الرئيسية » مقالات » مام سالار

مام سالار

تأمل العقد الذي بين يديه والذي تعود صناعته الى مطلع التسعينيات من القرن العشرين،ضغط بطرف لسانه على اسنانه الامامية ضغطة خفيفة بعد ان انحرفت عن مكانها قليلاً نحو الامام اثر ابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه ذي البشرة السمراء المفعمة بخشونة الاعوام التي رسمت لها خطوطاً واخاديد على محياه..اربعون عاماً ونيف والعقد يهز فيه حنيناً لأيام غابرة، كان حينها في الثلاثين من عمره عندما لامست يده العقد اول مرة، غاص في الاريكة الصوفية التي يسترخي عليها وهو يفرك صلعته، كان لمعانها وبريق نظارته الطبية، البيضوية الشكل، يكادان يطغيان على بشرته السمراء ويشكلان مع لحيته البيضاء الكثيفة والتي تبدو كغابة ثلجية، هيكلاً للوقار الذي اتسم به مام سالار(1) طوال العقود الاخيرة من حياته المفعمة بذكريات لاتزال اشرطتها تدور في مخيلته، ذكريات من الماضي الذي يشكل تاريخه وسيرة حياته، ذكريات تبدأ من كوردستان ارض آبائه وأجداده، وتنتهي بالمنفى الذي اعتكف فيه عقدا كاملاً من حياته في مدينة مالمو السويدية حيث القارة الاوربية، تاركاً مدن الاحلام، مهاجراً نحو مدن المستقبل الذي يعيشه بعد ان كان يسمع عنه فقط، وحاملاً معه كل آلامه وذكرياته القاسية التي اشعلت ما تبقى له في مؤخرة رأسه ومفارقة شيباً بعد ان اكتسح السيل الابيض لحيته ومقدمة صدره، لكنه استطاع رغم ذلك كله المحافظة على اتزانه وتوقد ذهنه وسرعة بديهيته وصفاء افكاره..ففي خضم معاناة شعبه، ابصر النور، حيث كان الشعب الكوردي يقارع الظلم والاستبداد في ثورة مسلحة اخمدتها اتفاقية آذار(2) التي اعادت السلم والاستقرار، واشتد عوده مع انهيار تلك الاتفاقية وولادة اتفاقية اخرى(3) جلبت الشؤم على شعبه الذي لم يجد بداً من فتح صفحة جديدة من صفحات نضاله، بحمل مناضليه السلاح مجدداً بوجه الظلم والاستبداد..وهكذا ترعرع مام سالار في بداية حياته ليشارك ابناء جلدته في مقارعة الظلم والطغيان من اجل نيل حقوقهم المشروعة، كما شهد في ريعان شبابه وقائع حرب دموية طاحنة بين طرفي الاتفاقية الأخيرة المشؤومة، حرب أحرقت الاخضر واليابس، واكلت الحجر والثمر، وراح ضحيتها مئات الالاف من الابرياء لتطوي اخر صفحاتها بمجازر دموية وعمليات قتل جماعية وابادة بشرية انكاها فاجعة حلبجة الشهيدة(4) والتي حملت قسطاً كبيراً من المأساة، ومن ثم في عمليات التطهير العرقي(5)، لتحصد خلالها الالاف من الرؤوس التي رفضت الذل والخنوع…
اعاد العقد الى مكانه السابق بين اشيائه الثمينة في الصندوق المصنوع من خشب البلوط والذي يضم عدداً من ذكرياته، ثم عاد مرة اخرى ليغوص في اريكته الصوفية كأنه يحاول الهرب من لحظاته الآنية الى ايام مضت، حيث صاحبة العقد التي لامست مخيلته بل واحتضنتها بصور لم تلتقطها آلة تصوير، ولم تجسدها أنامل رسام، لم يكن احد ليستطيع تحديد ملامحها سوى ذهنه وما يخبئه من لحظات تبعث في نفسه السرور، شعر وهو يلامس انفه بكفيه بان عطر يديها مازال عالقا حتى بين تجاعيده، لم يكن لهذه التجاعيد من اثر حين كانت يديه تلامس يديها، وتعتصرها مع كل خفقة من فؤاده، كما شعر بان دفء تلك اليدين مازال يسري في عروقه ليبعث في نفسه الحيوية والنشاط وتدفعه للتمسك بهذه الحياة رغم مآسيها، وليس دفء يديها فحسب، بل هو غيض من فيض جسدها الطري الذي طالما اكتسحه بطياته ولهيب انفاسه، حتى حين يتمتم باسمها “ذيان” والذي يعني الحياة بلغته الأم، كان يشعر بلذة خاصة مع كل حرف من حروفه، ذيان.. تلك الفتاة الشرقية بكل المواصفات المعهودة عن المرأة في بلاد الشرق، ذات الاصول الكوردية، وعائلة تعتز باصولها وقوميتها، كانت شخصيتها الظاهرة بالنسبة له مركبة بين عادات الشرق وتقاليده القاسية، وبين ما تحمله رياح الغرب من اساليب متطرفة تقع في حبالها كثير من نساء المجتمع النوروزي، ومع ذلك تبقى العقدة الحقيقية في نفس هذه الفتاة متعلقة في كيفية الموازنة بين تيارين متنافرين وانعكاسهما على تصرفاتها..ورغم سلوكها الغريب، الا انها استطاعت التأرجح في قلبه لتهز كيانه وتجعل منه بطلاً لقصتها التي لم يتحسبا نهاية تراجيدية لها، لتنتهي بهدوء كما بدأت بهدوء، وكما ان الهدوء يسبق العاصفة فقد كان لحبهما الهادئ عاصفة تأججت على الاسرة الدافئة وخلف الجدران العالية حيث الزوايا المظلمة، ليتنفس حبهما عبر كوات صغيرة تضاءل النور من خلالها حتى لم يكن ليستمتع كثيراً بصفاء جسدها العاري والممدد امامه، ولا بسحر بشرتها الناعمة، لكنه استطاع تحسس ذلك الجمال العاري امامه بأنامله، وكلتا كفيه، وحتى من خلال شفتيه التي كان يلهب بها كل ما تمر عليه من جسدها، بدءاً من ساقيها ومروراً بالطرق الملساء التي لايمكن السير عليها الا بلسان طري او كف ندية للشعور بنشوة العبور، حتى المنعطفات كانت لها نكهتها المنعشة ونشوتها الخاصة بما فيها من ارتقاء وهبوط، وصولاً الى اعلى قمة عند جبهتها ومؤخرة رأسها المتوج بشعر اسود طويل يكاد يغطي صدرها حين تنشره عليه، واكثر ما كان يجن له جنونه حين كان ذلك الشعر الحريري يتهدل على كتفيه حين تسترخي بين احضانه…
رفع نظارته البيضوية من على عينيه وارخى رأسه على مؤخرة الاريكة الصوفية ممداً رجليه نحو الامام متأملا سقف الغرفة الانيقة ذا اللون الفاتح الزرقة وابتسامة لاتكاد تفارق شفتيه الغليظتين ليتمتم ببضع كلمات مع نفسه باسترخاء مرددا..
-ربما تبلغ الان الرابعة والخمسين (بلع ريقه وتابع)..لربما..وقد تكون اقل من هذا السن بكثير!
سحب نفساً عميقاً وهو يعتدل في جلسته ليضع نظارته البيضوية بجانب صندوق البلوط المنقوش بزخارف شرقية تعود الى عهود قديمة، جال ببصره في ارجاء الغرفة دون ان يحرك رأسه، ثم أمعن النظر في الصورة المعلقة على الحائط امامه والتي كانت تعجبه كثيراً رغم بساطتها، فهي تجسد عدداً من الخيول الشرقية الاصيلة تتنافس في جريها عبر مروج خضر تذكره بسحر الطبيعة في كوردستان، وسرعان ما بعثت الصورة في نفسه الرغبة بالضحك لكنه كتم ضحكته بابتسامته العادية، حين ارتسمت صورة العقد امامه فجأة من خلال الخيول.. لم يكن بالفارس الذي يسقط من صهوة فرسه بسهولة ويسر حتى لو انقطع لجامها، فحين كان يمتطي فرسه في عاصفة من العواصف التي الهبت مضاجعه، لم يكن لجام الفرس بين يديه حين انقطع فجأة من شدة جذبه اياه، بل كان عقدا فضياً تدلى من عنق “ذيان” وانقطع بين يديه، ولكن الفارس لم يسقط، كما ان الفرس لم تكبُ، فتابعا الجري…
تصفح اوراق ذكرياته علّه يذكر تاريخ ولادتها، لم يطل به التفكير في هذا الامر حيث ولدت “ذيان” في ظل أزمة أمة، وفجيعة شعب يمر في خضم نكباته ومع ذلك يبقى مقاوماً، صابراً، محتسباً.. عام 1976 كانت ولادتها، وقبل ان تتفتح زهرة انوثتها ارتبطت بمام سالار بعلاقة توطدت بينهما فيما بعد، كانت آنذاك في اولى مراحل دراستها المتوسطة والتي لم تنهها لظروف تخص المجتمع الشرقي وتمرده على نصفه الناعم، لتؤجج خيوط العلاقة التي تربطها بمام سالار وتجعلها اكثر من حميمة، ولترتبط بحياته حتى أضحت عقدة من عقده..
استرجع ذكرياته عن ذلك العام، حيث لم يتجاوز حينها الرابعة عشر من عمره، فلم يكن يعلم ان القدر الذي خبأ المآسي والويلات لشعبه خلال ذلك العام كان يحمل معه ولادة اول فتاة خفق لها قلبه.. وكما انه لم يكن ليدرك الكثير عن تلك الاحداث الا انه استقاها واحتفظ بها بين اوراق ذكرياته من خلال والده الذي كان يكنّ له احتراماً خاصاً ويرتبط معه بعلاقة اكبر من علاقة الولد بأبيه كما كان يشعر، فقد كان قدوة له باولى خطواته في دروب الحياة الوعرة، حتى اصبح بالنسبة له اباً ورفيقاً ومثلا اعلى، فضلا عن تعلقه الشديد بخاله “دلير”(6) الذي اعتبره مربياً ومعلماً له في اولى دروس النضال والتضحية من اجل الارض والحق.. فمن خلال هذين الشخصين القريبين منه استطاع ان يعي الكثير من الامور التي تخص حياته اولا ومن ثم حياة شعبه.. فكان يسمع من خاله دلير الكثير من قصص البطولة والنضال التي اتسم بها ابناء شعبه وما سطروه عبر كثير من الثورات والانتفاضات والملاحم في سبيل تحقيق كيانهم ونيل حريتهم وحقوقهم المشروعة، كما انه شاهد الكثير من الاحداث بهذا الخصوص عبر مشاركته بها، ولكن.. دائماً كانت الظروف القاهرة والايدي القذرة لها الدور الاكبر في الحول دون تحقيق الاماني والتطلعات..، رفع مام سالار نظارته البيضوية مجدداً ووضعها على عينيه ثم عاد للاسترخاء على اريكته الصوفية، فبدرت منه ضحكة خفيفة وهو ينظر الى الخيول المتسابقة عبر اللوحة حيث داعبت ذهنه مفارقة ملأت اشداقه غبطة، فولادة “ذيان” والتي كانت تمثل له الامل والحياة كانت مع ولادة ثورة جديدة لشعبه مثّلت لهم ايضا الامل والحياة.. وأختفت “ذيان” من حياته الى الأبد تاركة وراءها ذكرى طيبة تؤجج فيه مشاعر الامل والحياة.. فكلتاهما اصبحتا مجرد ذكريات…
لم تطل به لحظات تأمله اذ سرعان ما شعر بيد ناعمة تمتد من خلفه وتحيط بعينيه وصوت رخيم يتدفق في اذنيه بعذوبة، امسك باليدين الصغيرتين ورفعهما برفق من على عينيه وردد بصوت منخفض وهو يلتفت برأسه الى الوراء قائلاً.. – صغيرتي ذيان..
كانت فتاة مفعمة بالحيوية لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها تفيض فرحاً وتشع سروراً, طغى على ملامحها الجميلة والصافية، ترعرعت في كنفه حتى اصبحت فلذة من كبده، وكيف لا وهي ابنة وحيده الراحل “هه لو”(7) الذي اورث اباه مملكته الخاصة، لكنه لم يترك مام سالار وحده بعد رحيله الابدي حين سقط صريعا في سبيل الارض وامتزجت دماؤه بدماء القافلة من صفوة أقرانه وأبناء جلدته ، بعد أن سار على خطى أبيه واسلافه ، فخلف ثلاثة من الأبناء لمام سالار: زيرك، ضيا، آزاد(8) .. الى جانب ذيان البنت الوحيدة والصغرى لـ(هه لو) فكان على مام سالار طيلة العقد الأخير من حياته مسؤولية القيام بدور الأب والجد معاً، وحتى دور الأم التي تخلت عنه (روناك)(9) ارملة ابنه حين آثرت الزواج لترحل بعيداً عنهم حتى لم تعد ترى ابناءها الا بين الفينة والأخرى ..، التفت ذيان حول مقعد جدها وهي تردد بمرح قائلة..
– لقد سمعتك تتمتم باسمي قبل لحظات فهل من خطب يا مام سالار.. كانت قد اعتادت أن تناديه بأسمه رغم أنه جدها، وكذلك بقية اخوتها وكل من كان يعرف مام سالار..
ابتسم بوجهها وهو يجذبها من يديها برفق مجيباً بنوع من المزاح.. – لست أنت المقصودة يا شقية ..
فجلست على ركبتيه بعد أن اعتدل في جلسته وتساءلت بدهشة مشوبة بلهفة واضحة.. – اذن من هي المقصودة يا ترى!؟
– انها قصة قديمة طواها الدهر.. (أجاب وهو يداعب خصلات شعرها الأشقر والذي يبدو للوهلة الأولى طبيعياً ثم تابع حديثه قائلاً).. لا عليك من هذا وأخبريني أولاً أين كنت منذ الصباح.؟ ثم أولم أحذرك من الخروج وحدك..
نهضت من مكانها على عجل وسارت بضع خطوات عنه ثم أجابت دون أن تلتفت نحوه بوجهها خشية اثارته بكلماتها – كنت بصحبة أخي آزاد ..لقد خرجنا سوية لأحد نوادي الحاسوب.. (ثم تتابع بحرج اكثر).. وأنت تعلم يامام سالار شغفي بمثل هذه الأمور.. (تستدير نحوه بابتسامة بريئة ترتسم على شفتيها وتتابع قائلة).. ثم أننا قد خرجنا مبكرين هذا الصباح ولم نود ايقاظك من نومك خشية ازعاجك ..
– وأين أخوك آزاد الآن.. (ردد هذه الكلمات محاولاً اخفاء انزعاجه وهو ينهض من مكانه ويتجه نحوها ثم يتابع).. أنني لا أراه برفقتك الآن ..
تبعد وجهها المحمرّ بعيداً عن نظراته الحادة وتقول متلعثمة – انه ..انه ..(تبلع ريقها ثم تتشجع قائلة).. لربما يكون الآن بصحبة أحد اصدقائه…
عندها تثور ثورته فيردد بعصبية واضحة قائلاً – وكيف يتركك وحدك .. ماذا تتصورون ..أين نعيش ..هل نسيتم ما ربيتكم عليه.. (ثم يقترب منها بهدوء فيدير وجهها نحوه برفق وينظر بعينيها الخائفتين فيحاول تخفيف حدة لهجته بعد أن رأى الخوف في عينيها ليتابع حديثه قائلاً).. أبنتي الحبيبة أنت تعلمين أنني قمت بتربيتكم وتعبت في سبيل ذلك لكي تشعروا وكأنكم في وطنكم .. على عادات ألفناها منذ ايام اجدادي واجدادك لتبقي أنت وأخوتك على تواصل دائم مع جذوركم وأصولكم .. ولكي لا تشعروا يوماً بالضياع في هذه المدينة أو سواها والتي هي جميعاً تمثل أرض الغربة لي ولكم .. لذا لا أود أن تشعروا يوماً بأني قسوت عليكم في معاملتي أو في أي شيء آخر ، وستعلمون حين تبلغون مبلغاً من العمر والوعي والأدراك بأني كنت دوماً أبغي..
ثم تقترب منه ذيان أكثر وتحاول أن ترسم ابتسامة جديدة على شفتيها لتطبع قبلة خفيفة على خده وتردد بسرعة: – أعلم كل ما قلته يامام سالار كما أعلم أنني أحبك أكثر من أي شيء في هذا العالم لذا سأسعى دوماً ألاّ ازعجك مرة اخرى..
فيمسكها من حلمة اذنها برفق ويردد بصوت هادىء: – نعم أخدعيني بهذه القبلة والكلام الذي لا جدوى منه.. على العموم سأغض النظر عن هذه المرة .. (ثم يضع يده على رأسه ويمسح على صلعته ويتابع قائلاً).. ولكن اياك و..
فتقاطعه بسرعة وتقول: – لم تخبرني يا مام سالار.. من تكون ذيان هذه وما حكايتها.؟
يمسكها من كتفيها ويسحبها بقوة ثم يدير ظهرها نحوه ليدفعها الى الأمام بحذر وهو يردد بسخرية قائلا : – أذهبي أولاً وأعدي لي فنجاناً من الشاي من يديك الجميلتين.
– حاضر يامام سالار.. (تردد بمرح وهي تؤدي حركة أشبه بتحية عسكرية و تمضي مسرعة نحو باب الغرفة ثم تتوقف فجأة وتلتفت نحو مام سالار قائلة).. ولكننا لم نتفق.!!
– على أي شيء.؟ يتساءل بدهشة مصطنعة..
فتقول – هل ستحدثني عن تلك القصة القديمة.؟
– هذا اذا اعجبني مذاق الشاي وبعدها سوف أقرر.
تهز رأسها في حركة طفولية وتمضي ضاحكة فيبتسم مام سالار وهو يراقب خطواتها حتى خرجت من باب الغرفة..
– عنيدة مثل المرحوم أبيها.. (يتمتم مام سالار مع نفسه).. ولكنها صغيرة على مدينة أوربية كهذه .. اللعنة على أمها روناك فلو لم تبتعد عن أولادها ورضيت بقسمتها لكان حالهم افضل.. (يعود الى أريكته الصوفية ليسترخي عليها متابعاً تمتمته).. لست أدري هل أبيحها العذر؟! فقد كانت أنذاك ما تزال امرأة شابة وبحاجة الى …
حاول أن يبعد هذه الأفكار عن ذهنه والتي تزيده حزناً وألماً ، ثم مد يده نحو علبة سجائره ولكنها كانت فارغة تماماً، شعر بالضجر وهو يلقي بالعلبة الفارغة على الطاولة الصغيرة أمامه ثم يمسح على وجهه بكلتا كفيه وهو يسحب نفساً عميقاً محاولا الاسترخاء اكثر في مكانه .. دقائق مرت سريعة حتى عادت الصغيرة ذيان حاملة بين يديها صينية الشاي الصغيرة لتضعها على الطاولة امامه وتجلس في مقعد قريب منه وهي تردد..
– لقد نسيت أن أخبرك عن الفاكس الذي أرسله أخي ضيا من كوردستان .. (فينتفض في جلسته وهو يصغي لكلماتها بانتباه شديد دون أن يحاول مقاطعتها وهي تتابع).. لقد ذكر فيه أنه ورفاقه ما زالوا بخير وأشياء أخرى لم أفهمها ..
– ناوليني الفاكس بسرعة ..، يمد يده نحوها فتنهض من مكانها لتمد يدها في جيب بنطالها الخلفي لتخرج منه ورقة مطوية بعناية وتناولها إياه، يتلقفها منها على عجل ويفتحها بعد أن يعدل نظارته البيضوية على عينيه ليمرر بصره فوق كلماتها محاولاً استيعاب كل حرف منها، وفجأة يعصر الورقة بيديه بقوة تنتبه في أثرها ذيان التي كانت تقدم له فنجان الشاي وأذنيها تلتقط كلمات غير مفهومة يهمس بها مع نفسه ثم تنطلق من بين شفتيه عدة كلمات أخرى بصوت مسموع وهو يردد محاولاً ضبط نفسه قائلاً..
– اللعنة..اللعنة.. متى يأتي اليوم الذي أراهم فيه يداً واحدة.. (تنظر اليه بدهشة وتقول)
– تفضل الشاي يا مام سالار .. (يمد يده نحوها فيرتجف الفنجان بيده ليضعه على الطاولة الصغيرة امامه فتتابع ذيان قائلة).. ما الأمر هل هناك ما يزعجك في هذا الفاكس يا مام سالار.!!
(يرمقها بنظرة حائرة مشوبة بالأنزعاج ثم يقول وهو يجر حسرة طويلة) – ايه يا صغيرتي ذيان لن تفهمي في مثل هذه الأمور الآن و.. (فتقاطعه بسرعة قائلة) – جرب .. ربما استطيع أن أدرك بعضاً منها..
تردد ذلك وهي لا تكاد تستطيع إخفاء دهشتها من حديثه الذي بدا لها مبهماً بعض الشيء، فيهز رأسه ويبتسم محاولاً اعادة الهدوء الى نفسه ، فيمد يده نحو فنجان الشاي ويرتشف منه قليلاً ويردد قائلا..
– لقد شربت الشاي في اقداح معدنية حيناً من الزمن وكان كل شيء حولي من المعدن الرخيص حتى الأرض كانت مليئة بمعادن رخيصة تفتك بكل من يمشي عليها بعد أن كانت مروجاً خضر تشعرنا بالسلام والأستقرار.. وها أنا ذا أشرب الشاي في فناجين من الفخار الصيني.. والعالم من حولنا يمضي خطوات سريعة نحو الأمام ولكن الوضع هناك ما زال يماطل الزمن فالأحلام ما زالت احلاماً والأماني ما زالت رهينة الصراع.. (يعود لأرتشاف بعضاً من الشاي مرة أخرى وهو يراقب عيني ذيان التي تحاول بصعوبة استيعاب كلماته ثم يتابع قائلاً).. الم أخبرك بأنها أمور عسيرة الفهم و..
فتقاطعه وتردد بسرعة بديهية لم يتوقعها منها وهي تقول.. – ولكني أفهم أن السلام والأستقرار لا يتحققان الا بالتضحية .. ونبذ الخلافات والصراعات من أجل تحقيق ذلك والا فلِمَ سالت دماء أبي وآخرين امثاله الا من اجل ذلك الهدف ..
(يبتسم مام سالار بوجهها ويقول متفاخراً) – ليتهم يسمعون ما أسمع.. (ثم يمد يده نحو صندوق البلوط الموضوع في مكانه على طاولة قريبة فيخرج منه العقد الفضي ويدفعه الى يد ذيان ويتابع قائلاً).. لطالما احتفظت بهذا العقد لأنه قريب الى نفسي كثيراً وأجد من المناسب الآن أن أقدمه هدية لك شريطة أن تحافظي عليه مثلما تحافظين على عينيك..
تقلب العقد القديم بيديها الناعمتين وتنظر اليه بدهشة وقد ارتسمت علامات السرور على وجهها ثم تقول – أنه قديم جداً ولكنه جميل أيضاً .. (ترفع رأسها وتنظر اليه متسائلة).. من أين حصلت عليه يا مام سالار.؟
تلتمع عيناه وهو يرسم ابتسامة خفيفة على شفتيه قائلاً – أنه ذكرى عزيزة جداً على قلبي.. وله علاقة بالقصة القديمة التي تلحّين عليَّ كي أسردها لك ..
– وهل ستقصها علي الآن .. (تضع العقد على صدرها كأنها تجربه، فيرد بنوع من السخرية قائلاً) – لقد كان الشاي لذيذاً حقاً .. لذا تستحقين سماعها ..
وقبل ان يبدأ بسرد قصة العقد يقاطعه جرس الهاتف النقال المتدلي من جانب بنطالها الضيق ، فتسحبه بانزعاج لتضغط على أحد أزراره ثم تعيده مكانه وترفع عينيها نحو مام سالار وهي ترسم ابتسامة هادئة توردت لها وجنتيها وتردد بشيء من الفكاهة.. – الخط مشغول الآن.. لا إزعاج.. ولا مقاطعة.. تفضل يا مام سالار بالحديث فالخط مفتوح لك..
فيضحك مام سالار بملء فيه على تصرفها الطفولي حتى كادت أسنانه الأمامية تهتز من مكانها فيضع يده على فمه ثم يهز رأسه محاولاً إخفاء بقايا ضحكته ليبدأ بسرد القصة…

الحواشي

1- مام سالار: لفظة مام تعني في اللغة الكوردية (العم) أما سالار فهو أسم كوردي شائع ويعني قائد، رئيس، والي، مهيب، وقد وجدنا أن نستعمل لفظة مام لخصوصيتها وشيوع استعمالها ، حتى أن الكثير من أبناء الشعوب الأخرى يستخدمونها حين ينادون شخصاً من أبناء الشعب الكوردي.
2- اتفاقية آذار: اتفاقية أبرمت عام 1970 بين القيادة الكوردية التي كان يتزعمها القائد التاريخي لحركة التحرر الوطنية الكوردية المعاصرة الملا مصطفى البارزاني ، من جهة ، وبين سلطات النظام العراقي أبان عهد الرئيس البكر حيث اعطت للكورد حكماً ذاتياً ضمن الدولة العراقية.
3- اتفاقية اخرى: والمقصود بها اتفاقية الجزائر المشؤومة التي ابرمت عام 1975 في الجزائر بين بغداد وطهران على حساب مصلحة الشعب الكوردي حيث انهارت في أثرها اتفاقية آذار 1970 ونقضت بنودها ومبادئها من قبل نظام البعث في بغداد.
4- فاجعة حلبجة الشهيدة: حلبجة هي مدينة كوردية تم تدميرها بالأسلحة الكيمياوية من قبل النظام العفلقي وذلك عام 1988 حيث استشهد فيها اكثر من خمسة الآف مواطن كوردي اعزل من نساء وأطفال وشيوخ في مجزرة هزّت الضمير الإنساني.
5- عمليات التطهير العرقي: هي العمليات التي أطلق عليها النظام العفلقي أسم عمليات الانفال حيث اعتقل اكثر من 182 ألف مواطن عراقي كوردي بلا ذنب ارتكبوه ، ويذكر أن الآلاف من هؤلاء كانوا قد اعدموا ، وما زال مصير الكثير منهم مجهولاً.
6- دلير: أسم كوردي شائع ويعني شجاع, جسور, جريء.
7- هه لو: باللام الأعجمية الثقيلة ويعني (العُقاب) باللغة الكوردية.
8- زيرك، ضيا، آزاد: أسماء كوردية شائعة ، زيرك بمعنى ذكي ، ضيا بالجيم الأعجمية بمعنى جبل أو طود ، أما آزاد فيعني حر،طليق.
9- روناك: اسم كوردي شائع يطلق عادة على الأناث ويعني مضيء ، لامع.