الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939الحلقة الرابعة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939الحلقة الرابعة

رسالة تقدمت بها الطالبة
كافي سلمان مراد الجادري
المبحــث الثــاني:
موقف سلطات الاحتلال البريطاني من القضية الكردية قبل تولي الامير فيصل عرش العراق
بدأ الاهتمام البريطاني بكردستان الجنوبية منذ الثلث الاول من القرن التاسع عشر , واتسع نشاط الوكلاء البريطانيين في مجال دراسة القدرات العسكرية للمنطقة وطرق المواصلات فيها، وعقدوا صلات مع الزعماء المحليين للكرد(1).ومن اشهر هؤلاء الكابتن (النقيب ) جون ماكدونالد (J . Macdonald kener) الوكيل السياسي لشركة الهند (2) الشرقية البريطانية الذي قام برحلات عدة بين عامي 1813 – 1814 الى اسيا الصغرى وارمينيا وكردستان, لدراسة تلك البلاد وتحديد طرق مواصلاتها.
ثم تبعه الضابط البريطاني وليم هيد (w.heed) عام 1817 برحلة أنطلق فيها من بغداد الى السليمانية عبر كفري ومنها الى اربيل ثم الموصل. ثم تبعتها رحلات اخرى كتب خلالها اولئك الرحالة والمبعوثين تقارير مهمة عن المنطقة واحوالها(3) . وقد عكس خطاب اللورد كيرزن وزير خارجية بريطانيا ، ومهندس السياسة الاستعمارية البريطانية في الهند والخليج العربي ، امام مجلس اللوردات البريطاني ، اهداف السياسة البريطانية من التغلغل البريطاني في المنطقة حينما اشار الى انه (( من الخطأ القول بان مصالحنا السياسية تنحصر في منطقة الخليج [العربي ] . ان تلك المصالح لا تنحصر في هذه المنطقة واكثر من ذلك انها لا تنحصر في المنطقة الممتدة بين البصرة وبغداد بل تمتد بعيدا الى الشمال من بغداد ))(4). وفي الحقيقه يمكن وصف هذا القول بمثابة اول اعتراف صريح لمسؤول بريطاني كبير حدد فيه اطماع البريطانيين في ولاية الموصل بما فيها كردستان الجنوبية ، وهو ما جعل البريطانيين يولون التغلغل بين الكرد في العراق اهمية كبيرة(5) . ويمكن ان نشير في هذا المجال الى تقارير (( المس بيل ))(1) التي مهدت الطريق لدخول البريطانيين الى العراق ومنها الى كردستان ، عند قيام الحرب العالمية الاولى(2). اخذ التغلغل الاستعماري بعدا جديدا مع انتقال الصراع الدولي من اجل مناطق النفوذ الى مرحلة الانفجار ، والصدام المباشر على الصعيد العالمي مع اندلاع نيران الحرب العالمية الاولى(3). وكان لكردستان بوصفها جزءا غنيا ومهما من الناحية الاستراتيجية موقعا خاصا في مخططات الدول الكبرى التي سعت الى تعزيز نفوذها في كردستان بغية الاستحواذ على خيراتها وفي مقدمتها النفط الذي شكل احد الدوافع الخفية الرئيسة في ذلك الصراع(4). ولم تكن كردستان بمعزل عن لظى الحرب التي دخلتها الاطراف المتحاربة، واصبحت اراضيها احدى ساحات الحرب الرئيسة التي تصارعت فيها الجيوش المتحاربة , الروسية، والبريطانية و العثمانية(5). ففي الوقت الذي كانت الجيوش البريطانية تواصل تقدمها في جنوب العراق ، كانت الجيوش الروسية تتقدم في شمال العراق في كردستان على ثلاث جبهات هي خانقين ، بنجوين ، وراوندوز(6)، واستجاب الزعماء الكرد لدعوات الجهاد التي اطلقتها الامبراطورية العثمانية(7). ومع اندحار القوات العثمانية نجح البريطانيون في السيطرة على مناطق واسعة في كردستان العراق . ففي كانون الاول عام 1917 احتلوا خانقين(1) . وفي الثامن والعشرين من نيسان 1918 سيطروا على كفري ، وفي اليوم التالي اي في التاسع والعشرين من نيسان دخلوا طوز خورماتو ، واخيرا احتلوا كركوك في السابع من ايار عام 1918(2) ، ثم وصلت قواتهم الى اطراف الموصل لاحتلالها(3)، الا ان هدنة مودروس اعلنت بين الامبراطورية العثمانية والحلفاء في عام 1918، فتوقفت القوات البريطانية عن التقدم لاحتلال الموصل(4).
اما السليمانية التي كان للعثمانيين نفوذ فعلي لهم فيها فانها ظلت بعيدة عن سيطرة القوات البريطانية بعد اعلان الهدنة(5) . لهذا وجدت بريطانيا ان من الضروري السعي لكسب ود الكرد في جنوب كردستان ، الذين بادروا الى تحرير مدنهم من الوجود العثماني , ووجهوا الدعوة لممثلي الادارة البريطانية للقدوم الى المناطق المحرره(6) . ترافق ذلك مع وعود بريطانيا بمنح الكرد بعض الحقوق, وتحسين مستواهم المعاشي وهذا ما دفع بعدد من زعماء القبائل الكردية التي عانت كثيرا من سياسة التعسف والاضطهاد التي مارسها العثمانيون الى الاتصال بالقوات البريطانية(7) . وتجدرالاشارة الى ان البريطانيين قد ابدوا منذ سنوات الحرب، وفي اعقابها مباشرة اهتماما متزايدا بما كان يجري في كردستان سواء في قسميها الشمالي اوالجنوبي.فقد ورد في تقريربريطاني اشارات متعدده الى وجود ((حركة سياسية)) مناوئه للاتراك في ديار بكر،تطالب باستقلال كردستان تحت ((الرعاية البريطانية)) واوصى التقرير بضرورة الاهتمام بهذه الحركة وتقديم الدعم لها((الرعاية البريطانية))(1). اسهم الموقف الكردي ، المناصر لبريطانيا في تسهيل الجهود البريطانية بشأن اعادة الامن والاستقرار الى المنطقة دون فرض ادارة عسكرية او مدنية بريطانية مباشرة بتكاليف باهضة(2). بادر الحاكم الملكي العام في بغداد الكولونيل اي تي ولسن(A.T.Wilson) بارسال الميجر نوئيل(3)( E.W.C.noel majer ) في منتصف تشرين الثاني عام 1918 لدراسة الوضع في السليمانية – والذي استقبل فيها بحفاوة – وابداء ملاحظاته(4) . وبعد التقائه بعدد من الشخصيات الكردية في المنطقة ، رفع تقريرا الى السلطات البريطانية في بغداد اقترح فيه اقامة ادارة محلية في السليمانية تحت الاشراف البريطاني واكد على ضرورة تصفية بقايا ممثلي الحكومة التركية من عسكريين وموظفين مدنيين واداريين من كردستان واخراجهم من المنطقة. وأكد في التقرير ايضا ضرورة تعديل الحدود الادارية لتشمل كردستان كل المناطق ذات الاغلبية الكردية وان تكون السليمانية المركز الاداري لولاية تشمل راوندوز ، عقرة ، اربيل ، كركوك ، كفري وخانقين المنطقة (5). وفي الواقع كان مستقبل العراق ولا سيما كردستان موضع اهتمام المسؤولين البريطانيين منذ ان وطأت بريطانيا بجيوشها ارض العراق . ومنذ ربيع عام 1919 كانت افكار عدد من المسؤولين البريطانيين قد تبلورت حول فكرة تأسيس دويلات او كيانات كردية مستقلة في كردستان الجنوبية ( كردستان العراق ) تتزعمها شخصيات كردية بارزة تحت اشراف البريطانيين(1). وكان معظم هؤلاء المسؤولين ( البريطانيين ) يعولون على قيام هذه الكيانات بدور العازل الذي يقف بوجه (( المد السوفييتي ( البلشفي)، الذي اصبح مصطفى كمال اتاتورك منجذبا اليه))(2). حسبما تشير وثيقة بريطانية ، قبل ان يدخل الاخير في مساومات محسوبة مع البريطانيين حققت جانبا كبيرا من مصالح الطرفين في منطقة الشرق الاوسط . وفي المؤتمر الذي عقد في دائرة الهند في لندن بتاريخ السادس من كانون الاول عام 1919، اتفق رأي المجتمعين من المسؤولين البريطانيين على قيام ادارة كردية في السليمانية تحت رعاية بريطانية ، وان يشكل مجلس يعالج شؤون المنطقة الواقعة بين الزابين ، في حين تقرر استثناء راوندوز لحين طلبها الانضمام الى ذلك المجلس(3).
احتلت القضية الكردية في مؤتمر سان ريمو في باريس الذي عقد بتاريخ الخامس والعشرين من نيسان عام 1920لتقرير نظام الانتداب على البلاد العربية حيزا مهما في مناقشات المؤتمر، وفي ذلك المؤتمر تم وضع العراق تحت وصاية الانتداب البريطاني التي كانت كردستان الجنوبية تابعة لها ، والتي لم يكن امرها قد حسم بعد(4). وبخصوص كردستان الجنوبية نصت المادة السادسة عشر من لائحة الانتداب على انه )) لا يوجد في هذا الانتداب ما يمنع سلطات الانتداب من تأسيس حكومة مستقلة اداريا في المقاطعات الكردية ))(5). وبادر المندوب السامي الى اصدار بيان يحدد التدابير التي تخص المناطق الكردية والتي تتضمن مراعاة رغبات سكان هذه المناطق . واقترح البيان تشكيل لواء فرعي من اقضية زاخو، عقره ، دهوك ، العمادية يكون مركزه دهوك, ويديره متصرف بريطاني يكون تابعا قضائيا وماليا لحكومة بغداد(6). في حين يشترك ضباط بريطانيون في ادارة اربيل ، كويسنجق، راوندوز ، على ان تراعى رغبات الاهالي في امر تعيين موظفي الحكومة , اما السليمانية فتعامل كمتصرفية يحكمها متصرف يعين من قبل المندوب السامي يعاونه مستشار بريطاني ويكون القائم مقام من البريطانيين ، ويحل محلهم تدريجيا موظفون كرد,في الوقت المناسب(1) . حظيت مقترحات المندوب السامي بموافقة الكرد في لوائي الموصل واربيل في حين رفض لواء السليمانية هذه المقترحات ، لذلك بقيت تحت الاشراف البريطاني المباشر يديره موظف بريطاني مسؤول امام المندوب السامي ، بينما صار لواء كركوك يدار من قبل متصرف من اهالي اللواء يحظى بثقة البريطانيين(2). بدات بريطانيا منذ عام 1920 تواجه مصاعب جمة في العراق ، لذلك بدأت تفكر في اعادة رسم سياستها في الشرق الاوسط ،وبضمنه العراق , ولهذا الغرض تم عقد مؤتمر القاهرة.
عقد المؤتمر في الثاني عشر من اذار عام 1921. برئاسة ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني واحتل الوضع في العراق حيزا كبيرا من جلسات المؤتمر لمناقشة شؤونه الداخلية ، واستقر الرأي على تشكيل حكومة عراقية وطنية الى جانب مناقشة تقليل النفقات العسكرية البريطانية في العراق(3) وبعد ثلاثة ايام تمت مناقشة القضية الكردية ومنذ البداية ساد اتجاهان في المؤتمر حول هذا الموضوع ، الاول دعا الى تشكيل دولة كردية مستقلة تشكل حزاما استراتيجيا يحمي العراق من اي عدوان عسكري قد تقوم به تركيا الكمالية في المستقبل (4).
اما الاتجاه الثاني والذي مال اليه تشرشل في نهاية المطاف وتم تنفيذه على ارض الواقع, فهو ان تبقى كرستان الجنوبية جزءا من الدولة العراقية المقترحة , على ان تقام فيه ادارة ذاتية كردية تخضع لاشراف بريطاني , او ان تدار كردستان مباشرة من جانب البريطانيين 5) . وشرع البريطانيون بترجمة خططهم بخصوص العراق , ولا سيما كردستان منذ الايام الاولى لتأسيس الدولة العراقية الجديدة .
التآخي