الرئيسية » مقالات » مجلس النواب وبوادر اصطفافات سياسية جديدة

مجلس النواب وبوادر اصطفافات سياسية جديدة

ما جرى في جلسة مجلس النواب بجلسته يوم 22/7/2008، انتكاسة سياسية لقوى العملية السياسية العراقية، بعد “إقرار” قانون انتخابات مجالس المحافظات بعدد هو اقل من نصف عدد نواب المجلس وفق البيان الرئاسي.. إن أجواء تلك الجلسة الصاخبة، لم تكن بعيدة عن التوقع، حيث سبقتها أيام حفلت بإشارات دالة على أن شقة الخلاف على تطبيق المادة 140 من الدستور الشاملة لمعضلة كركوك، تتسع وتأخذ طابع صراع بالغ الحدة، فخلالها انطلقت من الجانب الكردستاني تصريحات لا تتصف بالمسؤولية ولا تخدم قضية الشعب الكردي خاصة، وبقية أبناء الشعب العراقي عامة، بل وتوفر ذرائع لخصوم تلك القضية العادلة، وتفصح عن نوايا لم تكن مصرحة من قبل. نائب عن التحالف الكردستاني يهدد بسحب الوزراء الأكراد من حكومة المالكي بهدف الضغط لتطبيق المادة 140، و يصرح في التاسع من تموز في أربيل بالقول ” عندما يتقوى العرب ويشكلون جيشا قويا سينعكس الوضع ضد الأكراد، وسوف لا يمنح أي شيء لهم”!!!. فيما هدد رئيس مجلس محافظة كركوك بقطع النفط عن سائر أرجاء العراق إذا استمر تدخل البرلمان المركزي في العملية الانتخابية!!. وبمقابل هذه الدعاوى المتشنجة، كان عدد من التكتلات المنافسة والنواب يستعد “للانتقام” ويتحين الفرصة المناسبة لرد الصاع للكتل والقوى التي صوتت لصالح إقرار قانون الأقاليم يوم الحادي عشر من تشرين الثاني العام 2006.

إن الاتهامات المتبادلة حول شرعية التصويت وعدم شرعيته، ودستورية الجلسة وعدم دستوريتها، وتزوير العملية التصويتية ونزاهتها، كشفت مستوى من الصراع وعن اساليب خوضه، أساليب أضرت بالسمعة السياسية للكتل النيابية، وأكدت مرة أخرى أن المصالح الفئوية الخاصة ،فعلا، هي خطوط حمراء لدى هذه الكتل، أما مصلحة الوطن العليا وهو في أولى خطوات معافاته، وبوادر الانفتاح العربي والعالمي عليه، فليس ذي بال.

كما أعادت حدة الخلاف بين الكتل السياسية إلى الأذهان مفردات التخوين والشتم السياسي التي اتسم بها خطاب النظام السابق الاعلامي بوصف المختلفين معه أو المعارضين له، حقا أو باطلا، بأنهم “شوفينيون و عملاء للأجانب أو منفذي أجندة خارجية”، و وصل الأمر إلى ” كسر العظم ولوي الأذرعة “. ومثل هذا الأساليب لا تنم عن ارتقاء بالأداء السياسي بل هو جزع بالمخالف بالرأي أو بوجهات النظر أو المصالح، وهذا ما يتنافى مع الممارسة الديمقراطية التي بدأ سياسيونا يتقبلونها ولو على مضض.

إن خطورة أسلوب تمرير قانون انتخابات مجالس المحافظات بتلك الصيغة الفهلوية، أمر ينبغي معالجته بالحوار المسؤول الذي تتطلبه استثنائية وضع مدينة كركوك وتعقيداتها، وبما يؤمن حصة المرأة في مجالس المحافظات والاقضية والنواحي بنسبة 25% من المقاعد، وضمان تمثيل عادل للأقليات القومية و الدينية والأحزاب الصغيرة. مع التأكيد على أن ما جرى في تلك الجلسة، يؤشر إلى بوادر اصطفافات سياسية جديدة تخرج من تأطير التمثيل السياسي للشعب العراقي وحصره بالوصف الطائفي والاثني بمكونات ثلاثة شيعية وسنية وكردية. أما مبدأ التوافق أي “المحاصصة” المتفق عليها و الذي اعتمد نهجا بين القوى السياسية لتخطي المرحلة الحالية الملتبسة، فهو بحاجة إلى إعادة تقييم ودراسة، وسوف يتعرض البلد إلى انتكاسات سياسية أخرى إذا لم تتخل تلك القوى عن نهج اغتنام الفرص لتحقيق مصالحها الخاصة، والقناعة بقدر مقبول من الثقة المتبادلة بين جميع الكتل السياسية، ثقة بدونها سيظل هاجس التربص والعقلية الكيدية، حاضرين عند أي منعطف سياسي هام يمر بها الوطن، وما أكثر المنعطفات القادمة في بلد يحبو على طريق الديمقراطية وينوء تحت وطأة مخلفات الأنظمة الدكتاتورية والحروب.