الرئيسية » التاريخ » طريقة كتابة التاريخ عند المؤرخين الكورد

طريقة كتابة التاريخ عند المؤرخين الكورد

صدر كتاب (مؤرخون مناضلون اكراد) تأليف المرحوم عثمان سيد قادر ترجمة الاستاذ الدكتور عبدالرزاق مطلك الفهد ان هذا الكتاب يسلط الضوء على المؤرخين الكورد الذين اشتركوا في النضال المسلح والى جانب البيشمركة حتى اصبحوا مقاتلين من طراز اخر.
وهو كتابة تاريخ الكورد وكوردستان ويقول احمد تقي في مذكراته عن تاريخ حقبة الشيخ محمود ومقاومته للانكليز وهو الذي كان يؤيد فكرة الوقوف ضد الانكليز يقول ان التاريخ الحقيقي ولترجمتها((هي التي تتناول الامة وشؤونها التي من المؤكد انها تبرز في اعمالهم ولهذا فاننا كمؤرخين نركز على الحوادث والتطورات)).
ان التاريخ بحد ذاته هو ان يحصل الجيل الجديد على معرفة من الاسلاف ويقدمها الى جيل جديد آخر، وان الطغاة والحكام لايمكن ان يعيروا التاريخ أهميته ، بل ويجب ان يكتب التاريخ صحيحا وان يكون المؤرخ محايداَ ولنا في التاريخ امثلة عديدة وخير مثال على ذلك نابليون عندما قتل احد ضباطه سأل نابليون جنوده ماذا كانت كلمات هذا الضابط الاخيرة فاجيب انه لم يقل شيئاَ بسبب جرحه الكبير المؤلم فأمر نابليون ان يكتب اخر كلماته التي قالها كانت ((العمر المديد للقائد نابليون)) لقد استطاع ان يجبر سكرتيره على كتابة هذه الكلمات ولكن هذه الكلمات لم تسجل بالتاريخ. كذلك الحال مع (ميرابو) المشهور بخطيب الثورة الفرنسية ولكن ظهر بان الملك الفرنسي لويس السادس عشر كان قد اشتراه منذ عام1790 وحين عرف الفرنسيون ذلك فقد اسرع الالاف الى مقبرة (بانتيون) وحضروا قبر ميرابو واخرجوا جثته واحرقوها ثم اخذوا رماد الجثة الى مقبرة خاصة للصوص والخارجين عن القانون في سانت مارسوس ودفنوها فيها. وكذلك الحال بالنسبة الى تاليران الذي اخذ يغير مواقفه بحسب تغير الظروف والاحداث التي تجري في فرنسا وهو يحاول ان يحقق اغراضه الشخصية وتحقيق مصالحه الضيقة فيغير مع تغير الظروف. ولهذا هناك من يقول بان التاريخ هو المرآة الواضحة للزمن لذا فان واجب التاريخ هو عرض الاعمال الحقيقية والاحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهذه تتم عبر اقلام المؤرخين.
اما بخصوص المترجم لهذا الكتاب فانه يقول: ((لقد عشت مع كفاح مرير خاضه الكورد منذ نهاية القرن التاسع عشر كان القسم الاكبر منهم يدخل في معركة وما ان تفشل حتى يدخل اخرى بالعزيمة والاصرار نفسها ، ويلاحظ ان عدداَ كبيراَ من المحاولات فشلت كما تعرضت الحركة الكوردية وعناصرها لعملية استغلال من قبل بعض الحكومات او القوات المتحاربة بعد اعطاء وعود دون ان تنفذ وكأنما كتبت على الحركة الوطنية الكوردية ان تقضي ردحا طويلا من الزمن في كفاح يصطدم بجدران متينة من الغدر وعدم الوفاء وبعيداَ عن المصداقية. امام هذا النضال الطويل لايسع المرء الا ان يقف اجلالا واكبارا لامة قدمت الضحايا وباستمرار من اجل تحقيق مستقبلها وتطلعها نحو الحرية والاستقلال ومن البديهي فان هذا النضال سيحقق النصر حتما وبهمة المناضلين الكورد وتعاون الانسانية معهم وقبل ذلك كله بعون الله سبحانه وتعالى)).
يقول عبد الرقيب يوسف لعب الشعب الكوردي دورا مهما لبنائه ورسوخه في ميداني الحكم والقلم والسيف . نعم لعب دورا مهما في الادوار التاريخية تارة ضمن الامبراطوريات الموجودة انذاك واخرى ضمن الحكومات الاسلامية بعد ظهور الاسلام الى عالم الوجود. وان المثقفين الكورد لم يكونوا بعيدين عن الاحداث وان كثيراَ منهم قاموا بتسجيل عديد من الحوادث التاريخية. وان الذين الفوا في التاريخ الكوردي قليل لايتجاوزون على عدد اصابع اليدين وأقدمهم ((احمد بن يوسف بن علي بن الازرق الفارقي، وابن المستوفي احمد بن المبارك الاربيلي، والامير شرفخان البدليسي، اما العلامة محمد امين زكي فقد برز في القرن العشرين واحيا التاريخ الكوردي وفتح امام المثقفين الكورد باب البحث والتأليف)).
ان كتابة تاريخ شعب لم يكن سهلاَ كما يقول عبد الرقيب يوسف وهو يوضح الصعوبات التي وقفت في طريقه عند تأليفه كتابه الموسوم بـ(الدولة الدوستكية في كوردستان الوسطى) قائلا: ((ولعمري انها مواضيع صعبة للغاية كلفني جهودا شاقة في البحث ومراجعة المصادر التاريخية، وجمع شذرات من هنا وهناك تتعلق بهذه المواضيع علما بان معظم تلك المعلومات قد وردت في تلك المصادر بصورة اعتراضية وبدون اية اشارة الى كونها من تاريخ الكورد وكوردستان ومع هذا فانها معلومات قليلة في نظري اكثر فلتوضيح الحالة الزراعية مثلا في كوردستان الوسطى قبل حوالي الف سنة نحتاج الى مصادر عديدة لتناول تلك الحقبة من التاريخ)).
وحول أهمية ما كتبه الملا محمود بايزيدي يقول (م.ب.ردينكو: استطيع القول بثقة ان الكورد مدينون الى ملا محمود بايزيدي بالكثير من ذلك حيث حفظ ثروتهم الثقافية من الادب الكوردي وكان الممكن ان يفقد جزء كبير من ادب الكورد في العصور الوسطى اذا لم يعمل كل من ملا محمود بايزيدي مع قنصل روسيا في ارضروم الاسكندر جاما لجمعها ومن ثم قيام بطبعها ونشرها.
وكان ملا محمود يفهم الحقائق ويدرك ان السلاطين العثمانيين يستهدفون استخدام الكورد وكوردستان كحاجز لسلطنتهم في الشرق الاوسط.وان ملا محمود بايزيدي اشار الى ذلك وهو يستشهد بالسلطان سليمان القانوني إذ يقول:السلطان عاد الى هنا الا يستطيع الجورجيون والكيزبيلاش من مهاجمة المنطقة ضد السلطان قال: لقد بنيت حائطاَ قوياَ بين الامبراطورية العثمانية والجورجيين والفرس. ان العدو لن يتمكن من القدرة على تحطيمه.
قالت الام: كيف تمكنت من بناء مثل هكذا جدارا قويا في وقت قصير؟
اجاب السلطان: امي لقد بنيت الجدار بلحم ودم ونصبت الكورد لحماية المنطقة لايستطيع العدو هزيمتهم والوصول الى الحكومة الاسلامية.
ويتطرق الباحث الى دور المؤرخ الكوردي الكبير محمد امين زكي الذي كتب والّف عدداَ من الكتب التاريخية وكما معروف عنه انه كان واحداَ من المؤرخين للتاريخ العسكري حيث الف عدة كتب عن المعارك التي خاضها الجيش العثماني في جبهات القتال والتي اشترك فيها هو بنفسه. وطبعها باللغة التركية في اسطنبول وبغداد ومن هذه الكتب:
1ـ الجيش العثماني، يتناول التاريخ العسكري منذ 1906 وحتى1921وقدمه للمكتبة العسكرية.
2ـ كيف فقدنا العراق.(باللغة التركية).
3ـ معركة العراق واخطاؤنا(باللغة التركية).
4ـ معركتي سلمان باك وبغداد(باللغة التركية).
5ـ الهجوم على الكوت وحصارها. باللغة التركية بجزئين وقدم المخطوطة الى المتحف البريطاني وحصل على شكر على ذلك.
واصبحت كتب محمد امين زكي مصادر للضباط العسكريين الاتراك لفترة طويلة.
وبعد ثورة تركيا الفتاة 1908 في تركيا ومن خلال ممارسات الاتراك المتعصبين لقوميتهم التركية وايمانهم بسياسة الطورانية دفعت هذه التصرفات بمحمد امين زكي الى طرح عدّة اسئلة على نفسه ومنها: ماهو اصل الكورد، وما هو تاريخهم ، ولم يحصل على اجوبة مقنعة لهذه الاسئلة التي طرحها.واخذ يزور المكتبات في اسطنبول وقرأ عشرات الكتب ودوّن انطباعاته واستنتاجاته قبل الحرب العالمية الاولى وعندما سافر الى اوربا زار المكتبات في المانيا وفرنسا وجمع معلومات ومصادر مهمة ساعده في ذلك المامه باللغة التركية والفرنسية والانكليزية والروسية وبعد ان كتب بحدود(200) صفحة عن تاريخ الكورد واصبحت جاهزة لدفعها للطبع ولكن هذه الصفحات ومع كتبه ومصادره تعرضت للضياع وفقدان ما جمعه خلال عشر سنوات فقد كل ما يملكه ، حصل ذلك عندما تعرضت المحلة التي كان يسكنها في اسطنبول لحريق ولم يعرف هذا المازق حتى عام 1929. وبعد هذه الحادثة اخذ يجمع المصادر مرة اخرى واصدر كتابه الاول الموسوم بـ(خلاصة تاريخ كورد وكوردستان) وفي الجزء الاول منه كتب عنه المستشرق السوفيتي باسيل نيكيتين المختص بالعلوم الكوردية قائلاَ((اعتقد ان خلاصة تاريخ كورد و كوردستان تكمل الشرفنامة)).
6ـ محاولتان ذهبتا عبثاَ(دوو تقالا ) باللغة الكوردية طبعها عام 1928في السليمانية وان هذا الكراس حول دعوة اعضاء المجلس للانعقاد واصبح فيما بعد مصدراَ اساسياَ لكثير من الحقائق غير المعروفة خلال عشرينيات القرن الماضي. ويعتبر هذا الكتاب بمثابة تقرير قدم للملك فيصل وبريطانيا ويطلب فيه الالتماس من الجهتين . وفي الكتاب تقرير وزير الخارجية البريطانية الى عصبة الامم حول الكيان السياسي لكوردستان وصلتها مع العراق.
اما المحاولة الثانية فهو يتعلق بطلب استخدام اللغة الكوردية في ولاية الموصل وخاصة المناطق الكوردية التي لاتسمح الدراسة فيها باللغة الكوردية وهي مدن التالية(دهوك ، عقرة، زاخو، سنجار، تلعفر). وطلب من الجهات المسؤولة بضرورة حل القضية الكوردية قبل ان تصبح مشكلة صعبة وينتج عنها عدم استقرار في المنطقة.ويقول((ان هناك قضايا واسئلة تحتاج اجابة، لان الاجراءات التي نفذتها الحكومة تظهر حرمان الكورد من حقوقهم في التحصيل العلمي واكتساب المعرفة وحقهم في الحرية وتقرير مصيرهم.
وفي رسالة بعثها الى الملك فيصل جاء فيها:
((انت تعرف بشكل مؤكد ان الدراسة في اللغة الكوردية هي احد مطالبنا الاربعة الى عصبة الامم وان الحكومة العراقية ودول الحلفاء وضعوا ضماناَ لتنفيذ ذلك ولكن بعد خمس سنوات لم نجد شيئاَ من ذلك قد تحقق.
اما العوامل التي دفع بالمورخ علي سيدو كوراني لكتابة تاريخ الكورد يقول: ((اني ارغب ان ادقق في الحقائق الواردة في الكتب المؤلفة من قبل البريطانيين والامريكان حول الكورد، ورغبت ان اسهم في ملأ الفجوات في التاريخ الاسلامي وجغرافية الشرق من اجل ان يصبح جيران الكورد على بينة من معرفة حقيقة الكورد. ويقول علاء الدين سجادي ((انا اتعجب لماذا ليس هناك من يؤدي مهمة تسجيل التاريخ الادبي لقد قررت ان اعمل ذلك بنفسي لكني على يقين ان رجلاَ بمفرده غير قادر على انجاز تلك المهمة لان انجاز هذه المهمة يحتاج الى فريق مهني او اكاديمية علمية. ولكن غياب مثل هكذا اكاديمية علمية يجب ان لاينفث في عضونا على اي واحد منا ان يشعر بالثقة بامكانية انجاز هذا العمل، لذا فاني بدأت العمل انا واثق من ان عملي سوف لن يكون نموذجياَ لانه اذا ما كتب حول تأريخ الادب الفارسي او العربي فانه سيكون منتهى السهولة بالنسبة لي لان هذه اللغات تتوفر فيها مصادر عديدة فقلت لنفسي انه اضافة الى العراقيل التي ذكرتها فان اللغة الكوردية فيها لهجتان رئيستان مختلفتان تفتقران الى المصادر الملائمة)).
التآخي