الرئيسية » مقالات » لماذا يناصر الفلسطينيون دائما أشد الحكام وحشية؟

لماذا يناصر الفلسطينيون دائما أشد الحكام وحشية؟

ربما أثار هذا السؤال حفيظة البعض خصوصا أولئك الذين بعثوا إلي برسائل استنكار لموقفي المكتوب على صفحات موقع “أمين” المؤيد بشدّة للمحكمة الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير.

ولعل مثل هذه الرسائل تزيدني اقتناعا بأن الفلسطينيين عموما إنما يؤيدون الحكام العرب كلما ازدادت ممارساتهم الإجرامية بحق شعوبهم. ولعل ما أقوله لا يحسب من باب توجيه الاتهام بقدر ما يستند إلى الحقائق المعروفة التي يمكنني البرهنة عليها بالملموس. إذ ليس من قبيل المصادفة مثلا أن تعم الشارع الفلسطيني المظاهرات المؤيدة للديكتاتور المقبور صدام حسين وأن ترفع صوره المرفقة بالهتافات المؤيدة له في أكثر من مناسبة، على الرغم من كل ما ارتكبه بحق شعبه من مجازر دموية، وبرغم أنه صاحب الفضل في فتح شهية الولايات المتحدة والغرب للتدخل المباشر في المنطقة العربية. وليس من قبيل المصادفة أيضا، أن تجد الكثير من الأقلام الفلسطينية التي وقفت ضد المحكمة الدولية لقتلة الحريري، كما ليس مصادفة أن ترتجل بعض الأقلام الفلسطينية ما يشبه الخطب الرنانة للدفاع عن الديكتاتور السوداني في وجه المحكمة الدولية.

وفي تقديري أن سبب هذه الظاهرة المقلقة فلسطينيا لا يعود، كما يدعي هؤلاء المدافعون، إلى ازدواجية معايير المحكمة الدولية، لأنك إذا سألت أي فلسطيني عن موقفه من القرارات الدولية التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من المناطق الفلسطينية المحتلة فإنه سيجيبك على الفور أنه مع تطبيق هذه القرارات، لا بل أن جلّ مطالب الفلسطينيين تنصب عمليا على ضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية على إسرائيل. فنحن كفلسطينيين على ما يبدو مع تطبيق هذه القرارات إذا كانت تصب في مصلحتنا، ونحن ضدها على طول الخط إذا أصابت ديكتاتورا ومجرما من قبائلنا العربية.

نعم ، ولنقلها صراحة وهي أننا نحن أيضا انتقائيون في رؤيتنا لقضية العدالة، وأننا نمارس أيضا ازدواجية المعايير التي عادة ما نلصق بها الغرب، وأننا، فوق هذا وذاك، نتعامل بروح القبيلة والعشيرة إذا ما تعرض مجرم عربي للمساءلة بسبب ما اقترفت يداه، وتثور ثائرتنا إذا ما تعرض هذا الحاكم للتهديد، بينما نصمت صمت الحملان على تقترفه يد هذا الديكتاتور أو ذاك بحق شعبه. لم نقرأ يوما لتلك الأقلام التي انبرت للدفاع عن الحكام المجرمين، ولو من باب رفع العتب، دفاعا واحدا عن ما تعرض له مثلا شعب العراق من مذابح على يد صدام حسين. ونادراً ما قرأنا لكاتب فلسطيني ولو من باب الانتقاد الخجول كلمة حق على ما ارتكب في السودان من مذابح بحق السودانيين. ليس هذا فحسب ، بل أن مستوى النرجسية الفلسطينية قد وصل حدا لا يطاق، إذ بتنا نعتبر قضيتنا هي القضية الوحيدة العادلة، وأن شعوب المنطقة العربية التي تتعرض إلى القتل والسحل والاغتصاب على يد بعض حكامها لا تستحق التأييد ولا التعاطف، وأنه لا يجوز لها أن تصرخ من الألم ولا يجوز لها أن تحاكم جلادييها. فقط نحن كفلسطينيين في هذه المنطقة من يتعرض للتنكيل، وفقط نحن الضحايا!!!.

ولنقلها إذاً بصراحة أن ما دفعه سكان دارفور من ضحايا بلغت ما بين 300 ألف إلى 400 ألف قتيل لا يوازي عدد كل الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا منذ ستين عاما وحتى الآن على يد إسرائيل، وأن ما تعرضت له نساء دارفور من اغتصاب على يد قوات الجنجويد المدعومة من قبل حكومة البشير، هن أكثر بآلاف المرات من النساء الفلسطينيات اللواتي تعرضن للاغتصاب من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأن الجوع الذي تعرض له الشعب السوداني كله على يد حكامه، لم يتعرض لا الشعب الفلسطيني ولا أي شعب آخر. ترى أليس هؤلاء الضحايا من البشر؟

ربما كان من حقنا أن نتساءل من أين نستمد الحق في الاستخفاف بعذابات لآخرين ؟ ومن الذي أعطانا الحق في الاستهانة بالضحايا من شعوب المنطقة؟ ولماذا نناصر على طول الخط المجرمين والقتلة؟ وكيف لنا أن نطالب العالم باحترامنا ونحن نعلن على الملأ وقوفنا إلى جانب الجلادين؟ لا يا سادتي فنحن لسنا أرقى شأنا من أهالي دارفور، كما أن قضايا كل شعوب المنطقة مهمة بمقدار ما هي قضيتنا مهمة. فعندما يتعرض الإنسان للانتهاك والاعتداء على حياته ومستقبله، فلا يهم من هو الفاعل لأن الفعل نفسه هو ما يجب أن يدان أيا كان الفاعل. فالقتل لا يتحول إلى شيء وردي وجميل ومسموح به لمجرد أن من قام به هو من أبناء جلدتنا، والمرأة المنتهكة في شرفها لا تصرخ ولا تشعر بالعار عندما تتعرض للانتهاك من محتل ولا هي تصمت وتبتلع الإهانة، لأن من اعتدى عليها وعلى شرفها هو ابن بلدها. فالجريمة جريمة سواء أقام بها محتل أو قريب. فالقتل جريمة بغض النظر عن مرتكبه، والتشريد أيضا جريمة لا يخفف منها إذا ما قام به محتل أو ابن البلد. وكذلك التجويع والترويع.

قضيتنا عادلة هذا أمر لا يحتاج إلى كثير جدل، ولكن هذا لا يعني في مطلق الأحوال الاستخفاف بعدالة قضايا الآخرين ، وكوننا ضحايا لا يعفينا من رؤية بشر آخرين هم بالمقدار نفسه ضحايا أيضا.

صحافية فلسطينية مقيمة في فيينا