الرئيسية » شخصيات كوردية » رشيد علانه رحلة وفاءمع الغناء الكوردي

رشيد علانه رحلة وفاءمع الغناء الكوردي

مِنْ يتابع أخبار الفنّ والغناءِ الكورديين في ديركا حمكو منذ الأربعينياتِ من القرن الماضي وحتى يومنا هذا سيلاحظ تأثير عائلة (علانه) العميقة الجذورِ في الغناءِ الكوردي من حيثُ اللحن والكلام والأداءِ , وسيلحظُ بشكل جلي وواضح تفاني هذه العائلة في خدمةِ الغناءِ والأدبِ الكورديين, وما يميّزُ هذه العائلة هو توارث جميع أفرادِ العائلة لهما وتسليمِ كلّ جيلٍ راية الخدمةِ للجيل الذي يليه, وهذا بحدّ ذاته شهادة لايمكن أن نغفلها عن هذه العائلة. وعن تسميةِ (علانه) أكدت الأسرة أنّ والدهم الأكبر كان اسمه (علي) ولكن النّاسَ كانوا ينادونه علانه حتى غلب الاسم على كلّ أفراد العائلة يحملها جيل من الجيل الذي سبقه.
وممّا لاشكّ فيه أنّ هذا الفضلَ يعودُ لكبارِ العائلة الذين حملوا الأمانة إلى أبنائهم بكلّ فخرٍ واعتزاز, وعلى رأسهم المرحوم أحمد علانه عميد العائلة الذي ظلّ حتى السّنواتِ الأخيرة من عمره المديد والذي بلغ الـ(117) عاماً يعزفُ على الزّرنايه شتّى أصنافِ الغناءِ الكورديّ وقد عاصرَ أجيالاً من الكوردِ وهو يدخلُ البهجة والمسرّة إلى نفوسهم ويجعلهم يرقصونَ ويتراقصون طرباً ونشوة. ومن ثمّ يأتي المرحوم ( رشيد علانه) الذي فارقنا يوم الأربعاء الماضي 4-6-2008 بعد رحلة وفاءٍ طويلة قضاها في ربوعِ الغناءِ الكورديّ الأصيل ,رحلَ عنّا هذا الرّجلُ الشّهمُ والتّقي والصّبورُ والهادئ ,بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض الذي لازمه دون أن يتمكن من انتزاع آهةٍ أو حسرةٍ منه وباعترافِ زوجته وأولاده الذين أكدوا أنّه ظلّ حتى السّاعاتِ الأخيرةِ من عمره يقاومُ المرضَ الذي ألمّ به بقوّةِ إيمانه وصبره اللامحدود.
غنّى رشيد علانه كلّ أنواع الغناءِ الكوردي الفلكلوري والتّراثي وظلّ مخلصاً ,أميناً لها, لايفارقها لحظة وقد صنّفَ لي ابنه (بهزاد) أنواع الأغاني الثلاث التي كان يؤديها وهي:
سري لي(Ser.l,): ويدور هذا النّوع من الغناء حول الصّراع بين الخيرِ والشّرّ, والصّراع بين الأضداد في كلّ شيء.
بهيزوك (Peh,zok):ويدور حول النّدم والأسفِ والحزن, ومن أهمّ فروعه (حيرانوك)=Heyranok: ويحكي قصص العشق والعشّاقِ وفشلهم في حبّهم ووجدهم وشوقهم ولوعتهم.
بيلوته: ( B,lote): ويتضمن أغاني الرّقص والفلاحة والحصادِ وغيرها.
ويؤكّد ابنه بهزاد أنّه كان يعشقُ الغناء الرّومانسي ويعتمدُ اعتماداً كبيراً على الوصف والتّشبيه فكان مثلاً يشبّه الشّيبَ بالثّلج الأبيض, والحبيبة بالوردة ومن أهمّ أغانيه التي كانت قريبة إلى نفسه ويردّدها باستمرار ( سينم, لافج: Lavij ,حيران.
ولد رشيد علانه عام 1935 في شرفية التّابعة لجبال بوتان ,توفي والده وهو طفلٌ صغير فانتقلَ مع أمّه عائشة وأخته رحيمة إلى بيت خاله الحاج عبد الرّحمن حسن في دشتا لاله , بينما انتقل إخوته صبري الابن البكر وأحمد إلى جزيرة البوتانيين عند أخوالهم كذلك لأنّ والدهم علي (علانه) كان قد تزوّج بأكثر من امرأة وكان أخوه صبري يعزف على الزّرنايه ولكنّه كان مطرب الجزيرة البوتانية فقط لم يكن يدعوه ليعزف في منطقةٍ أخرى لما كان يتمتّع به من شعبيةٍ وتقديرٍ في الجزيرةِ .
أمّا رشيد فقد بدأ أخواله بالاهتمام بموهبته في الغناء وميله إليه فتتلمذ على يد خاله يوسف عزير وفي الخمسينيات هاجر منطقته وحط به الرّحال في قرية موزَلان, ثمّ انتقل إلى كلها صالح تاج الدّين ومن هناك تحوّل إلى قرية بورزة وكان المستشار الفرنسيّ قد منحهم قرية حبّ الهوى ملكاً لهم ولكنّه ترك كلّ ذلك وعاد من جديدٍ إلى أهله وأبناءِ منطقته وهناك تزوّج بالسّيدة ميرانه سليمان ومن جديد دفعته رياح الحنين فعاد إلى مسكنه الثّاني حيث استقرّ به المقام في ديركا حمكو التي احتضنته ورعته بحبّ وعطفٍ وما زالت أسرته تعيش في ديرك التي يرون فيها الأمّ الحنون والقلب الوفيّ .
تحدّث أهله عن ذاكرته القويّة التي كانت تحتفظ بكّلّ ما يتعلّقُ بجزيرة بوتان وبالمناطق والقرى التّابعةِ له, كما كانت تحتفظ بأصول وفروع العشائر الكوردية القديمة والحديثة حتى قال ابنه بهزاد إنّ الشّخص بمجرّد أن يذكر اسم عائلته أو عشيرته حتى كان يبدأ بسرد تاريخها وبطونها ومسكنها. والشّيء الثالث والأهمُ أنّ ذاكرته كانت تحتفظ بالكثير الكثير من القصص والرّوايات التّاريخية والخيالية والواقعية كذلك.
ولدى الحديثِ عن عائلةِ علانه الفنيّة لابدّ من التّوقفِ عند اسم عفدو علانه الابن البكر لأحمد علانه والذي بدأ الغناء رسمياً في الحفلاتِ والأعراسِ في منتصف السّتينيات من القرن العشرين واستمر حتى منتصف الثمانينياتِ تقريباً , وقد نال شهرة جماهيرية واسعة حتى صار مطربَ ديريك الأوّل لسنواتٍ طوال .
وأبرزُ ما التقتطه ذاكرة طفولتي عن هذا الفنّان أنّه حين كان يغنّي كان يطربُ وكان الشّبان والفتياتُ يتمايلونَ نشوة وفرحاً على أنغامه وحينما كان يبدأ بأداءِ أغنية (Welat. Me Kurdistane) كان معظمُ الرّاقصين ينزلون الأيدي المتشابكة ويبدؤون بالتّصفيق وهم يتابعونَ رقصهم إلى أن ينتهي من هذه الأغنية الخالدة لتبدأ الأيدي تتشابكُ من جديد متممة حلقة الرّقص.
من أشهر تلامذة عبدو ابنه علي علانه الذي اشتهرَ لفترةٍ طويلة ولكنّه اختفى عن الأنظار فيما بعد على الرّغم من أنّه يمتلكُ صوتاً حنوناً وسلساً ويعزفُ على أكثر من آلةٍ موسيقيةٍ, وكذلك الفنّان الشّعبي جمال سعدون الذي رافقَ عفدو منذ طفولته وتأثرَ به كثيراً وما زالَ يصدحُ بصوته العذب حتى اليوم.
ولأنّ الفنّ والغناء عند هذه العائلة متوارثٌ وأصيلٌ فقد تخصّصَ معظمُ شبابها للفنّ الكردي حتى أنّهم حملوه معهم إلى بلادِ الغربة التي هاجروا إليها ومن أبرزهم محمد سليم وبشير ورمضان وحاجي علانه وغيرهم.
وفي ديرك مازالَ أبناءُ أحمد علانه (لافج :Lavij, هجال:( Hejal يعزفون على الزرنايه ويدقون على الطّبل ويشاركونَ في كلّ المناسباتِ الخاصة والرّسمية والأهمّ من كلّ ذلك أنّهما يحتفظان بالأرشيفِ الكامل للرّاحل رشيد علانه ( حياته, أخباره, فنّه, الأغاني التي كان يردّدها…) وكذلك راكان ابن عفدو .
بقي أن أقول إنّ رحيل رشيد علانه كان خسارة لديرك وللفنّ الكوردي , وأتمنّى أن نتعاون لنحافظ على ما تركه لنا هذا الفنّان الوفيّ الذي عاشَ في الظلّ ومات في الظّل لنعيدَ له جزءاً من حقه الضّائع.