الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – القسم ال تاسع

حرب وسجن ورحيل – القسم ال تاسع

كان الدكتاتور يظهر في كل ليله على شاشة التلفزيون العراقي وهي الشاشه الوحيده المفروضه على العراقيين أضافة ألى شاشة تلفزيون الشباب التي كان يديرها ابن الدكتاتور عدي . حيث يقضي السهره مع أزلامه ليحكوا له عن بطولاتهم المزعومه في الحرب حيث يبدا الدكتاتور بتعليق اوسمة الشجاعه وأنواطها بعد أن يصافح كل واحد منهم ويؤدي ذلك الضابط أو الجندي التحيه العسكريه ويقدم له أسمه وعشيرته حسب الطلب وكان هؤلاء يعدون بالآلاف وطوابيرهم لاتنتهي وقصصهم أطول من قصص السندباد وألف ليله وليله وما على العراقيين ألا أن يفتحوا تلك الشاشه ألى ساعه متأخره من الليل ليشاعدوا تلك المشاهد المكرره والممله والطالب والمعلم والموظف يسأل في اليوم الثاني ماذا قال الرئيس في تلك الليله من قبل مرؤوسيه والمسؤل الحزبي في الدائره أو المدرسه لأن معرفة ذلك الأمر كان يعتبر جزءا مقدسا من الواجب الوطني حسب توجيهات القوى الأمنيه والحزبيه في كل مدينه من مدن العراق .
وفي تلك الظروف المأساويه التي كان يعيشها العراق من أقصاه ألى أقصاه حيث الحرب وقد اشتد أوارها بين العراق وأيران وجثث ضحايا تلك الحرب العبثيه العقيمه تسلم ألى مراكز الشرطه بعشرات الألوف والعوائل المنكوبه تتلقى جثث أبناءها أبتدع الدكتاتور وأزلامه بدعه جديده وهي الأحتفال بعيد ميلاده والحديث عن هذه البدعه حديث ذو شجون فقد صرح صدام في أحدى اجتماعاته مع جلاوزته ب( أن الشعب العراقي هو من أذكى شعوب العالم بدليل أنه اكتشف يوم ميلاده في الثامن والعشرين من نيسان عام – 1938 م وأنه كان خارج بغداد عندما وصل أليه الخبر ) وتلقفت مقرات حزب البعث الأمر وكذلك أجهزة الأمن والمخابرات وبدأت الأستعدادات على قدم وساق قبل الموعد بعدة أشهر للأحتفال بهذا اليوم العظيم والمشهود في تأريخ الأمه العربيه وطلب من كل مدينه وقريه أن تحتفل بهذا اليوم وتم تعيين لجنه عليا للأشراف عليها حيث اصبح عزة الدوري رئيسا لتلك الأحتفالات وأمر بتقديم التقارير اللازمه بذلك والمبادرات التي يقدمها الحزب تخضع لتقييم مباشر من القيادتين القطريه والقوميه لتكريم المنظمه الحزبيه التي تبدع في أبراز أعياد الميلاد .
أخذت مديريات التربيه – قسم النشاط المدرسي -بأعداد التلاميذ لقراءة نشيد موحد يلقى أمام الرئيس في قصر المؤتمرات حيث يحضر كبار رجالات الدوله للأحتفال بذالك اليوم المشود كما سمي . جاء اليوم المشهود وقد ظهر الدكتاتور في أول عيد ميلاد له وهو يركب عربه مذهبه تجرها الخيول وكأنه أحد أباطرة الصين أو قياصرة الروس وأمر عزة الدوري بأطلاق ألف حمامه بيضاء في تكريت أيذانا ببدء الأعياد وظهر صدام في قصر المؤتمرات الذي أعده لهذا الأمر ومئات الأطفال يغنون له نشيدا موحدا وهم يزهون بملابسهم الجميله المزركشه وغرق العراق في ليالي ألف ليله وليله وضحايا الحرب في وقت واحد ولم يشهد العراق مثل هذه الأحتفالات طوال تأريخه الحديث والقديم وكان لكعكة عيد الميلاد حديث آخر حيث كانت تصنع من الطحين الفرنسي ومحلاة بكل ماتشتهي الأنفس ويأتي صدام وبحركة مسرحيه ليطفئ الشموع ويقطع تلك الكيكه العملاقه ومن حوله زبانيته أمثال طارق عزيز وعزة الدوري وطه الجزراوي وغيرهم وهم يقتطعون أجزاء من الكيكه ويتبادلون الأبتسامات والأحاديث عن هذا الحدث البارز في تأريخ العرب وكان الشعب في معزل من كل هذا حيث يستقبل ضحاياه ويأكل الطحين الأسود الذي كانت السلطه تتصدق به وتفتك به الأمراض والأوبئه والحزن و معظم البيوت التي كان أصحابها المقهورون يعلقون صور الرئيس وأدوات الزينه خوفا ورعبا من بطش النظام وكما يقول المثل العراقي ( كمل الغركان غطه أو المثل الآخر ( ناس تاكل دجاج وناس تتلكه العجاج ) أو المثل الآخر ( ناس هاي هاي وناس واي واي ) أما محطتا الأذاعه العراقيه والتلفزيون فكانتا في قمة الفرح والحبور بأغانيها ورقصاتها وقد احتفلت بعض الأنظمه العربيه بذلك اليوم ومنها الكويت وكانت المقالات في الصحف العربيه تدبج لأظهار عظمة القائد الضروره وترقص على جماجم الشعب العراقي وكانت مدارسنا تعيش أفراحا دائمه لمدة شهر كامل وأتذكر القول الذي قاله مدير المدرسه قبل عيد الميلاد بيوم واحد ( أن يوم غد هو عيد العراقيين والعرب جميعا ولابد أن يهب الشعب العراقي عن بكرة أبيه للأحتفال بهذا اليوم وحتى الشيخ الكبير والمرأة المسنه والطفل الرضيع يجب أن يخرجوا ويحتفلوا غدا ) وقد نشرت صحف الثوره والجمهوريه وبابل ملاحق ضخمه تعج بالصور الملونه للدكتاتور أحتفاءا بذلك اليوم وكان عبد الرزاق عبد الواحد وحميد سعيد وغبرهم يستعدون لقراءة قصائدهم العصماء التي تكيل المديح تلو المديح للدكتاتور . وتذهب وفود حزبيه من كل محافظات العراق ألى تكريت لتقديم التهاني ألى عائلة الدكتاتور حيث تذبح الذبائح وتقام حفلا ت ا لرقص ويستمر نشر المقالات والقصائد في الصحف العراقيه وغير العراقيه لأكثر من شهر حول عيد ميلاد السيد الرئيس القائد وهذا غيض من فيض ولم أقرأ أو أشاهد أن ملكا أو أمبراطورا أو رئيسا احتفل بهذه الصوره الصاخبه وبلده يخوض حرب طاحنه مع دولة أخرى حيث كان على الأقل أحترام مشاعر العوائل المنكوبه بأبناءها فضلا أن هذه الظاهره هي من البدع المرفوضه في ديننا الأسلامي الحنيف.
وقد أصبح عيد الميلاد هذا تقليدا سنويا وكل عام يجب أن يقدم المحتفلون شيئا جديدا غير الذي قدم في العام الماضي وألا ستغضب القياده على المحتفلين وكان موضوع الغضب يعني محو المغضوب عليهم من الوجود في عرف الدكتاتور .
ومع استمرار الحرب وازدياد ضحاياها يوما بعد يوم أصدرت القياده العامه للقوات المسلحه بيانا أعلنت فيه أن طائرة أيرانيه حربيه حاولت قصف بيت الرئيس في تكريت وتم أسقاطها وكانت عائلة الرئيس متواجدة في القصر أثناء محاولة تلك الطائره الأيرانيه الفاشله وبعد فتره تم تشكيل وفود حزبيه لزيارة بيت الرئيس وتقديم التهاني بسلامتها من تلك المحاوله الغادره كما أعلن و قد أوحت وسائل الأعلام بأن نجاة العائله من العدوان حدث بأمر من الله لأن عائلة الرئيس تنتمي ألى جدها علي بن أبي طالب ع وشكلت محافظة واسط وفدها الحزبي والشعبي كما قيل وكان ضمن الوفد المدعو ( كاظم غفله ) الذي أذاقنا الويل والثبور أثناء وجودنا فيما يسمى بالجيش الشعبي والذي ذكرته سابقا وفي الطريق أثناء تواجد الوفد في السياره تلفظ كاظم غفله ببعض الكلمات حيث أخذته الغفله وقال لرفيق آخر كان يجلس ألى جنبه ( هل نحن ذاهبون لزيارة الكعبه ؟) فما كان من هذا الشخص الذي سمع الكلام الآ أن ينقله بجهاز لاسلكي كان يحمله معه لأنه كان مكلفا بمراقبة الوفد ورفع تقرير عنه ولم يدري كاظم غفله بذلك وعند وصول الوفد ألى مدينة تكريت تم ألقاء القبض على كاظم غفله حال نزوله من السياره التي كانت تقل الوفد واقتيد مخفورا ألى مديرية الأمن العامه واختفت آثاره من ذلك اليوم وعلى الأرجح أنه أعدم في أحدى زنزانات مديرية الأمن العامه .
وفي القسم العاشرسأتناول الوضع التربوي وحال المدارس المزري في زمن الحرب.