الرئيسية » الملف الشهري » ليس دفاعاً عن ثورة 14 تموز وعبدالكريم قاسم

ليس دفاعاً عن ثورة 14 تموز وعبدالكريم قاسم

بعد إلقاء مداخلتي الموسومة (هل كانت ثورة 14 تموز سبب نكبات العراق؟) في ندوة لندن مساء يوم 19/7/2008 بمناسبة الذكرى الخمسين (اليوبيل الذهبي) لثورة 14 تموز العراقية المجيدة ، ونشرها على مواقع الإنترنت بعد يومين، حصلت مشاركة واسعة من الجمهور الكريم، سواء على شكل تعليقات بعد المداخلة في الندوة، أو تعقيبات على الإنترنت أو رسائل تلقيتها عبر البريد الإلكتروني. لا شك إن التعقيبات هذه هي بمثابة تكملة لمداخلات المحاضرين، وبعضها جاءت تصحيحاً لبعض المعلومات وردت في مقالتي. ونظراً لضيق الوقت إثناء الندوة، إذ لم يتح للمحاضر الوقت الكافي للرد على كل تعقيب بشكل وافي. لذلك أرى من المفيد مواصلة الحوار على صفحات الإنترنت وذلك لتعميم الفائدة وتوضيحاً للإشكاليات، ولتصحيح بعض الأخطاء التي وردت في المداخلة.

في البدء، أود أن أشكر الصديق الدكتور نجم الدين غلام على جهوده الشخصية في تنظيم تلك الندوة الناجحة وإدارتها بكفاءة، احتفاءً بمناسبة وطنية وتاريخية عزيزة على شعبنا، وهي الذكرى الخمسينية (اليوبيل الذهبي) لثورة 14 تموز المجيدة. كما وأتقدم بالشكر الجزيل للحضور الكرام، ولجميع الذين علَّقوا على مداخلتي، أو كتبوا مقالاً عنها، وهنا أخص منهم بالذكر الصديق الأستاذ جاسم الحلوائي على مقاله القيم الموسوم (تعقيب على مقال الأستاذ عبد الخالق حسين “هل كانت ثورة 14 تموز سبب نكبات العراق؟”) المنشور على مواقع الإنترنت يوم 24 تموز الجاري، والذي صحح لي مشكوراً معلومة غير دقيقة وردت في مداخلتي عما حصل عام 1954 من محاولات للإصلاح السياسي، إذ ذكرتُ أن رئيس الوزراء إثناء الانتخابات البرلمانية في ذلك العام كان الدكتور فاضل الجمالي، والصحيح هو أن أرشد العمري هو الذي كان رئيساً للوزراء في ذلك لوقت، وأن حكومة الجمالي استقالت قُبَيل الانتخابات بفترة قصيرة جداً، أي في 29/4/1954 تحديداً. في الحقيقة نبهني الأستاذ عبدالرزاق الصافي إثناء تعقيبه على مداخلات المحاضرين في نهاية الندوة عن عدم الدقة في هذه المعلومة، وصححها لي مشكوراً، لذا أشكر الصديقين، الحلوائي والصافي على تصحيحهما لي، كما وأعتذر للجمهور الكريم على ذلك.

على أية حال، يبقى الغرض من ذكر إنقلاب نوري السعيد على زملائه نفسه، وهو أني أردت التأكيد على وجود بعض المحاولات للتغيير السلمي، إلا إن السعيد أوصد جميع الأبواب أمام جميع محاولات التغيير، وكان يعمل لإجهاض كل محاولة إصلاحية مهما كانت صغيرة أو بسيطة، فقام عام 1954 بانقلاب القصر على زميله أرشد العمري (وليس فاضل الجمالي) وحلَّ البرلمان بعد مراسيم افتتاحه بخطاب العرش بفترة قصيرة جداً، علماً بأن الجمالي هو الذي بدأ الإصلاحات السياسية خلال تسنمه رئاسة الوزارة قبل الانتخابات تلك. مرة أخرى نؤكد أن ما قام به السعيد كان أحد أهم الأسباب التي دفعت قادة الأحزاب الوطنية وضباط الجيش إلى أن يفقدوا كل أمل في إجراء التغيير والإصلاح السياسي بالوسائل السلمية، في الوقت الذي كان البلد بأمس الحاجة إلى التغيير. إذ كما قال علي الشرقي في كتابه (الأحلام) 1963: “يمكنني أن أقول كان نوري السعيد يفكر بعقلية عام1920 وهو في عام 1958 وقد حدثت عقول واندثرت عقول.” (من مقالة سيف الدين الدوري، عن نوري السعيد، صحيفة الزمان اللندنية، 20/7/2008).

تساؤلات بحاجة إلى أجوبة
كان القصد من مداخلتي في الندوة هو الرد على معظم الاتهامات التي يرددها بعض العراقيين والعرب، والتي مؤداها أن كل ما حصل من كوارث في عهد صدام حسين تتحمل مسؤوليتها ثورة 14 تموز. ولكن من خلال الندوة تلك، ومداخلات عدد كبير من الحضور الكرام، ظهرت اتهامات جديدة، ليست من خصوم الثورة فحسب، بل وحتى من الناس الذين تحمسوا لها ومازالوا يكنون الحب والتقدير لها ولقائدها. وعليه أرى من المفيد العودة إلى الموضوع، والتطرق إلى بعض تلك الاتهامات الجديدة لتوضيح الإشكالية على قدر الإمكان. وهذا لا يعني أني ضد تعددية الرأي، أو أرفض الرأي المختلف، معاذ الله، بل لتفسير الإشكالية، كما ومن حقي أيضاً أن أبدي رأيي إزاء الآراء التي أختلف معها بالحوار المتمدن من أجل الوصول إلى الحقيقة، فالحوار هو أحد الوسائل الديمقراطية، و(الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية). أجل، يرى المعترضون على الثورة أن العهد الملكي كان مستقراً والمجتمع يعيش بأمان وسلام دون قتل، وجاءت ثورة تموز ففتحت عش الدبابير وصندوق باندورا (Pandora box) حيث أطلقت كل الشرور المخبوءة في المجتمع العراقي!!

كما لاحظت أن هناك بعض الكتاب ممن يرى نفسه مضطراً لانتقاد قاسم دون دليل أو توضيح، لكي يظهر نفسه أنه موضوعي ليس إلا، وأن لا يتهم بتأليه الشخصية… الخ، كما وهناك من يوجه هذه التهمة أو تلك للثورة وقيادتها من أجل إرضاء هذا الطرف السياسي أو ذاك. أعتقد من واجب الكاتب الموضوعي أن يقاوم هذه النزعة، وأن لا يضحي بالحقيقة من أجل إرضاء هذا وذاك، بل عليه أن يقول ما يقول وفق قناعته. وهذا لا يعني أني أدعي أن قاسماً كان بلا أخطاء، إذ لم يكن معصوماً من الخطأ لأنه كان بشراً مثلنا يخطأ ويصيب، ولكن الذي أقصده هنا أن نذكر أخطاء الرجل الحقيقية التي ارتكبها، ودون تنزيه الأحزاب السياسية وتبرئتها من مسؤولياتها والتي تسببت في كثير من الكوارث بسبب صراعاتها الدموية فيما بينها من أجل مكاسب فئوية وشخصية على حساب المصلحة الوطنية. فقد أعدم الرجل بطريقة غادرة دون محاكمة أو منحه الفرصة والوقت الكافي للدفاع عنه نفسه، أو كتابة مذكراته كما عمل غيره من صناع التاريخ في العراق.

كما وإني اخترت الرد على بعض الاتهامات وليس كلها! إذ لا مجال لذكر كل شيء في هذه العجالة، والاتهامات كالآتي:
1- بدأَ مسلسل القتل وعدم الاستقرار في العراق من ثورة تموز 1958،
2-التذبذب في شخصية قاسم،
3- شن قاسم الحرب على الأكراد،
4- لم يكن للثورة برنامج سياسي واضح،
5- تهمة الديكتاتورية ضد قاسم،
6- إهمال الديمقراطية التي وعدت بها الثورة.

1- بدأ مسلسل القتل وعدم الاستقرار من ثورة تموز
أقول أن الذي يعتقد أن مسلسل القتل وعدم الاستقرار السياسي في العراق بدأ من ثورة 14 تموز 1958 عليه أن يراجع كتب التاريخ وخاصة تلك التي تبحث في تاريخ العراق الحديث، أي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921. وهنا أعيد ما اقتبسته في مناسبة سابقة من كتاب (طبيعة المجتمع العراقي، ص 166) للعلامة علي الوردي الذي وصف العراق من منظور علم الاجتماع، بأنه كان في حرب دائمة فيقول:
[… إن أهم معالم الثقافة البدوية في الصحراء هو “الحرب الدائمة”. فالحرب في الحياة الصحراوية هي الأصل، والسلم فيها عرض طارئ. وحين ندرس المجتمع العراقي في العهد العثماني نجد هذه الظاهرة موجودة فيه على نمط يكاد لا يختلف في أساسه الاجتماعي عما هو موجود في الصحراء. فقلما كانت تمر فترة في العراق دون أن يقع فيها قتال على وجه من الوجوه. وهذا القتال كان على أشكال مختلفة نذكرها فيما يلي على التوالي، حسب أهميتها وسعة نطاقها:
1-القتال بين القبائل بعضها مع بعض،
2- القتال بين القبائل والحكومة،
3- القتال بين المحلات في المدينة الواحدة،
4- القتال بين القبائل والمدن،
5- القتال بين المدن بعضها مع بعض،
6- القتال بين المدن والحكومة. ] انتهى

وتأسيس الدولة العراقية الحديثة لا يعني أن الشعب العراقي قد تخلص من بداوته الضاربة في العمق وتحول بقدرة قادر إلى شعب متحضر مستقر وآمن، بل استمرت عنده القيم البدوية وحالة الاقتتال هذه ولكن تحت واجهات سياسية، فكانت انتفاضات العشائر في الأرياف، والمنظمات السياسية في المدن تنتفض بين حين وآخر ضد الحكومات المتعاقبة وبتحريض من بعض الفرقاء من النخب الحاكمة نفسها. وكانت هذه الانتفاضات والاضطرابات تواجه بالقمع الشديد وبالقتل الجماعي من قبل السلطة. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، مجزرة ضد عمال النفط المضربين في كركوك، وعمال النفط في البصرة، ووثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وانتفاضة تشرين عام 1952 في بغداد، كما جرت مجزرة عام 1933 ضد الآثوريين في الشمال والتي ذهبت ضحيتها حسب دراسة لكاتب آثوري وضع الرقم في حدود 30 ألفاً، والرقم الأقل هو ثلاثة آلاف، والبعض يضع رقم القتلى في حدود خمسة آلاف وهو الأصح. كل هذا حصل في العهد الملكي.

كذلك حصلت ستة انقلابات عسكرية منذ انقلاب بكر صدقي عام 1936 إلى حركة العقداء الأربعة (المربع الذهبي) عام 1941. ومما يجدر ذكره أنه خلال أقل من خمسة أعوام، من عام 1953 إلى تموز 1958 كانت في العراق إحدى عشرة وزارة تولى رئاستها تسعة أشخاص ولم يدم منها لأكثر من عام إلا وزارتا نوري السعيد المتتاليتان من آب 1954 إلى حزيران 1957. وحتى الجيش العراقي كان منقسماً على نفسه بين اتجاه مؤيد للنازية والفاشية، بقيادة العقيد صلاح الدين الصباغ، وجناح آخر مؤيد لبريطانيا والذي مثله عبدالإله ونوري السعيد، وكان شبح الحرب الأهلية يخيم في الجيش نفسه. [هذه المعلومات مستقاة من كتاب (العراق، دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية 1915-1975) للمؤلفين، إديث وائي، أيف، بينروز، ترجمة عبدالمجيد حسيب القيسي] فأي استقرار هذا الذي كان ينعم به العراق في العهد الملكي؟

وبناءً على ما تقدم، فإن ثورة 14 تموز هي بحد ذاتها كانت استمراراً ونتاجاً لعدم الاستقرار في العهد الملكي. وكما قال ألن دان في كتابه (العراق في عهد قاسم) لقد استطاع قاسم بطبيعته المسالمة أن يجعل القتل في الحد الأدنى في ظروف ثورية كانت تتطلب الكثير.

2- تهمة التذبذب في شخصية قاسم
هذه التهمة هي الأخرى لم تصمد أمام أية محاجة موضوعية ومنصفة. لقد كان المجتمع العراقي منقسماً على نفسه إلى تيارات سياسية متصارعة، إضافة إلى تعدديته القومية والدينية والمذهبية الموروثة. وكان كل تيار سياسي يريد من قاسم أن ينحاز إليه ضد غيره. أما هو فقد أراد أن يكون مع كل الشعب، وفوق الميول والاتجاهات، إذ كما قال: “يقول واحد: هذا قومي، ويقول الأخر هذا شيوعي وذاك بعثي والثالث ديمقراطي. وأنا أقول هذا وطني وابن هذا البلد… قمت بالثورة لصالح كل الناس إني دوماً مع الناس كلهم. إني فوق الميول والاتجهات والتيارات دوماً، وليس لدي انحياز لأي جانب كما إني أنتمي إلى الشعب بأسره، وإني أهتم بمصالح الجميع، وأسير إلى الأمام معهم كلهم، كلهم أخوتي.” كما وناشد القوى المتصارعة بالقول: “أيها الديمقراطيون، أيها الشيوعيون، أيها القوميون، أتوسل إليكم أن تنبذوا خلافاتكم ووحدوا قواكم في خدمة البلد”.
كما وينقل لنا الدكتور رشيد الخيون في صحيفة (الشرق الأوسط، 23 تموز 2008) قائلاً: [يذكر شاهد عيان أن قاسم كان يغلق الباب عند صلاته، ولما سُئل قال: «أنا أمثل العراقيين، لا أريد أن يراني أحد على أي مذهب أصلي!»]
هذه كانت سياسة قاسم، وكان يتوسل إلى القوى السياسية أن ينبذوا خلافاتهم ويوحدوا صفوفهم لحماية جمهوريتهم وثورتهم ومكاسبها. فهل هذا تذبذب؟ كان قاسم أشبه بمن يمشي على حبل مشدود، حاملاً بيديه عصا التوازن بين القوى المتصارعة. وهذه سياسة حكيمة وليست تذبذباً كما يعتقد البعض.

3- شن الحرب على الأكراد
يتهم البعض قاسماً بشن الحرب على كردستان. ولنكن منصفين ونسأل، من بدأ الحرب؟ إن معظم الدراسات تؤكد أن التمرد المسلح ضد حكومة قاسم بدأها أغوات (شيوخ) الإقطاع في كردستان ضد القانون الإصلاح الزراعي وبدفع من شاه إيران خوفاً من وصول عدوى الإصلاح الزراعي إلى إيران ومطالبة الشعب الإيراني بقانون مماثل. (راجع كتاب ليث الزبيدي عن ثورة 14 تموز.) كما ولم يبدأه الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني، ولم يشارك به إلا بعد أن اضطر لذلك خوفاً من اتهامه بالتخلي عن القضية الكردية.
وهل الذين يتهمون قاسم بشن الحرب على كردستان أكثر كردية وحرصاً على مصلحة الأكراد من السيد مسعود البارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي قال في هذا الخصوص:
[… أقول وبصراحة بأنه كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبدالكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبدالكريم قاسم. فمهما يقال عن هذا الرجل فإنه كان قائداً فذاً له فضل كبير يجب أن لا ننساه نحن الكرد أبداً. لا شك أنه كان منحازاً إلى طبقة الفقراء والكادحين وكان يكن كل الحب والتقدير للشعب الكردي وكان وطنياً يحب العراق والعراقيين وكان التعامل معه ممكناً لو أحسن التقدير. يُتَهَمّ عبدالكريم قاسم بالإنحراف والديكتاتورية، أتساءل هل من الإنصاف تجاوز الحق والحقيقة؟ لقد قاد الرجل ثورة عملاقة غيَّرت موازين القوى في الشرق الأوسط وألهبت الجماهير التواقة للحرية والاستقلال، وشكل أول وزارة في العهد الجمهوري من قادة وممثلي جبهة الإتحاد الوطني المعارضين للنظام الملكي، ومارست الأحزاب نشاطاتها بكل حرية. ولكن لنكن منصفين ونسأل أيضاً، من انقلب على من؟] (مسعود البارزاني، الحركة التحررية الكردية)

ونضيف هنا، أنه يكفي عبدالكريم قاسم فخراً، وبشهادة الراحل عبداللطيف الشواف، وزير التجارة في عهد قاسم، في كتاب له جاء فيه: (لقد سمعت من صديق أثق بخلقه وكفاءته أنه لما نشب الخلاف بين المرحوم الملا مصطفى البرزاني وعبدالكريم قاسم في الستينات وسرعان ما وصل إلى مواجهات عسكرية خطيرة في شمال العراق – حاول الشاه استغلال الوضع للحصول على مكاسب سياسية فعرض سراً – على عبدالكريم بواسطة الملحق العسكري الإيراني في بغداد – التعاون للقضاء على الثورة الكردية، فجوبه برفض المرحوم عبدالكريم قاسم وقوله له “بأنه لا يتآمر ضد أبناء شعبه – يقصد الملا مصطفى والثورة الكردية” – إن الذي روى لي هذه الرواية هو الزعيم عبدالله العمري (صديق عبدالكريم وصديق الحزب الوطني الديمقراطي وعميد كلية الأركان في عهد المرحوم عبدالكريم ). راجع (عبداللطيف الشواف، عبدالكريم قاسم وعراقيون آخرون، ص 94). كما وهناك شهادات كثيرة كلها في صالح قاسم بهذا الخصوص لا مجال لذكرها.

4- تهمة عدم وجود برنامج سياسي واضح للثورة
يقول البعض أن الثوار خططوا لإسقاط النظام الملكي زلكن لم يخططوا لحكم البلاد فيما بعد السقوط. هذه التهمة غير صحيحة. في الحقيقة كان للثورة برنامجان وليس برنامجاً واحدا. الأول، برنامج وضعته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار التي كان يترأسها الزعيم عبدالكريم قاسم، وكانت تتكون من 20 نقطة وهي (مانفيستو) التنظيم، ذكرها سكرتير اللجنة اللواء محسن حسين الحبيب في كتابه (حقائق عن ثورة تموز) وقد نفذ قاسم 17 منها، أما الثلاثة الأخرى التي فشل فيها قاسم في تنفيذها خلال أربع سنوات من حكمه، فقد فشل في تحقيقها أيضاً جميع الذين حكموا العراق من بعده خلال أربعين عاماً. أما البرنامج الثاني وكما يؤكد حنا بطاطو، فهو برنامج الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يؤمن به قاسم نفذه بدقة. لذا فعدم وجود برنامج سياسي تهمة غير صحيحة.

5- تهمة الديكتاتورية ضد قاسم
يشرح الأستاذ حسن العلوي هذا الموضوع فيقول هناك فرق بين حكم فردي ودكتاتور. الأول حاكم يحب الشعب ويعتقد أن الشعب يحبه، وهذا ينطبق على قاسم، لذا لم يحط قاسم نفسه بحماية مشددة. والثاني هو يكره الشعب ويعرف أن الشعب أيضاً يبادله الكراهية، وهذا ينطبق على صدام حسين، لذلك أحاط صدام نفسه بحلاقات ومؤسسات عديدة من الحماية. فكان بيت قاسم دون حراسة مما أمكن حزب البعث دس المناشير في غرفة نومه بواسطة طفل من الجيران. ولما اكتشف ذلك لم يحاسب أحداً وهو يعرفهم، بل تحول إلى بيت آخر كما يشهد بذلك العلوي. فيا ترى هل هذا الشخص دكتاتور؟

وعن صفات قاسم، يذكر حنا بطاطو في كتابه (تاريخ العراق) نقلاً عن هاشم جواد، وزير الخارجية في عهد قاسم، من 1959- 1963، قائلاً: “في البداية، كان يسهل الوصول إليه، وكان مفتوح الذهن وشديد التوق للتعلم… ولكن الأحداث وضعت المزيد والمزيد من السلطات في يديه… وما زلت أتذكر كيف أنه في الأشهر التي تلت إنقلاب الموصل الفاشل عندما عمت الفوضى الجهاز الإداري، لم يعد الوزراء يتخذون أية مبادرة من دون الرجوع إليه.. وهكذا فإن قاسم الذي لم يكن له رأي مسبق ولا مبادرة الذي عرفته في عام 1958 بدأ يتذوق لذة كونه الرجل الوحيد في البلد. وبكلمات أخرى: لقد صنعنا دكتاتوراَ… إن شعبنا في الحقيقة صانع للدكتاتورين”.
على أي حال، يمكن وصف قاسم بأنه حاكم فردي ولكنه لم تنطبق عليه صفات الدكتاتور، وبشهادة الراحل محمد حديد، كان قاسم أكثر ديمقراطياً من كثير من المدنيين الديمقراطيين، وكان يخطط لإقامة نظام ديمقراطي كما في الفقرة التالية.

6-إهمال الديمقراطية التي وعدت بها الثورة
تؤكد كتب التاريخ أن قاسم في السنة الأخيرة من حكمه، أي في عام 1963 قد شكل لجنة برئاسة الراحل حسين جميل، لكتابة الدستور الدائم، وقانون الانتخابات لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في حزيران، وافتتاح البرلمان في الذكرى الخامسة للثورة، فعاجلته قوى الظلام بانقلاب 8 شباط 1963 وأجهضت المشروع. وقد أكد الزعيم على هذا المشروع في لقاء صحفي أجراه معه السيد إدمون صعب، مراسل صحيفة اللوموند الفرنسية يوم 5 شباط 1963 أي 3 أيام قبل أيام الانقلاب المشؤوم، فسأله السيد صعب:
“سيادة الرئيس، مضت سنتان منذ وعدتم العراقيين بدستور دائم وبانتخابات وبمجلس تشريعي. أين وصلتم في إنجاز كل هذه المشاريع؟”
الزعيم قاسم: “أتحدى أن يُذكر لي مثال واحد عن تعهد قطعته ولم التزم به. ففي يوم من الأيام، وكان ذلك في 11 حزيران 1959 خلال مؤتمر الشبيبة الديمقراطية الذي انعقد في بغداد، قطعت وعداً ببناء «مدينة الثورة». آنئذ اعتبرني كثيرون مجرد حالم وطوباوي. لكن الجميع اليوم بإمكانهم الذهاب إلى هذه المدينة اللطيفة التي يعيش فيها ثلاثمائة وخمسون الفاً من السكان جميعهم من ذوي الدخل المحدود. وقريباً ستكون لها حدائق عامة وشوارع مبلطة ومسبح كبير. وفيها الآن عدد من المدارس ومستشفى ومستوصفات بنيت بالتزامن مع بناء المنازل. وهذا ليس كل شيء. هناك أيضاً سد دربندخان الاروائي الذي كلف الدولة 26 مليون دينار واترك الكلام عن الطرق والساحات والنصب والعمران والمصانع الحديثة والاصلاح الزراعي وغيرها. وكل هذا بهدف اشاعة الرفاه الاجتماعي. اننا لا نعادي الاغنياء ما داموا مستعدين لمعاونتنا في سعينا الهادف الى رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للفقراء. اما فيما يخص الدستور، فانني اتعهد الآن علناً بان لجنة من الخبراء ستشكل بل نهاية شهر شباط 1963، لتكلف بإعداد مشروعي دستور دائم وقانون انتخابي جديد. وسنضع تحت تصرفها من اجل ذلك، نصوص عدد من الدساتير الأجنبية ومنها النصوص السويسرية والالمانية والفرنسية والمصرية والسورية… وفي كل الأحوال، انني اتعهد علناً أمام الشعب بان يكون عام 1963 هذا عام ولادة الجمعية الوطنية العراقية… »

وهل هذا يعني أن قاسم كان معصوماً من الخطأ؟
لن أدعي ذلك معاذ الله، ولكن حتى أخطائه هي موضع خلاف واختلاف، فقد عمل أشياءً يعتبرها البعض أخطاءً فادحة، بينما يراها آخرون أنها من الإجراءات الجيدة، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

1- سياسة اللين مع الأعداء و” عفا الله عما سلف”، يعتقد البعض أن هذه السياسة هي التي شجعت خصومه على التمادي في سلوكهم التآمري، وكان يجب مواجهتهم بالعنف، وأن الحديد لا يلين إلا بالحديد! بينما أراد هو أن يكون قدوة في نشر روح التسامح في مجتمع تشرب بالعنف منذ آلاف السنين. وقد عفا حتى عن الذين قاموا بمحاولة اغتياله بعد أن حكمت محكمة الشعب على بعضهم بالإعدام.

2- قانون رقم 80 لعام 1961 الذي استرجع بموجبه 95.5% من مساحة العراق من سيطرة الشركات النفطية، إذ يعتقد معظم العراقيين، وخاصة شريحة المثقفين، أنه من أعظم منجزات الثورة، بينما يؤكد آخرون، أنه كان سبباً لتكالب الشركات النفطية والمخابرات الأجنبية ضد الثورة والتحريض والتآمر عليها. أنا مع الرأي الأخير، لأني أعتقد أنه رغم وجود عوامل عديدة أخرى كانت تعمل على اغتيال الثورة، مثل قوى التيار القومي العروبي، والإقطاعيين وغيرهم من المتضررين من الثورة، ولكن هذه العوامل لم تكن كافية لإسقاط ثورة تتمتع بشعبية واسعة إلا بتدخل العامل الخارجي (النفطي). لقد وافقت الشركات من خلال المفاوضات الطويلة والصعبة عن التنازل عن 90% من الأراضي التي كانت تحت امتيازاتها، والعمل على مضاعفة نشاطاتها في العراق، إلا إن مستشاريي قاسم من الخبراء النفطيين العراقيين، ومعظمهم من الشباب الوطني المتحمس بالمبادئ الوطنية، نصحوه بعدم الموافقة، لأنه حسب اعتقادهم أن الـ 10% من الأراضي التي احتفظت بها الشركات هي وحدها فيها النفط والـ 90% التي تنازلوا له عنها جافة. فأخذ قاسم بنصيحتهم، وطلب منهم كتابة مشروع القانون، وصادق عليه مما أثار غضب ونقمة الشركات. وأنا أعتقد أن هذا الإجراء هو الذي أدى إلى تفعيل وتحريك العوامل الأخرى لاغتيال الثورة، أشبه بـ Domino effect.

3- المطالبة بالكويت: وهذا الطلب كان من أكبر الكبائر التي أطاحت بالثورة. وأعتقد جازماً، (مجرد حدس بلا دليل مادي)، أن الشركات النفطية ومن ورائها الدوائر الغربية، هي التي شجعت أحد المقربين إلى الزعيم ليقنعه بطرح هذا الطلب بحجة إحراج الشركات النفطية، إذ لم يكن الزعيم جاداً بطلبه، بدليل أنه، وخلافاً لما أشيع في وقته، لم يحرك جندياً واحداً نحو الحدود مع الكويت وذلك بشهادة الراحل اللواء سيد حميد سيد حسين لحصونة للراحل مترضى الشيخ حسين في ألمانيا. كذلك تصريحات قاسم للسيد إدمون صعب، مراسل صحيفة اللوموند الفرنسية عندما سأله (لماذا لم تقدموا على احتلال الكويت؟) فأجاب: “لم أرد القيام بضربة مماثلة لضربة هتلر في تشيكوسلوفاكيا. فأنا لست فاشستياً” . فكيف يستقيم هذا مع الادعاء بتحشيد قواته على الحدود الكويتية-العراقية أو على جديته في المطالبة بالكويت؟

4- التساهل مع المد اليساري، مما أثار رعب وهلع القوى المحافظة في الداخل، ودول الجوار والعالم الغربي في الخارج، في مرحلة كانت الحرب الباردة فيها على أشدها، مما أعطى الانطباع لهذه الجهات أن قاسم هو شيوعي وأنه يخطط لإعلان النظام الشيوعي قريباً. بينما كان الرجل متديناً، وفوق الميول والاتجاهات، وأقرب إلى الديمقراطية الليبرالية. لذا كان المطلوب منه منع هذا المد منذ البداية.

لا شك أن للرجل أخطاءً كثيرة أخرى حصلت في تلك الفترة التي وصفت بالغليان، مرحلة التحولات التاريخية العاصفة، من المستحيل أن يسلم منها أي قائد سياسي مهما بلغ من حكمة وحنكة وخبرة ودهاء. ولكن يكفي أن نقول أنه خلال أربع سنوات ونصف السنة استطاع قاسم أن يقود ثورة وطنية عارمة ويدير شعباً متشرباً بالعنف، وحقق مكاسب كبيرة في أشد فترات تاريخ العراق عربدة، وبأقل ما يمكن من خسائر في الأرواح في فترة وظروف عاصفة كانت تتطلب الكثير. وهذا يعني أن قاسم كان يمتلك إمكانيات سياسية كبيرة لم تسمح له الظروف بتوظيفها.

خلاصة القول، إن الشعب العراقي، بتعددية مكوناته المتناحرة عبر التاريخ، وبموقعه الجغرافي المحاط بحضارات متصارعة، وثقافته الموروثة المتشربة بالعنف، وعوامل كثيرة أخرى، جعلت هذا الشعب مبرمجاً ومحكوماً عليه كالقدر المكتوب، أن يمر عبر هذه الإرهاصات.
ولم تكن ثورة تموز مسؤولة عن مسلسل القتل وعدم استقرار العراق، بل أن القتل وعدم الاستقرار قد رافقا الدولة العراقية الحديثة منذ ولادتها، وأن ثورة تموز هي نتاج وامتداد لما كان موجوداً في العهد الملكي. إذ لم يكن العهد الملكي مستقراً كما يدعي البعض ، بل كان سلسلة متواصلة من الاضطرابات والفوضى والانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار.
ـــــــــــــــــــــــــــ
موضوع ذو علاقة بالمقال:
جريدة المدى – في آخر مقابلة صحفية لعبد الكريم قاسم لـ اللوموند …
http://www.almadapaper.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=46571