الرئيسية » مقالات » لمصلحة من يخرق الدستور

لمصلحة من يخرق الدستور


لقد كان للعملية اللادستورية الاخيرة في مجلس النواب وقعها السلبي الكبير في الشارع العراقي فحتى الساكتون عن الحق والقائلون بالباطل لا يستطيعون تجنب الاشارة الى مسألة الخرق للدستور وللعرف البرلماني والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الخضم من التداعيات، لمصلحة من كل هذا الذي حصل ويحصل وربما سيحصل؟ من المستفيد؟
وقبل الاجابة عن هذا السؤال لابد من الاشارة الى ان من اسباب الخرق والقفز على الدستور وفقراته وجوهره يعزوها الرأي العام الكوردستاني الى سوء النية المبيتة اساسا ومقدما ازاء بعض الثوابت المتفق عليها حتى قبل السقوط اي منذ ايام المعارضة ومؤتمرات المعارضة، هذا اولا وثانيا جهل هذه الجهات التي تريد ان تخرق الدستور وتقفزعلى الحقائق بتاريخ نضال الشعب الكوردي لا بل لا تعدو ان تكون معلوماتها عن القضية الكوردية معلومات سطحية، مما يفوت عليها حقيقة مهمة وهي ان الشعب الكوردي قد امتلك خبرة طويلة ولعقود عديدة من النضال والحوار والمفاوضات مع الخصم في بغداد وان السلوك الالتوائي في فرض الامر الواقع على الكورد والالتفاف على المتفق عليه وتزوير الحقائق وتسويف القضايا وتمييع المسائل الجادة المصيرية، نعم تقع ضمن خبرة عميقة لدى الجانب الكوردي ولن يستطيع الجانب الاخر تمريرها عليه وهذا ما حصل، فان خطأ دستوريا واحدا وخروجا عن صيغة التوافق اديا الى ما نشاهده اليوم في الشارع الكوردستاني من رفض واستنكار جماهيري، هزة كبرى شملت كل العراق والمشروع الديمقراطي فيه ومازالت التداعيات مستمرة وساخنة.
اننا نعتقد ان الوضع السياسي في العراق حساس الى درجة عالية ولا يحتمل ابدا تلاعب الطارئين والمغامرين ممن قذفت بهم موجة الاحداث الدراماتيكية بعد السقوط الى مواقع حساسة، اجدى بالعراقيين اليوم ان يفكروا مليا وبحذر شديد من تسليم مثل هذه المواقع لمن ليس باهل لها مستقبلا والا ما سر مثل هذه الخروقات والمغامرات تحت قبة البرلمان.
ان محاولة النأي بمحافظة كركوك خلافاً لكل المحافظات الاخرى بقانون خاص بها ووضع نسبة (32%) مقدما لكل قوم من مكوناتها وابعاد المدينة عن نتائج اي احصاء جديد او قديم او حتى احصاء 1957 يؤكد بلا شك ان مؤامرة رخيصة حيكت وتحاك ازاء الواقع الكوردي في هذه المدينة. ان عملية تقييد الناخب مقدما من اجل الحصول على نتائج محسوبة مقدما وعلى صورة ديموغرافية متخيلة مسبقا ان دلت على شيء انما تدل على مدى ابتعاد صانعي هذا السيناريو عن ابسط اشكال الايمان بالديمقراطية والا هل كركوك هي المدينة الوحيدة في العراق التي يسكنها عدد من الاقوام؟ فلماذا هذا التقسيم وهذه النسب المقررة مسبقا؟ ومن قال ان 32% هي نسبة عادلة سواء للكورد ام العرب ام التركمان؟
وعلى اي اساس يتم مثل هذا التماثل في النسب، هل الاساس احصائي؟ او ماذا؟ اليست القوانين تشرع على اسس منها الواقع والمنطق والحق والتاريخ؟ اننا نأمل وكعراقيين ان يكون الخطأ الذي حصل تحت قبة البرلمان محطة من اجل اعادة النظر في مدى خطورة المشكلات التي يجتمع من اجلها البرلمان وان تصبح مثل هذه الاخطاء فرصة للتصويب وخبرة لعدم اقتراف مثل هذا الخطأ مستقبلا والمثقفون الواعون هم القادرون على الاستفادة من اخطائهم لا تكرارها.
لن يستفيد من هذا الخرق الدستوري غير اعداء العراق واعداء الديمقراطية واعداء الشعب العراقي بكل اطيافه، وكل اعداء التجربة الرائعة في اقليم كوردستان.. وستبقى هذه التجربة النموذج الامثل لعراق المستقبل.