الرئيسية » مقالات » ما بعد مرحلة الاستقطاب الدولي يأتي عصر اللاقطبية

ما بعد مرحلة الاستقطاب الدولي يأتي عصر اللاقطبية

نشرت مجلة الشؤون الخارجية” فورين آفيرز” أيار/ حزيران 2008 مقالاً بقلم ريتشارد هآس The Age of Nonpolarity : What Will Follow U.S. Dominance,” Foreign Affairs N 87 (May/June 2008) Richard Haass من العالم الأحادي القطبية إلى عالم اللاقطبية : ماذا بعد الهيمنة الأمريكية

Du monde unipolaire au monde apolaire: Foreign Affairs Mai/ Juin 2008
quoi après l’hégémonie américaine

بين زيارة جورج دبليو بوش الأولى لأوروبا قبل سبع سنوات وزيارته الوداعية الأخيرة التي قام بها قبل أيام تغير وجه الكوكب كثيراً وكان العالم قد خرج للتو من الثنائية القطبية وصراع الإمبراطوريات. والمعروف أن لكل إمبراطورية ذروة وهبوط هكذا علمنا التاريخ وهذا ما كرسته نظرية بول كندي في صعود وانحدار الأمم والإمبراطوريات. فما الذي سيعقب الهيمنة الأمريكية باعتبارها آخر الإمبراطوريات البشرية الباقية في القرن الواحد والعشرين ؟
إن السمة الرئيسية الغالبة على طبيعة العلاقات السائدة حتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ترنو كما يبدو نحو اللاقطبية ، أي نحو عالم لاتهيمن عليه قوة واحدة منفردة بالسلة ولا دولة غالبة أو دولتان عظميان متنافستان ولا حتى بضعة دول عظمى قليلة متقاربة في القوة والحجم ، وإنما عشرات الفاعلين على المسرح الدولي ممن يمتلكون أنواعاً مختلفة من القوة ، وهذا بحد ذاته يشكل تحولاً بنيوياً عن مرحلة الماضي الذي وسم القرنين التاسع عشر والعشرين المنصرمين.
بدأ القرن العشرين بتعدد الأقطاب على نحو متميز. ولكن بعد نصف قرن، وبعد حربين عالميتين ، وعدد لايحصى من الصراعات والحروب الإقليمية والمحلية الأصغر حجماً، والتي لاتقل خطورة عن الحروب الكبرى، برزت صيغة ثنائية القطبين. بيد أنه ، وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار القطب الثاني المؤثر والمقصود به الاتحاد السوفيتي، تخلت صيغة الثنائية القطبية عن عرشها وأفسحت المجال أمام تتويج صيغة القطب الواحد . وهكذا برز إلى الوجود نظام دولي جديد أحادي القطب تهيمن عليه قوة واحدة، وكانت هذه القوة البارزة الوحيدة هي الولايات المتحدة الأمريكية التي صارت تتصرف بطبيعة الحال كقوة إمبراطورية مهيمنة ومتغطرسة. ولكن، وبعد أقل من عقدين من الزمن ، تبعثرت هذه القوة المخيفة وتشتت قدراتها وتكاثرت أمامها التحديات، ونشأ ما يمكن تسميته بداية لعصر اللاقطبية الذي صار يطرح عدداً من الأسئلة: كيف وبماذا تختلف اللاقطبية عن أشكال النظام الدولي التقليدية الأخرى؟ كيف ولماذا تجسدت هذه الصيغة البديلة؟ ماهي نتائجها المحتملة ؟ وكيف سترد عليها الولايات المتحدة الأمريكية؟
هل بالإمكان نشوء نظام عالمي جديد؟
على عكس التعددية القطبية، التي تشمل أقطاباً متعددة ومتمايزة وعدد من مراكز القوى الدولية، فإن نظاماً دولياً لاقطبياً سيتسم بمراكز متعددة شبه متعادلة لها قوة ذات معنى وتأثير. ففي نظام متعدد الأقطاب لامكان لقوة تهيمن وحدها وإلا يصبح نظاماً أحادي القطبية. كما لا تدور مراكز القوى حول موقعين وإلا سيصبح النظام ثنائي القطبية. ولا مجال لنظام دولي واحد ذو عدة أقطاب ، بل أنظمة متعددة الأقطاب يمكن أن تتعاون فيما بينها ، بل ويمكنها التنسيق بين بعضها لبعض وتأخذ على عاتقها إيجاد صيغة انسجام القوى المتعددة المعروفة باسم “كونسورتيوم” تلعب بداخل هذا الكونسورتيوم ، باعتبارها بضعة قوى رئيسية ، دوراً قيادياً وتعمل على تأسيس قوانين اللعبة وتأديب ومعاقبة الذين ينتهكونها . وهذا لايمنع أن تكون هذه القوى ” الرئيسية” متنافسة فيما بينها ، بيد أنه تنافس يدور حول توازن القوى، أو تنافس تصارعي قي حالة انهيار التوازن القائم بينها.
يبدو العالم اليوم للوهلة الأولى وكأنه عالم متعدد الأقطاب. فالقوى الكبرى فيه و هي : ـ الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا الاتحادية،الاتحاد الأوروبي،الصين، الهند،اليابان، تضم أكثر من نصف سكان العالم، وتشكل 75% من الناتج القومي العالمي، و 80% من الإنفاق الدفاعي العالمي. ولكن قد يكون هذا المظهر الخارجي خادعاً. في الواقع إن عالم اليوم يختلف بطريقة جوهرية عن العالم الكلاسيكي المتعدد الأقطاب الذي عرفته البشرية في سياق تاريخها المعاصر. ففي العالم اليوم توجد أقطاب ومراكز قوى قوية وكبيرة ومتحكمة في حركة العالم لكنها ليست دولاً، بل هي أقوى بكثير من العديد من الدول القائمة على المسرح الدولي كالشركات العملاقة المتعددة الجنسيات على سبيل المثال لا الحصر. إن إحدى السمات البارزة والأساسية البالغة الأهمية للنظام الدولي المعاصر هي أن الدول ـ الأمم أو الدول ـ الأوطان L’Etats Nations قد خسرت احتكارها للقوة كما فقدت في العديد من الميادين والمجالات تفوقها أيضاً. إذ يمكن تحدي الدول من فوق من قبل منظمات إقليمية أو دولية، ومن تحت ، من قبل ميليشيات وقوى مسلحة خارجة عن سلطة وسطوة وسيطرة الدولة، ومن الجوانب ، من قبل شبكة من المنظمات غير الحكومية الـ ONG والشركات العملاقة والمنظمات السرية كالماسونية، فالقوة المؤثرة موجودة حالياً في أيدي وأماكن عديدة بعضها سري للغاية بما يشبه حكومة اليد الخفية .
ولو عدنا إلى الخارطة الجيو ـ سياسية المعتمدة اليوم في الدراسات والتحليلات نجد أنه، بالإضافة إلى القوى العالمية الكبرى الست المشار إليها أعلاه، هناك عدد من القوى الإقليمية الفاعلة على المسرح الدولي، كالبرازيل والأرجنتين والتشيلي والمكسيك وفنزويلا وكوبا في أمريكا اللاتينية، وكذلك نيجيريا وجنوب أفريقيا في أفريقيا، بالإضافة بالطبع إلى مصر وإيران وإسرائيل وتركيا والعربية السعودية في الشرق الأوسط، إلى جانب الباكستان في جنوب آسيا وأستراليا وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية في شرق آسيا. كما أن هناك منظمات راسخة يمكن إدراجها على قائمة مراكز القوى الدولية منها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة ، وبجانبها مراكز قوى إقليمية كالاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ورابطة دول جنوب شرق آسيا ومنظمة الدول الأمريكية والاتحاد الأوروبي والرابطة الآسيوية الجنوبية للتعاون الإقليمي والـ OCDE ، ومنها تلك المنظمات ذات السلطة المعنوية كالوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الدول المصدرة للنفط أوبك ومنظمة تعاون شنغهاي ومنظمة الصحة العالمية . وهناك ولايات تتصرف كدول داخل الدولة الأم كولايتي كاليفورنيا ونيويورك في أمريكا وولاية يوتار براديش في الهند وسان باولو في البرازيل وشنغهاي في الصين . وهناك بالطبع الشركات العالمية الكبرى خاصة تلك التي تهيمن على سوق الطاقة العالمية وأسواق المال والصناعات والتكنولوجيا والاتصالات . وهناك منابر إعلامية هي بحق مراكز قوى توجه الرأي العام العالمي وتؤثر عليه، وهي بمثابة سلطة موازية، كالقنوات الفضائية مثل الجزيرة والسي أن أن والـ بي بي سي على سبيل المثال، وشبكة الانترنيت العنكبوتية التي تربط العالم ببعضه وتجعله قرية كونية . هذا عدا ذلك الكم الهائل من التشكيلات والتسميات التي باتت معروفة ومؤلفة لدى مسامع الرأي العام كالميليشيات مثل حماس وحزب الله وجيش المهدي وطالبان، وأحزاب سياسية ومؤسسات وحركات دينية ومنظمات إرهابية وأشهرها القاعدة، وكارتل المخدرات والمافيات ومنظمات الجريمة المنظمة ، وأيضاً منظمات غير حكومية مفيدة كمؤسسة بيل وميليندا غيتس صاحب ميكروسوفت العملاقة ومنظمة أطباء بلا حدود ومنظمة مراسلون بلا حدود وغرين بيس الخ … وهكذا فإن عالم اليوم، وعلى نحو متزايد ومتصاعد، عبارة عن قوة موزعة ومشتتة بدلاً من قوة مركزة وموحدة.
في هذا العالم ، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة عنقود القوة الكلية الأكبر، وستبقى إلى أمد طويل نظراً لإمكاناتها الهائلة وقدراتها الكامنة والظاهرة. فهي تنفق أكثر من 500 مليار دولار سنوياً على جيشها وأكثر من 700 مليار دولار إذا أدرجنا في الحساب نفقات العمليات العسكرية التي تخوضها في أفغانستان والعراق. وهي تفتخر بامتلاك القوات البرية والبحرية والجوية الأكثر قدرة في العالم. واقتصادها هو الأكبر عالمياً رغم الأزمات والعجز الدائم ، مع ناتج قومي إجمالي يبلغ حوالي 14 ترليون دولار وليس له موازي أو منافس سوى الاتحاد الأوروبي على المدى المنظور. ولا ننسى أن الولايات المتحدة الأمريكية مصدر للكثير من مصادر الثقافة والترفيه من خلال الأفلام والتلفزيون، ومصدر للمعلومات والعديد ن الإبداعات والتكنولوجيا المتطورة والمخترعات والأجهزة المتقدمة. والحال أن واقع هذه القوة الأمريكية الجبارة لايغطي على الانحدار النسبي لموقع الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. ويرافق هذا الانحدار النسبي البطيء انحسار موازي للنفوذ . إن حصة الولايات المتحدة الأمريكية من الواردات العالمية قد انخفضت إلى 15% بالرغم من أن حسابات الناتج القومي الإجمالي وصلت إلى أكثر من 25% من مجموع الناتج الإجمالي العالمي، وهي نسبة مرشحة للمزيد من الانحدار مع مرور الوقت بسبب التباين الفعلي والبارز بين معدل التنمية الأمريكي مقارنة مع معدلات التنمية التي تشهدها العمالقة الآسيوية وبلدان أخرى عديدة وصلت نسبة النمو في بعضها إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف النسبة التي حققتها الولايات المتحدة الأمريكية.
يمكن اعتبار الناتج القومي الإجمالي بالكاد المؤشر الوحيد للذهاب بعيداً عن الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وهناك مؤشر آخر يتمثل بصناديق التمويل الوفيرة المستقلة في دول كالصين والكويت وروسيا والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فموارد الثروات الطبيعية المسيطر عليها حكومياً ، وأغلبها ناتج عن الصادرات النفطية والغاز ، تصل اليوم إلى ما مجموعه 3 تريليون دولار . وهذه البلدان تنمو بنسبة ظاهرية هي تريليون دولار سنوياً وتعتبر مصدراً هاماً للسيولة النقدية بالنسبة لشركات أمريكية. فأسعار الطاقة المرتفعة التي تتغذى باستمرار بسبب الطلب الصيني والهندي المتزايد دوماً، ستبقى كذلك لفترة من الوقت ، ما يعني بأن حجم وأهمية هذه التمويلات سيستمران بالنمو. أما أسواق العملات “البورصات” المالية البديلة فهي تقفز وتسحب الشركات بعيداً عن سوق التبادلات الأمريكية وتتجرأ على إطلاق عروضات عامة مبدئية IPOs . إن سوق لندن المالي بالتحديد باتت تنافس نيويورك على موقع ومكانة المركز المالي للعالم وهي متفوقة الآن بما يتعلق بالـ IPOs التي تستضيفها أو المودعة لديها. وقد ضعف الدولار وانخفضت قيمته التداولية في مقابل العملة الأوروبية الموحدة اليورو والجنيه الاسترليني الإنجليزي ومن المرجح أن تنحدر قيمته مقابل العملات الآسيوية الأخرى أيضاً كالين الياباني . فأكثرية عمليات التبادل الخارجية للعالم تتم اليوم بعملات بديلة غير الدولار، كما أن هناك تحركاً ما لإصدار تسعيرات للنفط باليورو أو بسلة من العملات الأخرى وهو الأمر الذي بات محتملاً حصوله اليوم ، وهي خطوة لن تؤدي سوى إلى ترك الاقتصاد الأمريكي عرضة للتضخم والركود كما سيعرضه لأزمة عملات مدمرة.
تعرض التفوق الأمريكي لتحديات أخرى في مجالات لا تقل خطورة عن المجال الاقتصادي كالفعالية العسكرية والدبلوماسية . فإجراءات الإنفاق العسكري لا تتناسب بالضرورة مع القدرة العسكرية . وقد كشفت هجمات الحادي عشر من أيلول كيف أن استثماراً صغيراً من قبل حفنة من الإرهابيين تتسبب بأضرار هائلة بشرية ومادية ونفسية ومعنوية. وأن العديد من أعقد وأغلى المعدات والقطع العسكرية المكلفة لم تعد مفيدة وفعالة ضد هذا النوع من التحديات على وجه الدقة لاسيما في الصراعات الحديثة التي حلت في ميادين الصراع المدينية ( وسط المدن) بدلاً من ساحات المعارك التقليدية. ففي بيئات كهذه يمكن لعدد كبير من الجنود المسلحين بشكل خفيف أن يثبتوا أنهم أكثر فعالية وقدرة وندية من مجموعة جنود مسلحين بأسلحة متطورة ومعقد ومدربين بشكل أفضل إذا كان القتال يدور في ساحات مكتظة بالسكان وسط الأحياء السكنية ضد مجموعة من الميليشيات المسلحة بالأسلحة الخفيفة .القوة والنفوذ أصبحتا أقل ارتباطاً ببعضهما في حقبة عالم اللاقطبية. فدعوات الولايات المتحدة الأمريكية للآخرين للقيام بالإصلاح لن تجد آذاناً صاغية ولم تعد برامج المساعدات المالية الأمريكية ترشو الكثير من الزعامات ، كما أن العقوبات التي تقودها أمريكا ستحقق نجاحاً أقل بكثير مما ينتظر منها أو يتوقع . وقد أثبتت الصين أنها أكثر قدرة من أمريكا للتأثير على برنامج كوريا الشمالية النووي. لم يكن بوسع أمريكا وحدها الضغط على إيران ، وقد تعززت قدرة واشنطن على الضغط على طهران بفضل مشاركة بلدان أوروبية غربية مهمة كألمانيا وفرنسا وبريطانيا ، كما ضعفت قدرة واشنطن في التأثير في هذا الملف الحساس بسبب تردد الصين وروسيا في فرض عقوبات على إيران. وقامت بكين وموسكو بالتخفيف من الجهود الدولية للضغط على الحكومة في السودان لإنهاء حربها في دارفور. وقد برهنت الباكستان على قدرتها على مقاومة المناشدات الأمريكية لها بمحاربة التيارات الإسلامية المتطرفة فيها ، كما هو حال إيران وكوريا المالية وفنزويلا وزيمبابوي وكوبا.
إن اتحدي يمتد إلى مجالات أخرى تتفوق فيها الولايات المتحدة في الوقت الحاضر كما هو الحال في عالمي الثقافة والمعلومات. فبوليوود الهندية تنتج أفلاماً أكثر من هوليوود في السنة الواحدة أما بدائل البرامج والمسلسلات التلفزيونية الأمريكية فتتزايد باستمرار إنتاجاً وتوزيعاً من أوروب والمكسيك وتركيا وغيرها. وتوفر الصفحات والمواقع الالكترونية من بلدان أخرى منافسة أكبر بالنسبة للتعليقات والتحليلات والأخبار المنتجة أمريكياً ويمكننا القول أن إنتشار المعلومات هو أحد أهم أسباب اتساع اللاقطبية بقدر ما هو انتشار السلاح.

ودعاً لأحادية القطب :

كان شارل كروثامير محقاً أكثر مما يدرك عندما كتب قبل عقدين من الزمن في هذه المجلة ذاتها عما أسماه آنذاك بـ ” لحظة القطب الواحد” كانت الهيمنة القعلية في ذلك الوقت حقيقية، لكنها دامت 15 أو 20 عاماً فقط أما بالمصطلحات التاريخية، فقد كانت تلك بالفعل لحظة تاريخية، فنظرية الواقعي التقليدية كانت لتتكهن بنهاية الأحادية القطبية وبزوغ عالم متعدد الأقطاب. وعندما كانت القوى العظمى تتصرف بصفتها تلك كان ذلك أمراً معتاداً ومرجحاً، فإنها تحفز على المنافسة من قبل آخرين يخافونها أو يستاءون منها. وقد أبدى كروثامير موافقته التامة على تلك النظرية وقال:” إن تعددية الأقطاب ستأتي في وقتها حتماً ولاشك في ذلك عندما يحين أوانها. ففي جيل آخر أو ما يقرب منه ربما، ستبرز في الوقت الملائم قوى عظمى مساوية للولايات المتحدة الأمريكية وندية لها، كما أن العالم سيشبه ، من حيث بنيته وتركيبته، حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى”. إلا أن ذلك لم يحدث على رغم من طغيان وانتشار حالة مناهضة الأمركة ، فلم تبرز قوة عظمى ، أو حتى مجموعة قوى عظمى منافسة للقوة الأمريكية ومتحدية لها. والسبب يكمن في التفاوت الهائل بين قوة الولايات المتحدة وتلك التي تمتلكها أية جهة من الأعداء المحتملين والكامنين للولايات المتحدة الأمريكية. ولكن، وبمرور الوقت، قد تمتلك بلداناً كالصين ناتجاً قومياً إجمالياً يمكن مقارنته بذاك الذي لدى الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن قسماً كبيراً من تلك الثروة الوطنية والواردة للصين سيتم امتصاصها بالضرورة بسبب واجب النظام الصيني بتوفير موارد المعيشة ، ولو كانت متدنية جداً، لعدد هائل من سكان البلاد يتجاوز المليار والذي يعيش قسم كبير منه تحت عتبة الفقر ولن تكون هناك زيادات كبيرة في هذه الثروة تخصص لتمويل التطوير العسكري أو المشاريع والالتزامات الخارجية . فمهمة المحافظة على الاستقرار السياسي والانسجام الاجتماعي الداخلي خلال فترة ديناميكية متباينة وغير متكافئة وغير منتظمة، ليست مهمة سهلة على الإطلاق. وبالتالي فإن إنجاز هذه الهمة سيكون عسيراً. أما في الهند فإن الدولة تواجه عدداً من التحديات الديموغرافية ـ السكانية ـ المشابهة لتلك التي في الصين. إلى جانب المعوقات الناجمة عن البيروقراطية المتفشية وبسبب ضعف وهشاشة البنية التحتية للبلد. إن الناتج الإجمالي للاتحاد الأوروبي اليوم هو أعلى من ناتج الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن الاتحاد الأوروبي لا يعمل وفق أسلوب الدولة الموحدة فيدرالياً وهو أسلوب الدولة ـ الأمة الموحد السائد في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا هو قادر اليوم، ولا راغب، بالعمل وفق أسلوب القوى العظمى التاريخية في الحقبة الاستعمارية. وكذلك نرى أن اليابان دولة هرمة ، تعدادها السكاني في تناقص مستمر وشعبها يتقلص ويشيخ ويفتقر للثقافة السياسية الدولية مما يعوقها من لعب دورها كدولة عظمى. قد تكون روسيا اليوم أكثر ميلاً للتصرف والعمل وفق الأسلوب الجازم للقوى العظمى لأنها مازالت تحن لماضيها كأحد القطبين المسيرين للعالم. لكنها لاتزال تعيش على اقتصاد المحصول النقدي والاقتصاد الريعي من عائدات النفط وهواقتصاد مرهق بسبب انحدار تعدادها السكاني وتفاقم التحديات الداخلية كالفساد وتفشي العصابات المنظمة المعروفة باسم المافيا الروسية التي تعصف بتماسك البلاد. إن حقيقة عدم نجاح أية جهة في خلق دولة منافسة من القوى العظمى الكلاسيكية، وعدم احتمال بروز منافسة قوية في وقت قريب، يعود في جزء كبير منه لسياسة وسلوك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي لم ولن تسمح ولا أن تحفز على إثارة رد كهذا . وهذا لايعني أن أمريكا جورج دبليو بوش لم تعزل دولاً أخرى أو تعيقها ، بل فعلت ذلك بكل تأكيد. بيد أنها لم تتصرف بأسلوب يقود دولاً أخرى إلى التفكير والاستنتاج بأن أمريكا تشكل تهديداً لمصالحها الحيوية. والشكوك محقة بشأن حكمة ومشروعية السياسة الخارجية الأمريكية وعدم صوابها، إلا أن مثل هذه السياسة قادت إلى الشجب وإدانة وغياب التعاون أكثر مما قادت نحو مقاومة بحتة من دون تحفظ للسلوك الأمريكي تجاه دول العالم الأخرى.
إن الكابح الإضافي أمام بروز منافسين من القوى العظمى يعود إلى أن عدداً لابأس به من هذه القوى يعتمد على النظام الدولي القائم حالياً في تأمين رفاهيتها واستقرارها الاقتصادي والسياسي ولاترغب في التشويش على نظام يخدم مصالحها الوطنية. وهي مصالح مرتبطة بشكل وثيق بتدفق البضائع عبر الحدود وتوفير الخدمات والقوى البشرية والطاقة والاستثمارات والتكنولوجيا ، وهي تدفقات تلعب فيها الولايات المتحدة الأمريكية دوراً بالغ الأهمية. فالاندماج في العالم الحديث يخفف من صراع وتنافس القوى العظمى.
وبرغم ذلك يمكننا القول أنه حتى لو لم يبرز منافسون أشداء من القوى العظمى فإن الأحادية القطبية قد انتهت وهناك ثلاث تفسيرات لهذه المقاربة: الأول تاريخي ، فالدول تتطور وتغدو أكثر فعالية وأفضل قدرة في توليد وجمع قطع الموارد البشرية والمالية والتكنولوجية الأمر الذي يقود حتماً إلى الانتاجية والازدهار، ونفس الشيء يسري على المنظمات والشركات، ولايمكن إيقاف صعود هذه القوى الجديدة وتكون النتيجة عدد أكبر من أي وقت مضى من الممثلين القادرين على فرض النظام والنفوذ إقليمياً وعالمياً.والثاني هو السياسة الأمريكية ذاتها.فلإعادة صياغة الـ pogo ، أي نظرية والت كيللي البطل الكوميدي لما بعد الحرب العالمية الثانية ،الذي قدم تفسيراً يلتقي مع التفسير الذي نتبناه والذي يقول : بسبب مافعلته وما فشلت بفعله، سرعت الولايات المتحدة بظهور مراكز قوة بديلة في العالم وأضعفت موقعها نسبة إليهم. فسياسة الطاقة البديلة ( أو الافتقار إلى ما يتعلق بها) هو قوة مسيرة تقف خلف ظاهرة نهاية حقبة الأحادية القطبية. ومنذ صدمة النفط الأولى عام 1973 تنامى الاستهلاك الأمريكي للطاقة إلى 20% . أما الأهم فهو أن الإستيرادات الأمريكية من المنتوجات النفطية قد تضاعفت أكثر فأكثر بالحجم والكمية كما تضاعفت تقريباً نسبة الاستهلاك المئوية. والمعلوم أن هذه الزيادة في الطلب على النفط الخارجي ساعدت في دفع أسعاره إلى أعلى، فارتفع من 20 دولار ليصل قبل أيام إلى 140 دولار للبرميل الواحد في فترة تقل عن العشر سنوات. أما النتيجة الثانية فهي رافعة وفيها تم توفير ثروات تلك البلدان المنتجة للنفط وذات الاحتياط النفطي الهائل على غرار السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران وفنزويلا، وبالتالي فإن سياسة أمريكا في هذا المجال ساعدت على تقريب مسألة بروز منتجي النفط والغاز كمراكز قوى كبرى. لعبت السياسة الاقتصادية الأمريكية دورها أيضاً في هذا التحول. فالرئيس ليندون جونسون أنتقد على نطاق واسع لخوضه حرب مكلفة في فيتنام وزيادة الإنفاق المحلي في آن واحد. أما بوش الإب وبوش الإبن فقد خاضا ثلاثة حروب مكلفة مرتين في العراق ومرة في أفغانستان ما سمح للإنفاق التقديري بالزيادة بنسبة سنوية بلغت 8% ، كما قاد إلى تفاقم السياسية الضريبة واقتطاع الضرائب لمليء الميزانية .ومن هنا فقد انحدر الموقع المالي للولايات المتحدة الأمريكية من فائض مالي بلغ 100 مليار دولار سنة 2001 إلى عجز مالي بلغ 250 مليار دولار تقريباً في عام 2007 . والموضوع المتصل بهذا التشخيص هو تزايد العجز المالي الحالي بسرعة والذي يبلغ الآن أكثر من 6% من الناتج القومي الإجمالي. وهذا الأمر يخلق ضغوطاً نحو الأسفل على الدولار، ويحفز التضخم، ويساهم بتراكم الثروة والنفوذ والقوة في أماكن أخرى في العالم.ومما فاقم من هذه الحالة هو التنظيم الهزيل لسوق الرهن الأمريكي وأزمة التسليفات التي أنتجتها انعدام القدرة على التسديد في مجال العقارات. كما ساهمت حرب العراق الأخيرة 2003 في تضاؤل موقع الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. فالحرب في العراق أثبتت أنها حرب خيار غالي الثمن ـ عسكرياً، واقتصادياً، ودبلوماسياً، وبلا مردود فوري إيجابي، إلى جانب كلفتها العالية بالمصطلحات الإنسانية، أي مادياً وبشرياً. وقبل سنوات مضت حدد المؤرخ والمحلل الاستراتيجي العريق بول كندي هذه الفرضية حول ” الامتداد الإمبريالي المبالغ به ، والتي افترضت بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستنحدر في النهاية بسبب امتدادها المبالغ به ، تماماً كما حدث مع القوى العظمى والإمبراطوريات الأخرى في الماضي . وقد انتقلت نظرية بول كنيدي إلى التطبيق فوراً على الاتحاد السوفيتي ، وأن الولايات المتحدة الأمريكية ـ بالرغم من كل ديناميكيتها وآلياتها التصحيحية ـ لم تثبت مناعتها إزاء الانهيار المحتمل لهيمنتها . فليس أمراً هيناً أن الجيش الأمريكي سيحتاج لجيل كامل كي يتعافى من تأثيرات المغامرة العراقية كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تفتقر للأصول والموجودات العسكرية الكافية للاستمرار بالقيام بما تقوم به في العراق لتصل إلى بر الأمان، وهي ليست قادرة على تحمل أعباء جديدة من أي مستوى كان في أماكن أخرى في العالم لذلك عليها أن تعيد النظر وتفكر ملياً قبل الإقدام على مغامرة أخرى مماثلة في إيران مثلاً.
ويمكننا القول أيضاً، أن عالم اللاقطبية، الذي سيفرض نفسه حتماً ،ليس فقط نتيجة صعود دول وتنظيمات أخرى، أو فشل وحماقات السياسية الأمريكية فحسب، بل هو أيضاً نتيجة حتمية للعولمة التي تريد أمريكا فرضها على العالم وهنا تكمن المفارقة. فالعولمة زادت من حجم، وسرعة حركة ، وأهمية التدفقات عبر الحدود لكل شيء تقريباً ، بدءاً من المخدرات ، ومروراً بالبريد الالكتروني ، وغازات التدفئة ، والبضائع المصنعة ، والناس، وانتهاءاً بإشارات الاستقبال للتلفزيون والراديو والفضائيات والفيروسات ( الفعلية والحقيقية والافتراضية أو الرقمية) والسلاح الخ..
لذلك نستطيع أن نؤكد بأن العولمة تعزز اللاأحادية القطبية بطريقتين أساسيتين : أولاً، أن العديد من التدفقات عبر الحدود المشار إليها، تحدث خارج نطاق السيطرة الحكومية ومن دون معرفتها. وبالنتيجة تخفف العولمة من تأثير ونفوذ القوى الكبرى وقدرتها على التحكم في مصائر الشعوب والدول. ثانياً ، أن هذه التدفقات غالباً ما تعزز وتقوي قدرات فاعلين غير حكوميين ، كمصدري الطاقة( الذين يختبرون زيادة دراماتيكية في امتلاك الثروة جراء عمليات النقل من موردين)، والإرهابيين ( الذين يستخدمون الانترنيت للتدريب والتجنيد وكيفية تصنيع المتفجرات، والالتفاف على النظام المصرفي الدولي لتحريك ونقل الموارد المالية، ونظام النقل العالمي لتحريك الناس)، والدول المارقة ( التي بإمكانها استغلال السوق السوداء والرمادية )، و 500 شركة يانصيب ( التي تحرك بسرعة مذهلة فرق عملها واستثماراتها) . ومن الظاهر بشكل متزايد بأن الدول الأقوى لم تعد يعنيها امتلاك احتكار القوة إذ بات من الأسهل والأوفر ، أكثر من أي وقت مضى، بالنسبة للأفراد والمجموعات، أن يراكموا وينشروا قوة حقيقية موازية.

فوضى عالم اللاقطبية:

إن عالم اللاقطبية المتزايد سيكون له عواقب سلبية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وذلك أمر محتمل ـ وكذلك لعدد كبير من دول العالم ـ لأن هذا العالم اللاقطبي سيجعل من الصعب على واشنطن التقدم ولعب دور إيجابي بتلك الأحداث المهمة عندما تسعى لترويج ردود فعل جماعية على تحديات إقليمية ودولية. ومن الأسباب ما له علاقة بعدد كبير من الفاعلين الذين يمتلكون قوة ذات دلالة ومغزى ويحاولون فرض نفوذهم، مما يعني أنه سيكون من الصعب أكثر بناء استجابات جماعية وصنع عمل مؤسساتي دولي. فرعاية القطعان أصعب بكثير من رعاية جزء ضئيل منها. وأنصع مثال على هذا الفشل هو العجز عن توصل إلى اتفاق في مؤتمر الدوحة بشأن المحادثات التجارية العالمية.
كما أن اللاقطبية تزيد من عدد التهديدات والاستهداف والتحديات التي تواجه دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، والتي قد تأخذ شكل دول مارقة، وجماعات إرهابية منظمة ومنضبطة ، ومنتجو طاقة يختارون تخفيض إنتاجهم، أو مصارف مركزية تقرر عدم التعامل بالدولار الأمريكي مما سيؤثر حتماً على قيمة العملة الأمريكية وقوتها. فالاحتياط الفيدرالي قد يعاود التفكير مرتين قبل أن يقدم على خفض نسبة الفائدة والاستمرار بذلك، خشية أن يشارك بابتعاد أكثر عن الدولار وتفضيل الكثير من الدول والشركات عدم التعامل بالدولار، وقد يترتب على ذلك ما هو أسوء من الركود أو الكساد الاقتصادي.
وكمثال تطبيقي وعملي عما ذكرناه أعلاه فإن إيران تعتبر حالة وثيقة الصلة بهذا الموضوع. فجهودها المستميتة لكي تصبح قوة نووية هو إحدى نتائج اللاقطبية الدولية. وبفضل ارتفاع أسعار النفط الخام ، تحولت إيران إلى مركز قوة إقليمية مهمة وذات نفوذ الأمر الذي لم تكن تحلم به قبل بضعة عقود. وبالتالي غدت قوة قادرة على فرض إرادتها ونفوذها في العراق، ولبنان، وسورية، والأراضي الفلسطينية ، وغيرها من الأماكن فضلاً عن تأثيرها داخل منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك. فلدى إيران اليوم ثروة مالية ومصادر تكنولوجية وتصنيعية وأسواق عديدة لتصريف صادراتها من الطاقة ومنتجاتها المدنية والعسكرية. وبسبب اللاقطبية ليس بوسع الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدبر شأن إيران لوحدها . ووجدت واشنطن نفسها بأشد الحاجة إلى حلفائها الغربيين والصين وروسيا لدعم قرار فرض وتطبيق عقوبات سياسية واقتصادية أو سد الطريق أمام إمكانية توصل إيران للتكنولوجيا النووية وامتلاك دورة الوقود النووي كاملة من خلال مفاعلات تنقية أو تخصيب اليورانيوم بطريقة صناعية على أراضيها وبجهودها الخاصة. عكس ما كان عليه الحال في العراق قبل خمس سنوات. فاللاقطبية تولد اللاقطبية .
وإذا كانت اللاقطبية أمراً محتوماً فإن سمتها وميزاتها ليست حتمية بالضرورة.
عرف خبير وأستاذ العلاقات الدولية هيدلي بول النشاط السياسي الدولي قائلاً:” إن السياسات العالمية في أية مرحلة هي خليط من الفوضى السياسية والمجتمع ” ويبقى السؤال مطروحاً حول التوازن والتوجهات في السياسات الدولية . بالإمكان القيام بعمل كبير لتشكيل عالم اللآقطبية بل ويجب بذل الجهود لتحقيق ذلك، فالنظام اللاقطبي لن يظهر هكذا وبسهولة بل على العكس، فإذا ما ترك عالم اللاقطبية وشأنه فإنه سيصبح أكثر فوضى مع مرور الوقت. فالانتروبيا ENTROPIE مقياس للفوضى والعشوائية في نظام مغلق ) تملي حقيقة أن الأنظمة التي تتألف من عدد كبير من الفاعلين تميل نحو عشوائية وفوضى أكبر بغياب التدخل الخارجي,
هناك مسؤولية تقع على الولايات المتحدة الأمريكية التي تسببت في خلق عالم الأحادي القطبية إذ يتوجب عليها أن تفعل ما بوسعها من خطوات للتقليل من فرص ألا يغدو عالم اللاقطبية، الذي سينبثق حتماً كبديل في الأفق المنظور، مرجلاً أو غلاية لعدم الاستقرار . هذا لايعني تشجيع الولايات المتحدة على ترسيخ نظام القطب الواحد المسيطر والمتغطرس ، بل هو نصيحة لها لترتيب بيتها الخاص. فنظام الأحادية القطبية بات من بقايا النظام العالمي البائد وشيء من الماضي ، بيد أن الولايات المتحدة الأمريكية لاتزال تمتلك من الأدوات أكثر من أي فاعل دولي آخر لتحسين نوعية النظام الدولي الذي يتشكل تدريجياً اليوم. والسؤال هو هل ستستمر أمريكا بامتلاك القدرة على لعب الدور الأول؟.
إن الطاقة هي القضية الأهم في العالم فالمستويات الحالية للاستيراد والاستهلاك الأمريكي للطاقة ، إلى جانب تأثيره السلبي على العالم ، يغذي اللاقطبية ويوفر موارد مالية هائلة لمنتجي النفط والغاز ويرفع أسعار الطاقة باستمرار بينما يؤدي التقليل من الاستهلاك إلى خفض الأسعار العالمية للطاقة وهذه بديهية في معادلة العرض والطلب الاقتصادية. ويخفض تعريض أمريكا لتلاعب الأسواق من قبل موردي ومصدري النفط ، ويبطيء خطوات التغيير المناخي ، والحال أن خفض الاستهلاك لايعرض الاقتصاد الأمريكي للخطر.
يأتي بعد ذلك الإرهاب الدولي الذي يهدد العالم كالسرطان. فتعزيز الأمن أمر حاسم وضروري فالإرهاب كالمرض الخبيث لايمكن استئصاله فسيكون دائما هناك أشخاص موتورين على هامش المجتمعات ولايمكن دمجهم داخل مجتمعاتهم لسبب أو لآخر، سيواصلون القيام بعملياتهم لتحقيق أهدافهم التخريبية التي لايمكنهم تحقيقها عبر السياسات والممارسات السياسية التقليدية. وعلى الرغم من جميع الجهود التي يبذلها القائمين على المؤسسات الأمنية ويقع على عاتقهم توفير وضمان الأمن الوطني، فإن الإرهابيين سينجحون في انجاز مخططاتهم هنا وهناك. لذا فإن ما نحتاج إليه هو خطوات فعالة لجعل المجتمع البشري أكثر مرونة وهذا يتطلب تمويل وتدريب وإعداد وتأهيل للعاملين والمتجاوبين والمتطوعين للقيام بأعمال الطواريء ويحتاج لتوفير بنية تحتية أكثر مرونة وقدرة على التحمل. وينبغي أن يكون الهدف هو التقليل من تأثير الهجمات الإرهابية حتى لو نجح الإرهابيون في تنفيذها.
إن مكافحة انتشار الأسلحة النووية ، والمواد النووية غير المحمية، بسبب إمكاناتها التدميرية، قد تحظى بنفس الأهمية التي للخطوات المذكورة أعلاه. فإذا سمح لكل دولة بتخصيب اليورانيوم بحرية على أراضيها بلا ضوابط ولا مراقبة فإن الكارثة ستقع لامحالة. في حين لو تم تأسيس بنوك دولية لتخصيب اليورانيوم والوقود المستنفد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية لسد الطريق أمام طموحات الدول في امتلاك دورة الوقود النووي كاملة وبالتالي إمكانية توصلها إلى مواد نووية حساسة تدخل في تكوين وتركيبة صنع الأسلحة النووية. وبهذه الطريقة سيكون بوسع المجتمع الدولي أن يساعد البلدان الصغيرة والمتوسطة غير النووية على استخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء بدلاً من الأسلحة النووية.
ويمكن أيضاً توفير الضمانات الأمنية والمنظومات الدفاعية للدول التي قد تشعر أنها مجبرة على تطوير برامج نووية خاصة بها للتحرك ضد جيرانها وردعهم. والعقوبات الصارمة المسنودة بقوة مسلحة يمكن تقديمها للتأثير على سلوك دول تنوي أن تصبح دولاً نووية.
إن مسألة استخدام القوة العسكرية لتدمير قدرات تسلح نووي وبيولوجي تبقى مطروحة دائماً. فالضربات الاستباقية التي تهدف إلى وقف أو منع تهديد وشيك الحدوث باتت مقبولة باعتبارها شكل من أشكال الدفاع عن النفس. أما الضربات الوقائية فأمرها يختلف إذ هي عبارة عن هجمات على قدرات لايوجد مؤشر صريح وإثبات قاطع على استخدام وشيك لها . ولكن وفي كل الأحوال لايمكن استبعاد هذين الخيارين من ناحية المبدأ وفي نفس الوقت لاينبغي الاعتماد عليهما. أما فيما يتعدى التساؤلات المنطقية والعملية ، فإن الضربات الوقائية تتسبب بتدفق مخاطر صنع عالم اللاأقطاب إلا أنه عالم أقل استقراراً. لأنها قد تشجع على الانتشار في الواقع إذ أن هناك الكثير من الدول ستعتبر أن تطوير أسلحة نووية عندها أو الحصول عليها بطريقة من الطرق ستمنحها قوة ردع ولأن هذه الضربات الوقائية ستضعف المعيار القديم ضد استخدام القوة لغايات غير الدفاع عن النفس.
إن مكافحة الإرهاب تعتبر مسألة حيوية إذا كانت حقبة اللاقطبية لن تتحول إلى عصور ظلام حديثة. هناك طرق عديدة لإضعاف منظمات إرهابية موجودة باستخدام الموارد الاستخباراتية وفرض القانون وكذلك القدرات العسكرية ، لكن هذه هي لعبة الخاسر إلا إذا كان بالإمكان القيام بشيء ما لتقليل التجنيد . يتعين على الأهل ورجال الدين والسياسيين والمؤسسات الثقافية فضح الإرهابيين وكشف عدم شرعيتهم وبطلان طروحاتهم كي يجعلوا من ينوي اعتناق الأفكار الإرهابية يشعرون بالخزي والعار. والأهم من ذلك، يتعين على الحكومات إيجاد السبل الكفيلة بدمج الشباب المغرر بهم والمعزولين أو المهمشين داخل مجتمعاتهم ، وهذا أمر لايمكن أن يحدث بغياب الفرصة السياسية والاقتصادية التي يحتاجها الشباب.
يمكن للتجارة أن تصبح وسيلة قوية للدمج في في المجتمع الدولي و تمنح للدول رهاناً تستند عليه لتجنب الصراع. فعدم الاستقرار يعطل حدوث تبادلات تجارية مفيدة توفر الثروة والازدهار، وتقوي مؤسسات النظام السياسي المحلي. ومن شأن التجارة أن تسهل عملية التطور لتخفض بذلك فرص إخفاق الدولة وإنعزالها عن المواطنين. ومن هنا ينبغي توسيع نطاق عمل منظمة التجارة العالمية وذلك من خلال التفاوض حول ترتيبات عالمية مستقبلية تعمل على أكبر قدر للإعانات المالية، وتخفيض عوائق التبادل التجاري المتمثلة بالضرائب المفروضة من قبل الحكومات على البضائع المستوردة والمصدرة. إن بناء الدعم السياسي المحلي لمفاوضات كهذه في بلدان متطورة سيتطلب،على الأرجح، توسيع شبكات الأمان المختلفة، التي تتضمن العناية الصحية وحسابات التقاعد الممكن تحملها، ومساعدات التعليم والتدريب وأتعاب الضمان. إن سياسة الإصلاحات الاجتماعية مكلفة وقد تكون غير مبررة إذ قد يكون سبب البطالة هو التقدم التكنولوجي والآلي أكثر منه المنافسة الأجنبية. ومع ذلك قد تستحق التقديم بسبب القيمة الاقتصادية والسياسية الكاملة لتوسيع نظام التجارة العالمي.
وقد تكون هناك حاجة لمجهود مشابه وبنفس المستوى لضمان تدفق الاستثمارات واستمرارها. والهدف الأمثل هو إنشاء منظمة عالمية للاستثمار، تشجع على تدفق رؤوس الأموال عابرة الحدود وذلك للتقليل ، إلى أدنى حد ممكن، من فرص نظام حماية الاستثمار باعتراض أنشطة مفيدة اقتصادياً مثل التجارة وبناء تحصينات سياسية ضد عدم الاستقرار . فمنظمة الاستثمار العالمية بإمكانها تشجيع الشفافية من جانب المستثمرين وتحديد متى يكون الأمن الوطني سبباً مشروعاً لمنع الاستثمار الأجنبي أو الحد منه وتأسيس آلية لحل النزاعات.
إن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة اليوم إلى تعزيز قدراتها على إدارة الأزمات ومنع إخفاق الدولة والتعامل مع ما يترتب على ذلك من انعكاسات وتداعيات. وهذا يستدعي بناء وإعداد جيش أكبر وأقوى، والمحافظة عليه، ويكون قادراً على التعامل مع التهديدات التي تواجهه في أفغانستان والعراق، ويتعين عليه أن يوجد نظيراً مدنياً لقوات الاحتياط العسكرية مما سيوفر مورداً من الموارد والمواهب البشرية للمساعدة في مهمات أساسية تتعلق ببناء الوطن. وبالتالي فإن استمرار المساعدات الاقتصادية والعسكرية سيكون أمراً حيوياً في مساعدة دول ضعيفة على تحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها وجيرانها.
القوة العظمى غير الوحيدة على المسرح الدولي:
إن التعددية هي إحدى السمات الرئيسية لعالم لافطبي ، ومع ذلك يجب إعادة قولبة هذه التعددية لتضم فاعلين آخرين غير القوى العظمى لذلك فإن مجلس الأمن الدولي ومجموعة الدول الصناعية الكبرى الثمانية مدعوة لإعادة التشكل لتعكس حقيقة عالم اليوم وليس حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية . وكان اجتماع الأمم المتحدة نموذجاً في هذا السياق والذي ناقش كيفية تنسيق الاستجابات العالمية على أفضل وجه لاسيما تلك المتعلقة بمسائل الصحة والغذاء. وقد شارك في هذا الاجتماع حكومات ومؤسسات ووكالات دولية ومنظمات غير حكومية وشركات صنع الأدوية ومؤسسات بحثية ومراكز أبحاث وجامعات. مثلما شاركت مجموعات مشابهة في اجتماع بالي في كانون أول 2007 بشأن التغيير المناخي . وبالتالي يفضل أن تكون التعددية أقل شكلية ورسمية وأقل شمولية، على الأقل في مرحلتها الأولية. أما الشبكات فيجب أن تقف إلى جانب المنظمات. فمن الصعب حمل الجميع على الموافقة على أي شيء وعلى كل شيء. لذلك يتعين على أمريكا أن تبرم اتفاقيات ثنائية وإقليمية لمليء الفراغ الناشئ عن الفشل في التوصل إلى دورة كاملة للتجارة الدولية. ويفضل أن تعقد أمريكا اتفاقيات مع أفرقاء أقل، ومن أجل أهداف أضيق. ويمكن إتباع نفس المقاربة لمواضيع أخرى كالتغيرات المناخية، حيث يجري الاتفاق حول جوانب المشكلة كنقص الغابات ،أو ترتيبات تتعلق ببعض البلدان فقط كتلك المتسببة بانبعاث الكاربون، فقد تكون أكثر معقولية وقابلة للتنفيذ بصورة أسهل. وقد لايصلح ذلك إذا كان القصد أن يشمل كل بلد على حدة ومحاواة حل كل قضية . إن تعددية داخل نظام، وبثمن محدد لكل لون من ألوانها، ستكون هي الصيغة الأرقى لنظام اليوم على الأرجح. والملفت للانتباه أن نظام اللاقطبية يعقد الدبلوماسية. فعالم اللاقطبية لايشمل عدداً أكبر من الفاعلين فحسب، بل سيفتقد أكثر إلى هيكيليات ثابتة يمكن التكهن بها، وإلى علاقات تميل إلى تحديد معالم القطب الواحد أو الثنائي القطبية. ففي هذه الحالة ستفقد التحالفات الكثير من أهميتها لاسيما إذا كانت تلك التحالفات تتطلب تهديدات متوقعة وإستشراف أحداث، والتزامات ، وكلها من المرجح أن تكون بضاعة ناقصة في عالم اللاقطبية. وستصبح العلاقات بدلاً من ذلك أكثر انتقائية ووضعية. وسيصبح من الصعب أكثر تصنيف بلدان أخرى على أنها إما حليفة أو عدوة. فهذه البلدان ستتعاون حول بعض القضايا وتقاوم حول قضايا أخرى. وستكون هناك قيمة وأهمية للتشاور وبناء التحالفات واللغة الدبلوماسية التي تشجع على التعاون عندما يكون ذلك ممكناً وتحمي تعاوناً كهذا من المضاعفات الجانبية للخلافات الحتمية. وبعد كل ذلك لن يكون لدى الولايات المتحدة الأمريكية ترف سياستها الخارجية المنغلقة التي تتلخص بعبارة جورج دبليو بوش ” فإما أن تكون معنا أو تكون ضدنا” كما كان صدام حسين يقول لخصومه ومعارضيه. ومن جراء ذلك سيكون عالم اللاقطبية صعباً وخطيراً إلا أن تشجيع العمل على درجة أكبر من الاندماج العالمي سيساعد في نشر الاستقرار . إن تأسيس مجموعة تكون بمثابة الجوهر، أو النواة، مؤلفة من حكومات وقوى أخرى ملتزمة بالتعددية التعاونية ، سيمثل خطوة عظيمة إلى الأمام يمكن تسميتها بـ “اللاقطبية المنسجمة” إلا أنها لن تزيل عالم اللاقطبية بل ستساعد في تدبر أمره وتزيد من فرص عدم التدهور وانحلال النظام الدولي.

أعداد د جواد بشارة