الرئيسية » مقالات » شهرزاد

شهرزاد

– كنا منفعلين جدا ونحن ندخل قاعة المحكمة..
تفوهت بهذه الكلمات بشيء من الفخر وهي تكشف عن ساقين رائعتين.. ويكفي انهما كانتا رائعتين.. بحيث لم يستطع ان يرفع عينيه في وجهها وهو يصغي لحديثها المثير، اذ كانتا مشدودتين نحو ذلك السحر الانثوي المتجسد في ساقين ممتلئتين ناصعتي البياض تلتمعان بشفافية ماء البحر حتى كاد يجزم ان شهرزاد لم تقل شيئا من حكاياها في تلك الليالي الالف والليلة التي تلتها..
– كانت مقاعدنا في الطابق العلوي حيث يجلس الحاضرون لرؤية ذلك الوحش الكاسر.. مترقبين دخوله ذليلا.. كسيرا..
تابعت وهو يصغي بصمت.. وكأنه تيقن بأن الف ليلة وليلة ماهي الا اراجيف اخترعها من ضاقت بهم الحيل في معرفة مايجري في قصر السلطان.. قيل انها كانت تروي قصصا فاتنة، بل هم في غيٍّ من امرهم.. اذ كان السلطان يستمتع بمحاسن كشفت له السحر الانثوي.. ربما بساقين كهاتين.. كان يحاول ان يصغي كي يمتع نظره.. وهي تتابع..
– اللحظات كانت تمضي ببطء وعيوننا على المدخل الذي كان مقررا دخوله وزبانيته منه.. لم نكن نترقب اية مفاجآت.. كنا نريد فقط تكحيل عيوننا حين نراهم في قفص الاتهام..
كان يستمع اليها بنشوة لم يألفها من قبل.. ليس على السلطان من حرج اذ يرى مايرى.. ويطرد النوم ليالي طوالا.. ليس من اجل الرعية.. بل من اجل ان يستمتع بما لم يره من قبل وهو يتسكع على ابواب حسنها.. حتى يتخيل الرعية بأنه قد ألف حديثها واستحسنه، ليحيكوا حولهما تلك القصص..
– شريط الذكريات كان يدور في مخيلتنا بسرعة عجيبة وهو ينقل لنا صورا من تلك الحقبة التي اثقلت كاهلنا بحكم ظالم مستبد لايعرف من الانسانية حتى حروفها.. والباقي.. دماء طفح منها الكيل..
سحبت نفسا عميقا وهي تتابع بحسرة..
– قتل.. تشريد.. مقابر جماعية.. و.. و.. والاف الصور التي تأبى الذاكرة نسيانها قبل ان ترى مصور المآسي يحترق بتلك الصور..
تصمت لبرهة، فيرفع رأسه نحوها ليؤكد لها بأنه ينتظر باقي حديثها.. لكن عينيه كانتا تأبيان ان تجولا بنظراته بين طيات جسدها الممتلئ بحيوية فاحت بعطر انثوي حتى لم يكن يستطع معها سوى الصمت.. لحظات سريعة انتقلت بها عيناه حتى اصطدمت بنظراتها التي يكفي ان يقول عنها انها جريئة.. وكأن خدرا اصاب عينيه.. اذ لم يستطع ان يطيل تلك اللحظات حتى تكسرت جفونه لتعيد احداقه نحو الاسفل حيث ساقيها لتقذف به نحو مخيلة واسعة تلك التي ابحر شهريار بها حتى ادركه الصباح.. لكن شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح حين اراد ان يغفو على ساقيها..
– محكمة..
استفاق من نظراته الجريئة على صدى كان له وقع غريب في اعماقه ليتذكر بأنه ليس بسلطان وليصغي بلهفة لما ارادت ان تُسمعه…
– كلمة دوى صداها في ارجاء المحكمة.. حيث طلب القاضي بعدها جلب المتهمين.. وقلوبنا تردد.. نادوا على المجرمين.. ليدخلوا مكبلين بسلاسل كانت اخف عليهم من عبء اعمالهم.. عيوننا كانت مشدودة اليهم ونحن نرى المكلفين بحراستهم ينزعون اغلالهم ويسوقونهم الى… لم نكن نعلم الى اين يمضون سوى انهم اختفوا من امام انظارنا.. تابعنا يمينا وشمالا وهنا كانت المفاجأة…
ترقب بلهفة ان تتابع حديثها لكنها صمتت للحظات لم يجرؤ معها سوى اختلاس نظرات سريعة وفي داخله رغبة في ان يحرق جسدها بأنفاسه.. وشعر بأنها تتمنى ان تحترق لكنه يجهل أية انفاس تريد.. فكيف به اذا حرق جسدها ثم أنى له أن يرتوي من عطش انهكه.. هو نفسه لايعرف.. لكنه تذكر بأنه ليس بسلطان وهي تتابع..
– كانت الارضية مصنوعة من الزجاج السميك، حين نظرنا اسفل اقدامنا عبر الزجاج وجدناهم يدخلون قفص الاتهام الذي يقع تحتنا مباشرة.. نعم كانوا تحتنا مباشرة.. ونراهم عبر الزجاج.. لم تكد الفرحة تسعنا وهي تملأ قلوبنا اذ يكفي انهم كانوا تحت اقدامنا..