الرئيسية » مقالات » رسالة جوابية عن سؤال حول مصطلح الشيعة الصفوية

رسالة جوابية عن سؤال حول مصطلح الشيعة الصفوية

تسلمت رسالتين إلكترونيتين من سيدين كريمين يسألان فيها : لماذا استخدمت مصطلح الشيعة الصفوية في مقالي الأخير حول الوضع في إيران تحت عنوان “هل سيواصل حكام إيران السير على طريق صدام حسين ؟ وهم إذ يبدون إعجابهم بالمقال , وأنا أشركهم على هذا التقدير , يتساءلون بكل ود وأدب جم عن سبب استخدامي لهذا المصطلح.
وهذا نص الرسالة الأولى والتي لا تختلف في الجوهر عن الرسالة الثانية:
سلم فوك ويراعك على هذه المقالة الجميلة بخصوص غباء أيران وانك لأصبت كبد الحقيقة فيها. يبقى لي ملاحظة بسيطة أرجو ان يتسع صدرك لها الا وهي استعمال تعبير “وفق المذهب الشيعي الصفوي” هذا التعبير “الصفوي” أخذ يبرز على اثر ظهور الطائفية المقيته واستعماله بالتعميم عن الشيعة بأنهم صفويون وعادة ما يرد من هؤلاء الذين يتصفون بضحالة التفكير والجنوح إلى الطائفية . النظام الأيراني يدين بالمذهب الشيعي والشيعي المتطرف المليء بالسخافات والخرافات والبعيد عن المذهب الشيعي كما جاء به الأمام جعفر الصادق رضي الله عنه. وأنت على هذه الدرجة من الثقافة لا أرى أن استعمالك تعابير كهذه تتناغم مع مقالتك العظيمة في الفكرة والتعبير شكرا لك وحبيت الرفعة والسؤدد. قارئ من استراليا
الجواب:
رغم معرفتي التفصيلية بالفوارق الموجودة بين المذهب الشيعي الذي تبلور كمذهب في فترة الأمام جعفر الصادق , سادس أئمة المسلمين الشيعة , في فترة تنامي الحرية الفكرية والتعددية المذهبية والاجتهاد ونشوء المذاهب الخمسة ( الحفني والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري) أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل في الإسلام أثناء الحكم الأموي فالعباسي في العراق , وبين المذهب الشيعي الصفوي , الذي بدأ بالظهور والتبلور في فترة حكم الشاه إسماعيل الصفوي (أبو المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي) في إيران (25 يوليو 1487م 1524م) مؤسس الدولة الصفوية في إيران وحاكمها بين 1501-1524. وهي فترة بعيدة قياساً عن فترة ظهور المذاهب وفي فترة تفاقم الانحطاط الفكري والثقافي في العراق والعالم الإسلامي بعد سقوط الدولة العباسية على يد هولاكو في العام 1258 , إضافة إلى انتهاء عهد الإسلام في الأندلس.
تبلورت الفوارق في عدد من النقاط المهمة التي لن أتوسع بها بل أشير إليها , إذ يمكن للأخوة الكرام أن يعودوا إلى المصادر الحيادية التي تبحث في هذا الموضوع ليجدوا ضالتهم بعيداً عن الدعايات السياسية المتبادلة في الوقت الحاضر أو حتى في فترات سابقة.
أولاً: اعترف الإمام علي بن أبي طالب , رابع الخلفاء الراشدين , بالخلفاء الراشدين الثلاثة ومنحهم تأييده , رغم اعتراضه في البداية , إلا أنه كان يعرف بأن هؤلاء من صحابة الرسول ومن أوائل من دخل الإسلام أولاً , وكان يدرك أهمية الوحدة وعدم تمزيق الصف الإسلامي , والإسلام كدين في بداية تكوينه , ثانياً , إضافة إلى أنه كان المستشار الأول لهؤلاء الخلفاء الثلاثة دون منازع. وكانت استشاراته قيمة وثمينة ومأخوذ بها عموماً. وبالتالي لم يبدأ الرفض لهؤلاء الثلاثة الأوائل إلا في فترة إسماعيل الصفوي الذي أقر مبدأ الشتم لهم من على منابر المساجد وغيرها. في حين لم تمارس قبل ذاك إلا في العهد الأموي أو في فترات الانحطاط الفكري والاجتماعي في الإسلام.
ثانيا: كانت علاقات علي بن أبي طالب متينة بعمر بن الخطاب ولم تكن كما بدأ الصفويون في إيران يرسمونها للعالم الإسلامي وبث الكراهية ضد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب , إذ أن علي بن أبي طالب زوَّجَ عمر بن الخطاب من ابنته أم كلثوم , وهي ما تزال صغيرة السن. ولم يكن ليحدث هذا لو كانت العلاقة بين الاثنين سيئة أو أن علياً كان لا يثق بعمر أو يرفض خلافته. فعلي بن أبي طالب تميز بالصراحة والشفافية والثقة بالنفس والعدل ولا يخشى لومة لائم , بحيث لا يسمح بتزويج ابنته من شخص لا يحترمه أو لا يثق به أو يعتبره عدواً له. وقد رُسمت لعمر بن الخطاب في الميثولوجيا الصفوية أشياء سيئة جداً , بما فيها كسر ضلع الزهراء وما على ذلك من محاولات بث الفرقة بين المسلمين الشيعة وبقية المذاهب.
ثالثاً: بدأ التشيع في إيران في عهد الشاه إسماعيل الصفوي وما بعده , وهو الذي وضع وعمل بقاعدة ولاية الفقيه. وبهذه القاعدة توصل الشاه إسماعيل الصفوي إلى نتيجتين مهمتين : الأولى , أنه أخضع أتباع المذهب الشيعي , حيث حصل في زمانه التشيع أصلاً والتحول من المذهب السني إلى المذهب الشيعي بالنسبة لفرس إيران , لرأي شخص واحد هو ولاية الفقيه , والثانية , أنه أوقف مطالبة شيوخ الدين بالحكم , إذ أن ولاة الفقيه المتتابعين ابتعدوا عن المطالبة بالحكم أو أن يكونوا على رأس الحكم , على اعتبار أن الرأي الأخير في الأمور العامة أصبح بيد ولي الفقيه. ولكن الشيعة في العراق لم يأخذوا بقاعدة ولاية الفقيه ولهم تفسيرهم المقنع في هذا الصدد.
رابعاً: أدخل الصفويون منذ إسماعيل شاه , مبدأً خاطئاً أساساً هو العصمة للأئمة الاثنا عشر , إذ ليس هناك أي إنسان في العالم معصوم عن الخطأ , والمسلمون يقولون أن العصمة لله وحده. والأخذ بهذا المبدأ تسري عملياً على ولي الفقيه , غذ أنه يمثل إماماً معصوماً , فلا بد وأن يكون معصوماً أيضاً. وهو ما لاحظناه في فترة الراحل الخميني وفي ولاية على خامنئي الراهنة. فكلامه قانون أو فتوى تنفذ لا ترد ولا تناقش!
خامساً: والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن إدخال اسم علي بن أبي طالب في الآذان جاء قبل فترة الصفويين بكثير كرد فعل على شتم الإمام علب من على منابر الدولة العثمانية في زمن معاوية , ولكنه كرس تماماً في فترة الحكم الصفوي , ولم يكن موجوداً بطبيعة الحال في زمن محمد في كل الأحوال ولا في فترة الخلفاء الراشدين. وكذلك كلمة حي على خير العمل.
سادساً: لم تكن في الإسلام بعض البدع والخرافات قبل تشيع الصفويين , بل أن الصفويين , والشيعة في إيران عموماً وتدريجاً , أدخلوا الكثير من البدع والخرافات وما يؤذي الإسلام , ومنها الضرب بالسلاسل على الظهر , والتطبير , أي شج الرؤوس بالسيف , أو الضرب بالأيدي على الصدر (اللطم) , وكذلك الكثير من البدع الأخرى التي أساءت إلى الإسلام كدين وإلى المذهب الشيعي كاجتهاد ابتداءً من محمد بن علي الباقر المكنى بأبي جعفر في عهد الأمويين (الوليد بن عبد الملك) وتكون مع جعفر الصادق , المكنى بأبي عبد الله , في فترة اهتزاز الحكم الأموي وسقوطه ونشوء الدولة العباسية ونهوضها. ورغم رفض أئمة الشيعة الكبار لهذه البدع المؤذية بالإنسان والدين في آن وصدور تصريحات كثير بذلك منها على سبيل المثال لا الحصر , ما يلي:
أراء بعض المراجع الشيعية بطقوس عاشوراء وما يرتبط بجلد الذات واستمرار ممارسته:


1 – أية الله العظمى السيد محسن الحكيم (( إن هذه الممارسات ( التطبير) ليست فقط مجرد ممارسات… هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام ولم أرى أي من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى ان قضية التطبير هي غصة في حلقومنا)).
2 – أية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي:في رد على سؤاله حول إدماء الرأس وما شاكل يقول (( لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه)) المسائل الشرعية ج2 ص 337ط دار الزهراء بيروت.
3 – أية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في جوابه لسؤال الدكتور التيجاني حين زاره في النجف الاشرف (( ان ما تراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجهالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على منعه وتحريمه)) كل الحلول عند آل الرسول ص 150 الطبعة الأولى 1997 م للتيجاني.
4 – أية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني (( ان استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء باسم الحزن على الحسين (عليه السلام) انما هو محرم وغير شرعي )) كتاب هكذا عرفتهم الجزء الأول لجعفر الخليلي.
5 – أية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (( على المؤمنين الأخوة والأخوات السعي إلى إقامة مراسم العزاء بإخلاص واجتناب الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية وأوامر الأئمة (عليهم السلام) ويتركوا جميع الأعمال التي تكون وسيلة بيد الأعداء ضد الإسلام، إذ عليهم اجتناب التطبير وشد القفل وأمثال ذلك…)).
6 – أيه الله العظمى السيد كاظم الحائري (( ان تضمين الشعائر الحسينية لبعض الخرافات من أمثال التطبير يوجب وصم الإسلام والتشيع بالذات بوصمة الخرافات خاصة في هذه الأيام التي أصبح إعلام الكفر العالمي مسخرا لذلك ولهذا فممارسة أمثال هذه الخرافات باسم شعائر الحسين (عليه السلام) من أعظم المحرمات)).
7 – أيه الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله ((… كضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين (عليه السلام) فانه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلقا ببعض التقاليد الدينية التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها.)) إحكام الشريعة ص 247.
8 — أية الله الشيخ محمد مهدي الاصفهي (( لقد دخلت في الشعائر الحسينية بعض الأعمال والطقوس فكان له دور سلبي في عطاء الثورة الحسينية وأصبحت مبعثا للاستخفاف بهذه الشعائر مثل ضرب القامات.)) عن كيهان العربي 3 محرم 1410 هـ.
9 – أيه الله العظمى السيد محسن الأمين ((…. كما ان ما يفعله جملة من الناس من جرح أنفسهم بالسيوف أو اللطم المؤدي إلى إيذاء البدن إنما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال.)) كتاب المجالس السنية الطبعة الثالثة ص 7.
10 – أيه الله محمد جواد مغنية ((…. ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران كلبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في العاشر من المحرم ان هذه العادات المشينة بدعة في الدين والمذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون ان يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب حيث توجد فيه عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف الاهانة والضرر.)) كتاب تجارب محمد جواد مغنية.
11 – أية الله الدكتور مرتضى المطهري(( ان التطبير والطبل عادات ومراسيم جاءتنا من ارثودوكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم.)) كتاب الجذب والدفع في شخصية الإمام علي (عليه السلام).
وهناك أسماء كثيرة ضد ظاهرة التطبير ومنهم أية الله العظمى الشيخ الاراكي , وآية الله السيد محمود الهاشمي , وأية الله محمد باقر الناصري والعديد من كبار علماء الدين.

ومما لا يخفى على أحد بأن هذه الطقوس الخرافية لا تزال تمارس على نطاق واسع , حيث اختلط الحابل بالنابل في هذا المجال ولم تعد عناك إمكانية التفريق بين السكان , وساء أكانوا من شيع إيران أو العراق , في حين أن التمييز واضح بين شيوخ الدين في البلدين.
سابعاً: استخدمت هذه الطقوس الخرافية سياسياً وعلى مدى القرون المنصرمة منذ بروز المدرسة الصفوية حتى الآن , وهي تستخدم اليوم بشكل خاص في إيران والعراق على نطاق واسع وفي الانتخابات والتحشيد لتنشيط الفكر والتوجه الطائفي السياسي عند الناس , وهم الذي يلحق افدح الأضرار بالوحدة الوطنية العراقية.
ثامناً: إن فترة الصفويين وما بعدها بدأت الكتابات الإيرانية (الفارسية بتعبير أدق) تغزو العالم الإسلامي مبشرة بالمذهب الشيعي الصفوي الذي يأخذ بما أشرنا إليه في أعلاه , والتي تدعو إلى تشديد التمايز بين المذاهب من خلال الكتابة عن العداء المستحكم بين الخلفاء الثلاثة وعلي بن أبي طالب وأهل بيته. وقد برزت مجدداً هذه الكتابات الواسعة بعد انتصار الثورة الإيرانية واختطافها من قبل قوى الإسلام السياسية وعلى رأسهم الراحل الخميني الذي انتهج مبدأ ولاية الفقيه.
تاسعاً: والمدرسة الشيعية الصفوية تأخذ بأسلوب ممارسة العنف في نشر الإسلام والمذهب الشيعي , وهو الموقف الذي رفضه أئمة الشيعة بعد واقعة ألطف (كربلاء) واستشهاد الإمام الحسين وأخيه العباس ومجموعة من أفراد عائلته وصحبه الرجال وسبي الناس والأطفال , كما كان قد رفضه قبل ذاك الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب , وهو الإمام الثاني بعد أبيه علي بن أبي طالب في قائمة الأئمة الشيعة الاثنا عشر .
عاشراً: في فترة متأخرة من العقد الثامن من القرن العشرين , أي مع انتصار الثورة الإيرانية وصعود الخميني كولي فقيه في إيران , اقترب الراحل السيد محمد باقر الصدر من قاعدة ولاية الفقيه , في حين كان قبل ذاك يرفضها كبقية علماء الحوزة العلمية في النجف. وهو أمر سلبي. وبدا واضحاً أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية أخذ بها أيضاً في فترة وجود محمد باقر الحكيم , وبشكل خاصة بعد وفاته حيث تولى عبد العزيز الحكيم مسؤولية المجلس.
من يريد الالتزام بقواعد المذهب الشيعي , عليه أن يعود إلى الأصول وليس إلى الفروع , والأصل هنا محمد الباقر وجعفر الصادق.
مع بالغ التقدير والتمنيات الطيبة.

كاظم حبيب في 29/7/2008