الرئيسية » مقالات » قافلة بلا طريق

قافلة بلا طريق

من شارع الرشيد في العاصمة بغداد، بدأ الاصدقاء الثلاثة في الترتيب للهرب من البلاد بأسرها.. لم تكن لتجمعهم فكرة واضحة، ولاخطة محكمة للطريق الذي اختاروه.. بل قاموا بتجهيز الامور الشكلية فحسب للمغامرة التي سيقدمون عليها، فالويل كل الويل اذا فشلوا في الهرب، فهناك من يتربص بكل من يبغي الهرب طلبا للنجاة وبحثا عن الحرية، المال.. رغم شحته بين ايديهم لمغامرة كهذه، الا انهم تصوروا انه سيكفيهم ويسد احتياجاتهم الضرورية، كما اصطحبوا معهم ملابسهم الثقيلة… حيث ان الطريق سيمر عبر ثلوج كوردستان العراق ومنها الى تركيا، فأوربا.. حيث غايتهم وهدفهم، بدا كل شيء هينا وسهلا بالنسبة لهم، فكل منهم يريد الهرب والخلاص من وطن يحتضر… اما كيف… ومتى؟؟ فهذا ما لم يفكروا فيه مطلقا..
الأول كان كاتبا مغمورا ، يكتب سيناريوهات ومسرحيات رخيصة لم يكن يجد فيها أية قيمة فنية, الثاني يملك معملا صغيرا لصناعة الأحذية لم يجن منه سوى صيت الغنى والحقيقة ان الأسواق كانت في مد وجزر فما تربحه اليوم تخسره غدا, أما الثالث فقد كان جنديا هاربا من الخدمة العسكرية يتخفى دوما عن عيون رجال الأنضباط العسكري ورجال الشرطة وحتى رجال المرور فكان يتمنى الهرب حتى ولو الى جزر القمر فكيف بأوربا, فكل منهم كان يحاول الهرب لغاية في نفسه وهدف معين… لم يطيلوا المكوث في شارع الدواسة بمدينة الموصل بعد ان استطاعوا العثور على صديق قديم يعمل في مطعم صغير بذلك الشارع, كانوا واثقين من مساعدته لهم, وبعد يومين من الأنتظار احضر لهم الصديق الموصلي مهربا محترفا تكفل بنقلهم الى تركيا عبر كوردستان الاّ ان المبلغ الذي طلبه كان مبالغا فيه فقرروا التوجه وحدهم الى مدينة اربيل التي تقع ضمن حدود رجال (البيشمركه) الذين يسيطرون على مساحات شاسعة من كوردستان العراق وقبل ان تغرب الشمس كان صديقهم الموصلي قد نقلهم بسيارة اجرة الى اطراف حي الكرامة في ضواحي مدينة الموصل حيث اشار عليهم بالذهاب مشيا على الأقدام الى قضاء قرقوش ومنه يتابعون مسيرهم حتى يصلوا حدود مدينة اربيل فهذا الطريق آمن نوعا ما بالنسبة لهم وبعيد عن عيون رجال السلطة شريطة عدم اهمال الحيطة والحذر… وصلوا منهكين الى قرقوش بعد ان قطعوا الطريق اليها خلال ساعات ثلاث او يزيد مروا خلالها بحقول ومزارع كثيرة كان اصحابها يرشدونهم نحو الطريق الصحيح بعد ان ادعوا بأنّ لديهم سيارة قد سرقت وهم يتتبعون هذا الطريق خشية ان يهربها اللصوص الى كوردستان, كان الظلام قد حل تدريجيا على مدينة قرقوش الصغيرة التي تقطنها غالبية مسيحية فكان واضحا عليهم حين دخلوا سوقها المتواضع بأنهم غرباء عن المدينة… بعد وجبة طعام سريعة في احد مطاعم المدينة, انهكهم البحث عن مأوى يقضون فيه ليلتهم حيث ان المدينة تخلو من أي فندق او نزل للغرباء لذا اضطروا للجوء الى غرفة صغيرة في اطراف المدينة شيدت فوق مضخة لبئر من الماء, كانت الغرفة قذرة جدا ولكن برودة المكان شغلتهم عن قذارته فالشبابيك كلها مخلوعة والهواء البارد يتسلل اليهم من كل صوب امّا الظلام فقد أطبق عليهم الاّ شعاع من الضوء هنا وهناك انبعث من قمر لم يكتمل… لم تكن لديهم الجرأة على اشعال نار تدفع عنهم بعض البرودة خشية انكشاف امرهم وما زاد من قلقهم اضواء السيارات التي تمر بقرب منهم بين الحين والآخر، يحسبونها دوريات للشرطة او ما شابه ذلك.. جمدت اوصالهم مع انتصاف الليل من شدة البرد حتى لم يستطيعوا النوم مطلقا فشكلوا دائرة صغيرة بتراصف اجسادهم المرتعشة وحتى رؤوسهم ثم اشعلوا بعض الأوراق والعيدان اليابسة التي استطاعوا الحصول عليها من المكان غير عابئين لما يمكن ان يحدث, ورغم الحرارة القليلة المنبعثة من النار الصغيرة الا انهم شعروا ببعض الدفء يتسلل الى أوصالهم المتجمدة.. أحرقوا كل ما طالته ايديهم من اوراق خبأوها في جيبوهم بل حتى جيبوهم مزّقوها واشعلوها ليطيلوا من أمد النار التي لم تقاوم رطوبة الجو ولا برودته القاسية الاّ الساعة وربما اقل.. انتهى أول صراع لهم في رحلتهم هذه مع بزوغ أول خيوط للفجر حيث اطلقوا سيقانهم للريح في محاولة ناجحة لتدفئة اجسادهم المجمدة ولم يعبأوا بالسيارات المارة عبر الطريق الترابي الوعر الذي يقطعونه والتي اكتشفوا بانها سيارات مهربي الوقود متجهة ذات وجهتهم.. قطعوا مسافة طويلة حتى استقرت حرارة اجسادهم، وبين الحين والاخر يميلون الى احدى المزارع والحقول التي في طريقهم بل وحتى للاستفسار كي لا يضلوا طريقهم فتذهب جهودهم سدى فكانت نظرات الشك والريبة تطاردهم من عيون الفلاحين حتى ان احدهم وكان شيخا كبيرا يبدو عليه الوقار سألهم عن السبب الحقيقي لاتخاذهم هذا الطريق حيث لم يقتنع ابدا بحكاية السيارة المسروقة، كما وعدهم بالمساعدة قدر استطاعته ان هم صارحوه بالحقيقة، وبعد راحة قصيرة قدم لهم خلالها عددا من أرغفة الخبز سدّت من رمقهم, لم يجدوا مانعا من اخباره بنيتهم فلم يبد استغرابا بل أشار الى اعمدة الضغط العالي التي تقطع المنطقة وتمر على مقربة منهم ناصحا اياهم بعدم الابتعاد عنها في طريقهم لانها تتجه مباشرة نحو مدينة اربيل.
كانت المساحات تمتد امامهم وتتسع في انظارهم دائرة الفراغ كلما قطعوا مسافة جديدة، فعملوا بنصائح الشيخ الوقور واتخذوها دليلا لهم.. ومن بعيد ابصروا سيارة شحن عسكرية تسير في طريق ترابي وعر متجهة نحو الطريق العام الذي كان يبعد عنهم اكثر من ميلين، وهي مسافة كافية لتجنب نقاط التفتيش العسكرية المنصوبة على طول الطريق المؤدي الى مدينة اربيل، والتي لولاها لما تحملوا مشقة الطريق، فالسلطات كانت قد قطعت كل الطرق المؤدية الى المدن المحررة من كوردستان كما حاصرتها اقتصاديا، فمنعت نقل البضائع باختلاف انواعها والمحاصيل الزراعية وحتى الوقود ما شجع حركة التهريب التي كانت تدر ارباحا طائلة على رؤوس السلطة ذاتها.. انبطحوا ارضا مع اقتراب الشاحنة العسكرية ومرورها من مسافة قريبة منهم دون ان يراهم احد من ركابها او هكذا ظنوا.. حيث استمرت في سيرها البطيء مبتعدة عنهم ليستأنفوا هم ايضا طريقهم، ومع تجاوز الشمس منتصف النهار كانوا قد وصلوا عند جرف نهر يسمى الخازر.. كانت مياهه غير عميقة بحيث استطاعوا اجتيازه بسهولة حينما فوجئوا بمجموعة من الشباب يقتربون من الضفة المقابلة ويبدو انهم من احدى القرى القريبة.. لم يقتنع هؤلاء الشبان أيضا بحكاية السيارة المسروقة ولكنهم أيضا لم يلحوا بالسؤال خصوصا وأن أحدهم تنبأ بكونهم من معارضي السلطة وما اتخاذهم لهذا الطريق الا دليل على صدق توقعه بل ذهب الى أكثر من ذلك في كونهم قد نفذوا عملا ضد السلطة وهم في طريقهم الان للعودة الى كوردستان.. لم تفلح محاولاتهم في اقناع هؤلاء الشبان بخطأ توقعاتهم وما ذهبوا اليه الاّ انهم على كل حال اطمئنوا اليهم بعد ان تبين لهم حسن نيتهم خصوصا بعد ان أظهر الشبان سخطهم على السلطة القائمة، بعدها قام احدهم بجلب بعض الطعام الذي كانوا بحاجة اليه فعلا. وبعد راحة قصيرة وأحاديث مختصرة مع اولئك الشبان استأنفوا مسيرهم بعد ان نبهوهم الى وجود عدد من سيارات الدورية الخاصة برجال شرطة الكمارك في الجوار، كما توقعوا لهم الوصول الى مشارف مدينة اربيل مع حلول الظلام… وماهي الاّ مسافة قصيرة قطعوها حتى سمعوا هدير محركات قريب منهم لكنهم لم يستطيعوا تحديد الجهة التي يصدر منها الصوت فاستمروا في طريقهم عبر مسالك وعرة بين تلال منخفضة متجنبين الاقتراب من الطرق الترابية التي يمكن للسيارات قطعها، وفي الوقت ذاته كانوا يحاولون عدم الابتعاد عن اعمدة الضغط العالي لكي يطمئنوا لمسارهم الصحيح… لم يتوقعوا وهم يهمون صعود تل أشبه بسد ترابي انهم يتقدمون نحو طريق ترابي ما أن وصلوا اليه حتى فوجئوا بعودة اصوات المحركات الى هديرها الذي كان قد اختفى عن اسماعهم، التفتوا نحو أبعد نقطة من الطريق الترابي الذي يبعد اكثر من نصف ميل فصعقوا لتقدم عدد من سيارات الكمارك وهي تسير مسرعة نحوهم، وبدون أية وهلة للتفكير هبطوا نحو الجهة الاخرى بأقصى سرعتهم في محاولة للابتعاد عن الطريق والاختفاء عن انظار رجال الكمارك والذين من المؤكد انهم لمحوهم.. توغلوا راكضين بين الشقوق والدهاليز الصخرية القريبة وهم مشتتو الذهن ومرهقو الأعصاب.. أكثر من نصف ساعة وهم يهرولون على شكل رتل أو قافلة صغيرة في الطريق الوعر الذي سلكوه.. وبعد دقائق قصيرة التقطوا انفاسهم المتقطعة آثروا متابعة طريقهم بحذر مبتعدين عن أي طريق ترابي آخر يصادفهم بل وحتى القرى التي يمرون بها حفاظا على الحيطة والحذر..
كانت نسمات الهواء البارد تخفف عنهم شدة التعب والارهاق الذي أصابهم.. والأحلام الجميلة مازالت تداعب أذهانهم في الوصول الى أوربا و.. فهاهم يخطون الخطوة الأولى.. على امتداد البصر شاهدوا سيارة حمل صغيرة متوقفة تأكد لهم انها تعود لأحد مهربي الوقود حين لمحوا عددا من البراميل المعدنية في حوض السيارة الخلفي.. كانت تبدو عاطلة حين اقتربوا من صاحبها الذي بدا مشغولا في اصلاح خلل ما طرأ عليها، توقفوا عنده دقائق معدودة اعطاهم خلالها عددا من السجائر التي كانت قد نفدت منهم، وبعد أن علم بوجهتهم نصحهم أن ينتظروا على مقربة من نهر الكلك ريثما يحل الظلام ثم يقومون بالهرب من الجسر القريب والذي وصف لهم موقعه باتجاه نقطة التفتيش العائدة لرجال (البيشمركه) على الضفة الأخرى من النهر، كما انّ الوحدة العسكرية القريبة من الجسر سيكون جنودها في سبات عميق مع حلول الليل بجوه البارد، أمّا عن محاولة عبور النهر سباحة فانها محاولة محفوفة بالمخاطر لأنّ النهر عميق وتياره شديد ولن يستطيعوا قطعه بقواهم الخائرة أثر الطريق الطويل الذي قطعوه مشيا… نفذوا كل ما أوصاهم به حرفيا فما أن وصلوا على مقربة من النهر حتى ركنوا الى تلة قريبة لالتقاط أنفاسهم، لم تبق أكثر من ساعة على غروب الشمس.. بعد دقائق من وصولهم صعد أحدهم زحفا الى أعلى التل ليطلع على المنطقة، فتبين له عدم وجود أية نقطة تفتيش عسكرية قرب الجسر أمّا مواقع رجال (البيشمركه) فقد استقرت على الجانب الاخر من النهر… كما لم يستطع رؤية أية وحدة عسكرية قريبة مما زاد من اطمئنانه واصدقائه.. ثم آثروا الدخول في شق أرضي قريب منهم كان يمتد منحدرا نحو الاسفل حتى عمق ثلاثة أمتار تقريبا وبعرض أقل من المتر بقليل.. وجدوه مناسبا للاختباء حتى حلول الظلام، فلم تمض أقل من ساعة على مكوثهم حتى مر بالقرب منهم قطيع أبقار يسوقه صبي في العاشرة من عمره، ولسوء حظهم ان الصبي كان معتادا على عبور الشق في كل مرة يمر بها مع قطيعه من هذه المنطقة وما أن عبر الشق حتى انتبه الى وجودهم لتنطلق منه صرخة فزع مدوية ولى في اثرها هاربا، فخرجوا مسرعين للحاق به وليخففوا من فزعه، الاّ انه كان سريعا جدا بحيث لم يعثروا عليه، فالمنطقة كثيرة التلول والدروب الوعرة، لكنهم شاهدوا راعيا ثانيا في طرف القطيع الآخر بدا اكثر جرأة وهو يقترب منهم، كان فتى في الخامسة عشر أو يزيد، وبعد حديث قصير اطمأن لهم واكد لهم بأن اخاه فزع من رؤيتهم داخل الشق ولا يمكن لومه لأنه صغير السن ولربما قد وصل الان الى القرية، كما اكد لهم بأنه لاضير من وجودهم وأن يطمئنوا حيث لن يسبب لهم أية مشكلات، وما هي الاخطوات قليلة قطعوها نحو الشق حتى اشتعلت النيران من حولهم واهتزت الأرض تحت أقدامهم، التفتوا نحو مصدر النيران فشاهدوا عددا من سيارات الحمل الصغيرة والتي تعود لأهالي القرية فوق سد ترابي قريب منهم وعددا من الرجال يصوبون بنادقهم ويطلقون نيرانها عشوائيا.. عندها تشتتوا وهم يهرولون في اتجاهات مختلفة للاحتماء بالصخور القريبة التي كانت تفصلهم عن كوردستان .