخ لها، تلك الشروط التي لا تأبه لمسارات التطور، أو نقل البلد من حالة الخراب إلى حيث البناء والاستقرار، بقدر أنها تعبر عن ضغوطات، الهدف منها تكييف الوضع بما ينسجم وأجندات كل طرف وامتيازاته، وبالتالي أصبح العراق الجديد نموذجاً للعراق القديم، مع تغيير في المعادلة، حيث جاءت المحاصصة الطائفية والمذهبية لتحل محل المحاصصة الفئوية التي كان عليها النظام في السابق، وإن تم على الأرض ممارسة بعض المظاهر الديمقراطية، أو الأشكال التي توحي بأن البلد في طريقه نحو احترام مفهوم دولة المؤسسات، ولكن وفي الوقوف على حقيقة ما يتبلور في رحم العملية السياسية، نرى أن العراق سيكون أمام مخاضات قد تكون أكثر فتكاً بالمكتسبات، أو أكثر إيلاماً بالمجتمع من السابق، خاصةً ونحن نرى أن ما تم الاتفاق عليه على أساس التوافق، ينخر ذاته، ويتم الدخول إليه عبر أجندات تستهدف من حيث النتيجة التجربة العراقية ككل ..
لقد أراد العراق أن يوحي بأنه مشروع بناء النموذج الديمقراطي التعددي في المنطقة، وأنه في طريقه نحو ترسيخ وشائج التفاعل والتواصل بين المكونات المختلفة، من حيث الدين والمذهب والطائفة والقومية، بعد أن كانت اللغة المعتمدة في السابق في معالجة مثل هذه القضايا، هي اللجوء إلى الفتك والإبادة والمقابر الجماعية، لكن الذي تبين هو المزيد من المقابر الجديدة إلى جانب القديمة، والمزيد من الإبادة وسفك الدماء، كون الحامل لم يتغير، بحكم أن المسيطر في الفعل والممارسة هي نفسها تلك الثقافة المشبعة بروح الثأر والانتقام، وما الشعارات الديمقراطية التي تتم إطلاقها، ليست سوى ركوباً للموجة لا أكثر، وعليه يمكننا القول؛ بأنه لا يمكن لمجتمعاتنا أن تمارس الديمقراطية، أو حتى تتقبلها، وهي ما زالت أسيرة قيود ذهنيتها التي لا ترى في الآخر المختلف سوى الخصم والعدو، وأن أدوات المواجهة لديها هي القهر والقسر والفتك والقتل على الهوية عبر ثقافة الانتحار أو الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة، ولعل فيما يجري الآن على الأرض خير دليل على ما نذهب إليه، حيث نرى أن التعبير عن رفض أية جهة لأي خيار سياسي يكون عبر القتل والأحزمة والتفخيخ، على عكس ما نراه في إقليم كردستان، الذي يعتمد لغة المواجهة السياسية عبر أدواتها، من الاحتكام إلى الدبلوماسية والحوار والاعتصامات والاحتجاجات والتظاهرات..
إن المحاولات الحثيثة التي تقوم بها بعض الجهات بهدف الانقضاض على التجربة العراقية عبر الدخول إلى الدستور وما هو موضع الاتفاق من جانب الغالبية من الشارع العراقي، كلما سنحت الفرصة لذلك، يحيلنا إلى ما ذهب إليه السيد مثال الآلوسي؛ (( إن جوهر المشكلة في العراق؛ أن هناك من يريد للعراق أن يكون عراق الدشاشة والمسبحة )).