الرئيسية » مقالات » غزة فريسة الإرهاب.. وغياب سلطة العقل !!!

غزة فريسة الإرهاب.. وغياب سلطة العقل !!!

على شاطئ بحر غزة ، وخلود الزمن ، وقداسة المكان يحتضن الوطن غزة بجناحيه من غول المستوطنين والطفيليين ، من الجهلة وقطاع الطرق ، تتلوى أمواج البحر المصبوغة بدم الأبرياء والإحزان ، وتتعثر رمال البحر من هول الحصار والمجازر التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلى وما زال ، تبكى الأمواج والرمال كلما سطا فلسطيني بأعماله الشريرة على تراب الوطن ، وتاريخه ، ونهب ناسه ، وتراثه . الوطن يحرسك يا غزة من عيون الأعداء الخارجيين والداخليين ، ويصارع الغزاة منذ عصور ما قبل التاريخ بصمت ودون دروشة أو نفاق ، يعلم ما لم يعلمه الفقهاء من بني البشر لأنه قبلهم وبعدهم ، هكذا هي غزة منحوتة من الصخر ، هم زائلون وهى باقية في حضن الزمان والمكان ، تسجل على صفحاتها كل من داس ترابها ، وبحرها ، وسمائها ، أو حاول أن يتاجر بالوطن ، أو يساوم عليه ، وتوثق تاريخها المشرق ، ودور قادتها وجماهيرها صانعة التاريخ والحضارة والتطور ، وثوراتها الاجتماعية ، وانتفاضاتها المسلحة وغير المسلحة ، ضد الاحتلال والظلم والقهر والاستغلال ، صمدت غزة في حضن التاريخ وبقيت شامخة ، وحملت راية المستضعفين في الأرض والمظلومين من العمال والشغيلة والفقراء والكادحين والفلاحين والمثقفين الثوريين والمرأة ، والشباب ، ضد كل أشكال الظلم القومي والطبقي والاجتماعي ..

لم يبك أحد على دماء الشهداء والضحايا والجرحى يوم الجمعة 26/7/2008 كما بكى الوطن ، وكما شهق بحر غزة الذي وقعت الجريمة البشعة على رماله ، وأمام أمواجه التي لم تهدأ بعد غضبا وحقدا على أولئك الذين زرعوا الرعب على شاطئه ،ومارسوا الإرهاب والقتل أمام عيون الأطفال والنسوة والمصطافين هروبا من وهج الحر، ووجع الواقع ، وظلم الطبيعة والإنسان ، وفقئوا عيون غزالة البحر سرين الصفدى ابنة الخمسة سنوات ، شهيدة الوطن ملفوفة بالعلم الفلسطيني ذو الألوان الأربعة ، وليست شهيدة حماس أو فتح ، كما حاول البعض أن يستولى عليها حتى في مماتها .

الإرهاب هو خيانة للإنسان والوطن ، إنه صناعة إسرائيلية وبايادى خفية ملوثة بدم الشهداء والأشلاء والضحايا ، انتصر الإرهابيون للحظة من الزمن في توتير الأجواء ، وتفجير الحياة ، وزرع الرعب وقتل المدنيين ، والأطفال ، والمسنين والعجزة ، فالإرهاب لا وطن له ولا دين له ، ومن يظن انه محصن من هذا الوباء فهو مخطئ . هذه الجريمة السوداء التي وقعت كالصاعقة في وجه كل الوطنيين والديمقراطيين والتقدميين ، وسارعت بإدانتها كل القوى الوطنية والإسلامية ، والسلطة الوطنية وحركة فتح ، وكل الجماهير التي رأت فيها اعتداء على أمنها الشخصي والوطني المسلوبين ،وطالبت برفع الغطاء عن مرتكبي المجزرة عشائريا وتنظيميا ، وتقديمهم للعدالة والقانون.

نجح الإرهابيون في زيادة زعزعة حياة الناس ، واستعداء البعض على البعض ، وبدلا من التروي والحكمة لكشف المجرمين والقتلة ، ومعرفتهم ، وتحديد هويتهم ، والجهات التي تقف من خلفهم تصرفت مليشيات حماس للأسف الشديد ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عن الجريمة بعصبية وبردات فعل غير مسئولة ، وبمواقف جاهزة حتى قبل أن تتضح معالم الجريمة البشعة ، وخلقت جوا هستيريا في الشارع ، ونشرت الرعب والفزع بين المواطنين ، واختطفت غزة المختطفة ، وتبنت أسلوب العقاب الجماعي من رفح حتى بيت حانون ، وشملت حملتها فئات وقوى سياسية مختلفة ، ووقعت بالخطأ حين اقتحمت الأبراج والبنايات السكنية ، وباشرت بشن حملات اعتقال عشوائية شملت من ليس له علاقة ، ومن ليس لديه معرفة بالذي جرى ،وطبقت مفهومها للقانون ” المعتقل مدان وعليه أن يثبت براءته” ، وتعرض المواطنون للضرب المبرح والملاحقة ليلا ونهارا دون رحمة أو شفقة وبدون حتى أوامر اعتقال أو تفتيش ، ونجح الإرهابيون في استفزاز بعض المسئولين عبر وسائل الإعلام الخاصة والجماهيرية الإدلاء بتصريحات هجومية ونارية لم تخلو من عبارات التخوين والتكفير ، وتحميل السلطة الوطنية مسؤولية الجريمة .. كل هذه التطورات ساهمت في زيادة حدة التوتر وخلقت أجواء مشحونة بالقلق والخوف على المستقبل ، وزرعت الحقد الذي ربما يورث للأجيال القادمة .

لقد جاءت ردة الفعل الغاضبة والمصحوبة بالعنف الدموي وغياب سلطة العقل والروية ، ومداهمة المؤسسات الاجتماعية والأهلية ، والمحافظات ، ومقر النقابات المهنية والنقابية ، ومقر اتحاد المرأة الفلسطينية ، و اقتحام البيوت وتخريب محتوياتها ونهب ما بداخلها ، والاستيلاء عليها ، واعتقال المواطنين بالجملة والاعتداء عليهم حتى قبل أن يجرى التحقيق معهم، ومنع الصحف اليومية من الوصول إلى غزة ، وكشفت الأحداث حجم الاهانة التي تعرض لها المواطن الفلسطيني تقشعر منها الأبدان جراء نزعة الانتقام ، والتشفي مما خلق حالة من الإرباك لا يمكن أن تساعد في تحديد الجهة التي قامت بالمجزرة ، وتعيق الخطوات القانونية لكشف المجرمين الذين نفذوا جريمتهم البشعة ، ويتساءل المواطنون هل ردة الفعل هذه التي جاءت متسرعة، وعاجلة هي طريقة للهروب من استحقاقات دعوة الرئيس أبو مازن للحوار الوطني الشامل مع اقتراب موعده ؟؟ أم هي للتغطية على الجريمة ومحاولة إضاعتها بين دهاليز الفتنة ، لإحكام القبضة على غزة بعد التهدئة التي لم تجلب الاستقرار أو الأمن للمواطنين ؟؟ أم نتاج صراع مجموعات المصالح التي تتنافس على السلطة والحكم ؟؟ ولماذا يجرى لأول مرة في تاريخ الصراع استبعاد الاحتلال الاسرائيلى وعملائه من هذه الجريمة وتحميل السلطة الوطنية وحركة فتح المسؤولية عنها ؟؟ وهل المطلوب خلق عدو وهمي لإلهاء الجماهير عن معركة التحرر الوطني والاجتماعي ، وحرف النضال الحقيقي على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية من بناء وتعزيز الاستيطان، وضم وتهويد القدس والاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري … الخ ؟؟

لن تنجح كل المحاولات في إقناع المواطن الفلسطيني والعربي وخصوصا في غزة الذي اكتوى بنار الإرهاب ، وغياب سلطة العقل والقانون بالمبررات والتخمينات الصادرة عن المواقف المسبقة بل ينتظر تقديم الأدلة المادية ونتائج التحقيق ، ليعرف الحقيقة ، وتتكشف دوافع الجريمة ، ويتخوف البعض من محاولة إسدال الستار على هذه الجريمة لتدون ضد مجهولين ؟؟

إن هذه المأساة الجديدة تؤكد ضرورة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية ، والتمهيد للحوار بوقف الحملات الإعلامية المتبادلة ، والإفراج الفوري عن كل المعتقلين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتبييض السجون ، وإعادة نشاط كافة المؤسسات الوطنية والأهلية والنقابية والشبابية التي تم إغلاقها لتباشر عملها في خدمة المواطنين ، والتوجه لحوار وطني شامل على قاعدة وثيقة الوفاق الوطني وإعلان القاهرة والمبادرة اليمنية ، وبرعاية عربية ، وفى نفس فان من حق المواطنين معرفة كل الحقائق ونتائج التحقيق في مجزرة شاطئ غزة . 

غزة – فلسطين