الرئيسية » بيستون » الشبح الأحمر ( من الواقع الكردي الفيلي في مستهل الستينات )

الشبح الأحمر ( من الواقع الكردي الفيلي في مستهل الستينات )

عند مدخل الإيوان الخاص بعائلة جدها لأمها في البيت الكبير الواقع في إحدى أزقة باب الشيخ ، كانت جالسة ، تختلس النظر بين آونة وأخرى إلى شرفة الشقة الخاصة بالعم جعفر، أبن عم جدها المطلة على ساحة الدار، كان جعفر في العقد الثالث من العمر ومميزاً عن غيره من شباب المنطقة .
لم تكن تفهم بوضوح ، سبب تميزه ، ولم تهابه النساء والأولاد في البيت الكبير، ففي حال تواجده في شقته يسود الهدوء والسكينة إرجاء البيت كله ، تخفت الأصوات ويتسلل الصمت إلى كل زواياه وتتراجع جلبة أطفال العوائل التي تقاسمت فيما بينها أركانه ليمتلأ كل فضاء ه الكبير بعد حين بأنفاس حذره، حتى النساء في وجوده كن يؤدين أعمالهن اليومية بهدوء تام رغم أن السائد هو إنهن كن يتنازعن محدثين جلبة عالية لأتفه الأمور، مثل نوبة غسل صحون الإفطار عند حوض الماء الوحيد الذي يجاور الحديقة الصغيرة المربعة الشكل التي تتوسط ساحة الدارأو نوبة الحمام. كان جلياً لها أنه يحظى باحترام أهله وأقربائه جميعاً. أما هي ، فقد كانت تتجنبه قدر المستطاع ، لكنه كان يقترب منها أحيانا ويلاطفها ، يسألها في الوقت الذي يجذب ضفائرها السوداء الطويلة عن أحوال أمها وأبيها، ليقول لها باللهجة الكردية الفيلية
( ها ، هالي هايد له ره ؟ ) أي ( ها ، ألازلت هنا؟) فترد عليه بصوت خافت وكأنها تهمس ( نعم )، تختلجها أحاسيس ممزوجة بالخجل والإحراج.
انتبهت لصوت أم طارق أبنه عم أمها التي كانت تفترش الأرض أمام إيوانها كعادتها عندما تعد وجبة الغذاء لعائلتها على طباخها النفطي تناديها : نزهت، يوم ، جيبي الخالتك الطماطة من الثلاجة .
ركضت إلى الثلاجة الخشبية في إيوانهم الخاص , وعادت بسرعة وناولتها كيس الطماطة ، رشقتها المرأة بعيونها الخضراء الجميلة نظرة ذات معنى وهي تأخذ الكيس من يدها الصغيرة ، وخاطبتها مؤنبة : بنتي لماذا تجلسين دائماً وحدك ، اذهبي والعبي مع الأطفال بالزقاق .
أجابتها بصوت ناعم رفيع : لا خالة ، ما أحب ألعب بره .
عادت نزهت إلى مكانها ، رفعت عينيها مرة أخرى إلى الشرفة ، تذكرت كلام الخالة أم طارق ، شهقت شهقة غير مسموعة ، وقالت لنفسها ( هل اكتشفت بأني أراقب الشرفة ؟ ) ، حاولت أن تبعد نظراتها عن ذلك الاتجاه ، لكن دون جدوى ، لأن المنظر الذي رأته منتصف الليلة الماضية في الشرفة التي لم تصعد إليها أبداً أثار فضولها بشكل لم يسبق له مثيل في سنين عمرها القصير الذي لم يكن قد تجاوز التسع سنوات ، ففي منتصف الليل شعرت بالحاجة للذهاب إلى المرافق الصحية ، أيقظت جدتها ، التي نزلت معها من السطح إلى الطابق الأرضي حيث المرافق الصحية التي كانت تجاور السلالم المؤدية إلى الشقة الوحيدة للدار . كان البدر يتوسط السماء كمصباح منير ، يضيء الليل الداجي بنور خافت . عند خروجها من المرافق رفعت رأسها بعفوية ، رأت هيكل رجل طويل القامة متكأ على الحائط قرب حافة الشرفة . ينظر إلى القمر بوجه حزين ، لم تكن ملامح وجهه واضحة تماما لكنه بدا غارقا في أفكاره .
قالت وهي تؤشر باتجاهه : بيبي ؟ هذا منو ؟
رفعت الجدة رأسها إلى الأعلى ، وبسرعة ، سحبت يد حفيدتها وتوجهت بها نحو السلالم المؤدية إلى سطح الدار وهي تخاطبها بصوت حنون : ما كو شي بنتي لتخافين . هذا لازم ظل فد شي نسته خالة صديقة بالشرفة .
أجابتها الصغيرة بإصرار وبصوت خافت : لم يكن ظل ، كان رجل .
إلا إن جدتها أكدت لها أنها تصورت انه رجل بينما الحقيقة هو ظل شي ،خاصة وإن الليلة مقمرة .
وضعت رأسها على الوسادة ، تقلبت عدة مرات على فراشها المدد على الأرضية الطينية للسطح تحت الكلة البيضاء ، حاولت أن تقنع نفسها بأقوال جدتها ، لكنها كانت تعود وتقول لنفسها إنه لم يكن ظل بل رجل ، ولم يكن عمو جعفر بل رجل طويل القامة . ثم انتبهت فجأة لاحتمال ثالث ، وهو ، إنه … كان … شبح ، ارتعدت أوصالها خوفاً ، ورمت بسرعة الملاءة القطنية على رأسها وأغمضت عينيها ، وبدأت تبعد قضية الشبح عن ذهنها بالتفكير بأبويها وأخوتها لعلها تنام .
في اليوم الثاني ، والأيام التالية ، لم تعد نزهت قادرة على منع نفسها من مراقبة الشرفة خلسة بالنهار ، على أمل أن تلمح الرجل مرة أخرى ، لكن الشقة كانت تبدو فارغة ، وحتى عمو جعفر ، كان يأتي عند الغروب ونادرا ما كان ينزل ليجالس سائر رجال الدار . أما بالليل ، فكانت تسعى لإبعاد أفكارها عن احتمال وجود شبح في الدار وبالشرفة بالذات ، والغريب ، هو ، إصرار كل من شرحت له ما رأته بأنه لابد وأن كان ظل شيء وليس رجل أو شبح ، وأخيراً ، أذعنت بأنهم جميعاً على حق وهي التي كانت تتخيل .
في عصر إحدى الأيام الحارة ، اجتمعت النساء في إيوان بيت جدها ، يشربن الشاي مع خبز العروق الذي خبزته جدتها في الصباح الباكر، أما هي ، فقد كانت تلعب مع طفلتين أخريين في جزء من الساحة القريبة من الإيوان ، مقابل المجاز المؤدي إلى الباب الخارجي الذي كان مفتوحاً على مصراعيه طوال النهار . فجأة ، لمحن امرأة تدخل المجاز . توقفت الصغيرات الثلاث عن اللعب ، ينظرن بدهشة وإعجاب للشابة السمراء المليحة التي تتجه نحوهن ، كانت ترتدي فستاناً أبيض اللون تزينه ورود وردية صغيرة ، الجزء العلوي منه لاصق بجسمها تقريباً ، ذو قصة صدر مربعة وأكمام قصيرة ، والجزء السفلي من الفستان عريض ومخروط بشكل جميل . ومن تحت عباءتها بدا جزء من شعرها الأسود الفاحم المتموج مما زاد من جمال منظرها . كانت تسير الهوينى بحذائها ذو الكعب العالي تمسك بإحدى يديها طرف من عباءتها وتمسك بالأخرى حقيبة نسائية سوداء ، انبهرت الفتيات لمنظر هذه المرأة التي كن يتصورنها في قمة الأناقة ، بالضبط مثل معلماتهن بالمدرسة . اقتربت منهن وسألتهن بصوت ناعم خافت : صديقة موجودة .
هرولت نزهت إلى إيوان بيت جدها صائحة : خالة صديقة توجد امرأة تريدك .
تساءلت صديقة بتعجب : منو ؟
أجابتها : لا أدري .
خرجت صديقة من الإيوان ، وخرج خلفها طابور من النساء الشابات والصبايا بدءاً بخالاتها الثلاث شقيقات أمها ثم سائر الخالات من بنات أعمامهن وفي آخر الطابور كانت الخالة نجيبة الطيبة المعروفة بلسانها اللاذع الساخر الذي لا يرحم لا قريب ولا بعيد ، تحرك الموكب النسوي باتجاه المجاز وكأنهن يبخلن على صديقة فرحة الإنفراد بهذا الحدث .
سلمت صديقة على الفتاة الغريبة ، همست الزائرة في أذنها بشيء ، جددت صديقة ترحيبها بها وهذه المرة بحرارة أكبر ، وقادتها بهدوء وصمت إلى السلالم المؤدية إلى شقة العم جعفر ، وجدائلها الشقراء القصيرة تقفز على ظهرها مع كل خطوة تخطيها ، أما الأخريات فقد عدن على غير عادتهن إلى الإيوان دون أي تعليق.
ازداد تردد الفتاة الغريبة على البيت الكبير ، كانت تزورهم مرة أو مرتين في الأسبوع ، تدخل الدار وتصعد إلى الشقة بهدوء ، وبعد ساعة أو ساعتين تغادرها دون أن يكلمها أحد أو يعلقون على زياراتها من وراء ظهرها . كانت في بعض الأحيان تحمل كيس ملئ بالحاجيات تسعى لإخفائه تحت عباءتها . تجرأت نزهت مرة وسألت صغرى خالاتها التي كانت صبية تكبرها بسنوات قليلة عمن تكون هذه الفتاة الغريبة . ردت عليها خالتها بحسم ، قائلة : وإحنه شعلينه منو هيه؟ ديربالج تحكين عن هذا الأمر في بيتكم ؟ حتى أمك ، يجب أن لا تعرف شيئاً عن هذا الموضوع .
بدأ رأسها الصغير ينسج قصص وقصص عن شخصية هذه المرأة ، فهل هي على صلة بالعم جعفر أم بالشبح الذي رأته ؟ ثم تعود وتبعد الاحتمال الأخير لأنها لم ترى ذلك الشبح منذ تلك الليلة . وبالنهاية ، أقنعت نفسها بأنها قد تكون خطيبة عمو جعفر نفسه ، ففي بعض الأحيان تأتي وهو في البيت ، وتلمح أخته صديقة تحمل إليهم صينية الأكل بنفسها إلى الشقة ثم تنزل بسرعة .
تعودت نزهت على هذه الزيارات الروتينية ، وفي نهاية الصيف عادت إلى بيتهم ، وسرعان ما نسيت الموضوع برمته لانشغالها بدراستها .
مر الشتاء ، وبعده الربيع ، وانتهت السنة الدراسية وعادت نزهت إلى بيت جدها في باب الشيخ لتقضي العطلة الصيفية هناك كعادتها في تلك الأيام . كانت متعلقة بهم إلى درجة كبيرة جداً ، تحبهم وتحب دارهم وحديقتهم الصغيرة ومنظر جدها وهو منحني ينظفها ويعتني بورودها ويسقيها عصر كل يوم ، وتعشق جدتها وكأنها أمها . فلا تنام في الظهيرة إلا ورأسها في حضنها الدافئ وتغطي الجدة وجهها بفوطتها وتربت بيدها على رأسها بلطف ومحبة إلى أن تنام سكرانة من عطر حنانها الفواح .
في إحدى أيام ذلك الصيف البعيد ، دبت منذ الصباح الباكر حركة غير طبيعية في البيت الكبير، إذ تعاونت كافة شابات وفتيات الدار على غسل وتنظيف الساحة والمرافق الصحية والمجاز وحتى كنس الزقاق ورشه بالماء . وعند الظهيرة ، عندما كان الرجال يعودون من العمل عادة لتناول طعام الغذاء وتقل الحركة في الزقاق المسدود من أحد طرفيه ، وقف كافة أهل الدار قرب المجاز المؤدي إلى الباب الخارجي ، رجال ونساء وأطفال ، حتى جدها ، كان يقف إلى جانب عمه صادق والد عمو جعفر حاملاً جلد من القرآن الكريم بيده ، يحيط بهما سائر شباب ونساء وفتيات الدار ومنهن صديقة التي كانت تمسك هي الأخرى صحنا مليئاً بالماء . تعجبت الصغيرة من هذا النشاط المفاجئ والتجمع المرموز، والهمس والهمهمة غير المسموعة بينهم وشعرت وهي تشد بقوة عل يد جدتها أن شيء رهيب على وشك الوقوع .
بعد فترة من الزمن خالتها نزهت دهراً من الانتظار ، نزلت الفتاة السمراء من سلالم الشرفة بعباءتها السوداء ، يتبعها عمو جعفر بقامته المتوسطة وابتسامته التي كانت تضيء وجهه الصبوح وتجعل عيونه الخضراء تبرق بشكل غريب . بعدهما ، نزل رجل طويل القامة ، متناسق الجسم ، أبيض البشرة ووسيم للغاية .
التفتت نزهت إلى جدتها بلهفة وفتحت فمها لتقول لها : أرايتي ؟ أنا شاهدت هذا الرجل وأنت كذبتيني . لكن جدتها أمسكت بيدها بمحبة وأسكتتها ضاحكة : لا تقولي لأحد أنك رايتي هذا الرجل في بيتنا حتى لوالدتك . هزت الصغيرة رأسها الجميل وقالت : نعم . وهي تشعر باهتياج شديد لأن حدسها كان في محله فما رأته في الشرفة كان رجل حقيقي وليس ظل أو شبح .
مر الشاب الوسيم على كافة من في الدار ، وسلم عليهم فرداً فرداً وهو يشكرهم ويقبل الرجال والأطفال منهم تتبعه فتاته بعباءتها وهي تجفف قطرات الدمع التي كان تسيل على وجنتيها السمراوين ، بينما وقف العم جعفر في بداية الدائرة البشرية كالقائد الفاتح وأمامه حقيبة سفر سوداء متوسطة الحجم . في النهاية ، قبل الشاب كتاب الله المجيد الذي رفعه جدها على رأسه ومر من تحته ، ثم انحنى ورفع حقيبته وتوجه بخطى واسعة وسريعة نحو الباب الخارجي للدار, وفتاته تكاد تركض وراءه لتلحق به . سكبت الخالة صديقة الماء خلفهما واستدارت متوجهة نحو الإيوان الخاص بعائلتهم بقامة مستقيمة وفخر وكأنها أنجزت مهمة بطولية تستحق الثناء عليها . حدث كل ذلك في لحظات ، وقضي الأمر بسرعة ، دون أي كلام أو جمل وداعية أو دموع تذرف .عاد الجميع إلى غرفهم ودبت الحياة العادية في دارهم مرة أخرى . أدارت نزهت رأسها بين وجوههم لعل أحدهم يتفوه بكلمة أو تعليق بشأن هذا اللغز الذي أقلقها عاماً كاملاً دون جدوى .
بعد سنوات من ذلك الحادث ، سألت نزهت ذات يوم خالتها الصغرى عن ماهية ذلك الشاب والفتاة الغريبين . فأخبرتها أنه كان أحد رموز الحزب الشيوعي العراقي ومحكوم عليه بالإعدام وقد أخفاه العم جعفر الذي كان هو الآخر شيوعياً قيادياً في شقته وطلب من الجميع الحفاظ على ذلك السر . أما الفتاة الشابة فحسب علمها كانت خطيبته ، وتمكن الحزب من توفير فرصة له للهرب إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك حيث استقر وتزوج هناك .
حتى هذه اللحظة ، تود نزهت لو أنها تعرف ما آل إليه مصير تلك الفتاة التي كانت تخاطر بحياتها بمجيئها إلى البيت الكبير لزيارة خطيبها المتخفي في دار أناس غرباء لا يمتون لهما بصلة قرابة ولو من بعيد ، فأهل الدار كرد فيليين وهما عرب . ولماذا خذلها ذلك المبدئي ولم يبقى وفيا لها ؟ في الحقيقة ، كان ذلك الرجل في تلك الفترة من الزمن بحكم الشبح ليس لنزهت وحدها بل للجميع ، ولكن شبح أحمر .