الرئيسية » مقالات » العراق : ماذا لو انفجرت كركوك؟

العراق : ماذا لو انفجرت كركوك؟

مجلة الإكسبريس عدد 26/6/2008
بقلم فانسينت هوغوVincent Hugeux

إعداد د. جواد بشارة

نشرت مجلة الاكسبريس الأسبوعية الفرنسية تحقيقاً عن مدينة كركوك تحت عنوان:” ماذا لو انفجرت كركوك” بقلم مبعوثها الخاص فانسينت هوغو جاء فيه :

في شمال العراق هناك مدينة عريقة يعود تاريخها إلى آلاف السنين وغنية بالنفط، تطالب بضمها منطقة كردستان شبه المستقلة، ويقطنها مزيج من الإثنيات والقوميات والأعراق والأديان والمذاهب ، وهي عبارة عن عراق مصغر هش، تختزن التوترات والآمال وإعادة بناء ما تبقى من الدولة.
هنالك آلاف من العائلات الكردية المهجرة قسراً في زمن النظام الصدامي المنهار من كركوك وباقي المدن الكردستانية تنتظر الفرج، وماتزال الكثير منها تعيش في ظروف مأساوية ولا إنسانية في مدن النزوح والشتات حتى بعد تغيير النظام سنة 2003. وفي نفس الوقت هنالك آلاف العائلات العربية ، الشيعية ، والسنية ، لاسيما تلك التي جلبها صدام حسين بالقوة من مدن الجنوب لتقطن رغماً عنها في كركوك في سياق حملة التعريب التي مارسها صدام حسين ضد السكان الأكراد، ومنح البعض منها بعض المغريات والامتيازات، تسكن في المدينة منذ حوالي الأربعة عقود إلى يوم الناس هذا.
النازحون والمهجرون يسكنون بيوتاً بائسة من الطين أو الصفيح أو الأحجار المتآكلة أو في مخيمات، في الملاعب والساحات والحدائق العامة والأراضي المهجورة، بلا ماء ولا كهرباء ولا مرافق صحية، ناهيك عن باقي الخدمات الضرورية كالمدارس والطرق المعبدة . يعيش أغلب هؤلاء على المعونات الشحيحة التي تقدمها لهم المنظمات الإنسانية غير الحكومية ، الفقر المدقع يعيش فوق بحيرة من الذهب الأسود، هذا مايقوله من يعيش هذه المأساة في فصولها اليومية . هذه المدينة الغنية بالنفط، والتي تضم كل هذا الموزائيك، من أكراد وتركمان وعرب، مسلمين ومسيحيين كلدانيين وآشوريين وصابئة، يطالب بها الجميع، حتى الأتراك جيران العراق الشماليين. منطقة كردستان العراق تعتبرها جزءاً لايتجزأ من حقوقها التاريخية وتريد ضمها إدارياً إليها لذلك شجعت الأكراد المهجرين منها على العودة إليها والمطالبة بحقوقهم المهدورة لكنها لم تتمكن بعد من توفير التعويضات اللازمة لاسترجاع وإعادة بناء ما سلب منهم. لذلك تتعرض حكومة كردستان شبه المستقلة لانتقادات لاذعة وشديدة القسوة لإهمالها ملف هؤلاء الضحايا منذ زمن النظام البائد، عدا رئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني.
القنبلة الموقوتة:
قد تشكل مدينة كركوك الأثرية، التي تبعد 255 كلم شمال بغداد، وتحوي أكثر من مليون نسمة، قنبلة مؤجلة الانفجار، والتي أقسم الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البرزاني بأنه مستعد لسفح آخر قطرة دم في جسده من أجلها، وقد كانت هذه المدينة سبباً في فشل جميع مبادرات ومشاريع المصالحة والتوافق بين العرب والأكراد في العراق على مر التاريخ المعاصر للعراق. فكل النزاعات المسلحة بين مقاتلي الجبال الأشداء والسلطة المركزية، كانت من أجل إحكام السيطرة على هذه القلعة الألفية التي تضم رفات الأنبياء دانييل وعزرا كما تقول الأسطورة. فإذا نجحت التجربة في كركوك فالعراق سيكون بخير وستحل جميع مشاكله بالتدريج، ولكن لو فشلت التجربة في كركوك فالله وحده يعلم ماسيكون عليه مصير ومستقبل هذا البلد .
هل ينبغي اللجوء إلى التاريخ؟ كلا بالطبع فكل جماعة من المكونات البشرية والسكانية للمدينة له تاريخه الخاص وطبعته الخاصة للحقائق كما يراها هو، والتي تنحاز، بطبيعة الحال، لصالحه، وكلها متخمة بالأحداث والشواهد ولأرقام والاحصائيات . التركمان يستندون إلى العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية ويتشبثون بإحصاء سنة 1957، بينما يلجأ العرب لإحصاء سنة 1977 و سنة 1997 ، أما الأكراد، المحررين للمدينة بمعية القوات الأمريكية سنة 2003، فيطالبون بإحقاق الحق والعدالة ويبرزون أطناناً من الوثائق والأرشيف والخرائط القديمة. ويشدد نائب كردي على القول :” بأن الجميع يعلم أن كركوك كردية وهناك آلاف الوثائق التركية والبريطانية والفرنسية والروسية تشهد بذلك ” وينبري الخصوم للطعن في هذه المزاعم ودحض هذه البديهية، بالقول “أن هذا لايشكل دليلاً بحكم إمكانية تزوير كل أنواع الوثائق اليوم” . وخلال عقود طويلة مارس النظام البعثي سياسة البطش والاستبداد وشن حملات التعريب والتهجير المنتظمة مشرداً ومهجراً مئات الآلاف من الأكراد ووضعهم في قرى جماعية معدة سلفاً وسهلة المراقبة والسيطرة ،واستعاض عنهم في تلك المدينة بسكان عرب جلبهم بأساليب الترهيب والترغيب من الجنوب والوسط والغرب لتغيير المعالم الديموغرافية للمدينة وفرض أمر واقع جديد عليها. وفي سياق إعادة تطبيع الأوضاع في المدينة اليوم، تتراكم مئات الآلاف من المعاملات من جانب الأكراد المهجرين الراغبين في العودة إلى مدنهم وقراهم، والموعودين بتعويضات تصل قيمتها إلى 20 مليون دينار أحياناً أي ما يعادل حوالي 12000 يورو، أو من جانب العرب الموافقين على المغادرة مقابل تعويضات مالية تقل إلى نصف هذا المبلغ، لكن الروتين والبيروقراطية والفساد تحولت إلى عوامل عرقلة مضنية ومرهقة دفعت الكثير إلى اليأس من التوصل إلى حلول لقضاياهم. حتى عندما حاولت إحدى العائلات الشيعية المقيمة في كركوك تجديد بطاقة التموين تلقت رداً بالرفض لأنها ستغادر المدينة إن آجلاً أم عاجلاً وستصرف لها بطاقة تموينية أخرى في منطقة سكنها الجديدة في الجنوب. لحسن الحظ يوجد نظام التعويض كما يقول المبعوث الدولي الخاص للأمم المتحدة في العراق، لحل الإشكال القائم بشأن الأقليات، السويدي ستيفان دو ميستورا، لكن المؤسف أن هذا النظام يعمل ببطء شديد ولم تتم معالجة سوى 10 بالمائة من الملفات. وقد رحلت عن مدينة كركوك فقط 6000 عائلة عربية بينما استعادت 5000 عائلة كردية من ضحايا الأنفال، الأراضي التي ولدت عليها، وبقي أمامها أن تبني لها فوقها مساكن بدائية بسيطة كبداية لتحديد ترسيخ حقوقها وتثبيتها.
والعديد من الأكراد ينتظرون اليوم المشاركة في الاستفتاء الذي من المؤمل تنظيمه حول المدينة في سياق تطبيع الأوضاع والعودة إلى ماكانت عليه قبل عام 1968 وفق ما جاء في المادة 140 من الدستور العراقي الفيدرالي الذي أقر بالاستفتاء العام في أكتوبر 2005. وكان من المفترض أن يجرى الاستفتاء حسب الدستور قبل 31 ديسمبر 2007 وتم تأجيله ستة أشهر بطلب من مبعوث المنظمة الدولية المكلف من قبل مجلس الأمن ، وبالطبع لم يحترم تاريخ 30 حزيران 2008 الذي من المفترض أن يجري فيه الاستفتاء. بل ولم تجرد قوائم الانتخابات المحلية بعد لأنها مهمة معقدة وصعبة للغاية وشديدة الحساسية اليوم، ولأن أي خلل فيها سيمهد الطريق نحو المواجهة بين مختلف الطوائف والقوميات الساكنة في كركوك. وقد نجح ستيفان دو مستورا في إطفاء فتيل الأزمة وتفادي الفخ بيد أن الملف مايزال قابلاً للانفجار في أية لحظة. حصل تطور إيجابي واستعداد للحوار والتسوية من جانب كل الأفرقاء المعنيين بهذا الملف حتى لو استدعى ذلك المزيد من التأجيل وكسب الوقت بغية التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض والحوار يكون مرضياً ومقبولاً من قبل الجميع. العرب والتركمان لايحبذون طريق صناديق الاقتراع في الوقت الحاضر لتخلخل موازين القوى في التناسب السكاني بسبب فرض الأكراد لأمر واقع جديد بالقوة منذ سقوط النظام السابق كما يدعون. بينما يعلن الأكراد، على الأقل من الناحية النظرية، قبولهم بنتائج الاستفتاء ، ويرددون عبارة ذات مغزى كبير وهي : ” إن كركوك هي قدسنا” ، ويحاول دو ميستورا ، في دور مزيل الألغام، أن يعثر على حل مبتكر وخلاق وبناء يقدمه على شكل مقترحات وتوصيات إلا أن الأكراد تحفظوا على بعض فقراته ورفضوا البعض الآخر بل واحتجوا على تصوراته الخاطئة واللامنطقية ومقترحاته المجحفة بحقهم وتوصياته غير العملية وغير القابلة للتطبيق. المشكلة أن العرب والتركمان قاطعوا الانتخابات السابقة فانفرد الأكراد في إدارة المدينة واحتلال كافة مواقع مجلس المحافظة . وكان ذلك خطأً فادحاً ارتكبوه ويرغبون في تصحيحه والمشاركة بقوة في الانتخابات القادمة. إن مصير المدينة ليست مرتبطاً بسكانها فحسب بل بالمركز في بغداد وفي دول الجوار أيضاً، فلو استرجعها الأكراد بما فيها من خيرات وثروة نفطية، فربما سيحث ذلك وثير شهية أكراد دول الجوار في تركيا التي نصبت نفسها حامية لتركمان العراق، وإيران المعنية بمصير الشيعة، وسورية التي تخشى من العدوى ولاتردع نفسها عن التدخل في الشأن العراقي حماية لمصالحها. وهناك مفاوضات مستمرة ودائمة بين الأتراك وحكومة أربيل الكردية كما يقول مبعوث للأمم المتحدة. والأكراد يعرفون أن الأمريكيين الذين يحمونهم سيغادرون يوماً ما بينما الجيران الأتراك باقون إلى الأبد . ومع ذلك تمثل كركوك رمزاً للاضطهاد الصدامي ضد الأكراد ويعتقد الأكراد أن ثروة كركوك النفطية هي لكل العراق وهم سيكتفون بنسبة الـ 17 بالمائة المقررة لهم لكنهم لن يخضعوا لإرادة بغداد وينتظروا موافقتها في استغلال حقول نفطية أخرى في منطقة كردستان ، ويكفيهم ما خسروه من وقت في الماضي. ففي الوقت الذي تماطل فيه الحكومة المركزية في بغداد في إقرار قانون النفط، بادرت حكومة أربيل في كردستان إلى إبرام عقود مع شركات نفطية غربية وفروعها العالمية . حالات التوتر والاحتكاكات، وأعمال العنف والخطف والعمليات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية مستمرة في هذه المدينة لاسيما بين عامي 2006 و 2007 ولكن هل تستحق مدينة دانييل وعزرا أن يخوض سكانها حرباً دامية فيما بينهم من أجل إحكام السيطرة عليها؟ الأكراد يردون بالإيجاب والآخرون يلوذون بالصمت الذي لايعني الرفض بالضرورة، وقد تثير عملية السيطرة الكردية على كركوك تجديد المنافسة الشرسة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وهما الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. ويختتم كاتب التقرير بشهادة أستاذ جامعي عاد مؤخراً إلى أربيل بالقول:” لقد مات العراق القديم ولكن إذا نظرنا إليه من كركوك فسنرى أن جثته مازالت تتحرك”.

العراق يقضمه الفساد اختفاء 23 مليار دولار

تقرير نشرته صحيفة لوموند جاء فيه:
إعداد د. جواد بشارة


Jawad_bashara@yahoo.com


الفساد منتشر في العراق منذ عام 2003 حيث تم تبذير المبالغ المخصصة لإعادة الإعمار والبناء. هناك 70 شركة أمريكية مستهدفة، في حين أوقفت الحكومة العراقية 48 تحقيقاً بشأن عمليات الفساد والرشوة.
كان من المفترض ألا تكلف الحرب في العراق وإعادة بناء البلد دافع الضرائب الأمريكي شيئاً.فكل تلك العمليات تمول ذاتها بذاتها بفضل مبيعات النفط العراقي، هذا ما كانت تروجه الإدارة الأمريكية رسمياً. وأكدت إدارة بوش على ذلك حتى قبل أسابيع قليلة من شن الحرب في آذار2003. بيد أن هذه الأطروحة سرعان ما انكشف زيفها بقدر تزييف وكذب الدولة الأمريكية بشأن وجود ترسانة أسلحة التدمير الشامل في حوزة صدام حسين.فالعمليات العسكرية تكلف الخزانة الأمريكية في كل سنة 90 مليار دولار وهو مبلغ يساهم في تعميق العجز في الميزانية العامة للولايات المتحدة الأمريكية.والضعف والتدهور المستمر لقيمة العملة الأمريكية الدولار.
بل هنالك أكثر من ذلك: فعملية إعادة بناء وتعمير العراق وفرت فرصة لاختلاس أموال ضخمة وضعت هذا البلد في المرتبة الثالثة عالمياً بعد الصومال وبيرماني التي يستشري فيها الفساد حسب تقديرات منظمة الشفافية الدولية المستقلة . والاختلاسات تشمل في آن واحد المساعدة الرسمية من الدولة والعقود الخاصة أو الأهلية. وحسب توصيفات قدمها محققون في مجلة بانوراما في محطة الإذاعة والتلفزيون البريطانية بي بي سي فإن قيمة المبالغ المفقودة، والمسروقة، والمتبخرة، ، في السنوات الأخيرة قد وصلت إلى 23 مليار دولار ( أي مايعادل 14 مليار يورو) . واستند برنامج بانوراما إلى التحقيقات المتعاقبة التي أجريت من قبل مختلف الوكالات الأمريكية للرقابة والسيطرة على الميزانية والإنفاق . فمن السرقة الصريحة والمباشرة إلى الرشوة، والفواتير المنفوخة والمضخمة، مروراً بالعقود والصفقات الوهمية، تمتد رقعة النهب والاختلاسات المالية في العراق على يد العصابات المحترفة، وبكميات تضاهي عمليات النهب والسرقة للمال العام التي كانت تقوم بها عصابة الدكتاتور السابق صدام حسين وعائلته.
وكانت جلسة استماع للحكومة الأمريكية بثت في شهر آيار في واشنطن قد قدرت المبالغ التي دفعت لمتعاقدين لم يكن لها مستندات إثباتية بانتظام أو تبريرات نظامية، بحوالي 8،2 مليار دولار من المال العام.وقد نشأت ثروات بفضل عقود التوريد للجيش وللموظفين المدنيين الأمريكيين الذين يستوردون تقريباً كل مايستهلكونه : مياه معدنية، همبرغر،بطاطا فريت مقلية، حليب،شكولاته، أسلحة وعتاد وذخيرة الخ..
إن ضخامة المبالغ المقصودة هنا لهذا النوع من العقود قد شحذ وفاقم ثقافة البخشيش المحلية السائدة في العراق التي رفعت إلى مصاف الوضع الطبيعي المتبع في العلاقات مع الإدارة. فجهاز الموازنة والمحاسبات العامة في الحكومة العراقية تتصف بالتشوش والضبابية أي تفتقد للوضوح والشفافية. فلا يمكن فتح أي تحقيق في الرشوة والفساد بحق عضو في الحكومة أو بحق عائلته بدون الضوء الأخضر أو موافقة رئيس الوزراء نوري المالكي.وكما قال أحد النواب البرلمانيين من السنة وهو منذر عبد الرزاق:” إن حجم الفساد في العراق يتجاوز حدود الخيال”.
كان الفساد مستوطن في العراق في عهد صدام حسين على الأقل في أوساط المحيطين به وحلفائه إلا أن الفساد استشرى وانتشر وتعمم في العراق بعد الغزو الأمريكي ـ البريطاني للبلد في آذار 2003. وحسب منظمة الشفافية الدولية المستقلة، التي تقدم في كل عام بانوراما عن قضايا الفساد في العالم، يأتي العراق من مجموع 180 دولة في المرتبة الثالثة بعد بيرماني والصومال في قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم.
وبفضل مختلف التحقيقات المتعاقبة التي لاحقتها بحماس مختلف الوكالات الأمريكية للرقابة والسيطرة على الميزانية في السنوات الأخيرة، علمنا بأن ” عدة مليارات من الدولارات” استثمرتها أو أنفقتها إدارة بوش في حملتها على العراق،كانت قد ” اختفت” في خضم الفوضى السائدة. وللمرة الأولى تم التطرق إلى رقم إجمالي في سياق تحقيق معمق نشرته في الأسبوع الماضي محطة البي بي سي البريطانية التلفزيونية وهو رقم فلكي ” 23 مليار دولار، أي 14،8 مليار يورو كانت قد ” ضاعت أو سرقت” أو على الأقل لم يبرر إنفاقها أو يكون لها مسوغ قانوني لدى الخزانة الأمريكية منذ خمس سنوات.
وفي مرمى إصابة المحققين في برنامج بانوراما التلفزيوني يوجد، المتعاقدين الأمريكيين وغيرهم، الذين يوردون أو يزودون مبدئياً 151000 جندي في الجيش الأمريكي بكل ما يحتاجونه يومياً من الولايات المتحدة إلى العراق عبر الكويت من قناني المياه المعدنية والهامبرغر والفريت بوتيتوز ، أصابع البطاطا المقلية، مروراً بسلطة الخس والفواكه والحليب والشكولاته، وانتهاءاً بالأسلحة والعتاد والذخيرة وباقي المواد التي يستهلكها الجيش الأمريكي في كل يوم . المتعاقدون المدنيون وهم أكثر عدداً من الجنود، والبالغ عددهم 163000 حسب آخر إحصاء، يهتمون أيضاً بإعادة البناء والتعمير، والنفط، والقضاء، والبوليس، وهم متواجدون تقريباً في كل الوزارات العراقية.
وحسب محطة البي بي سي البريطانية فإن قضايا بخصوص الفساد وتضخيم الفواتير المقدمة للبنتاغون، وزارة الدفاع ، ووزارة الخارجية، وعدم توريد البضائع المدفوعة سلفاً، وغيرها من العمليات الخسيسة، أقيمت في المحاكم تمس 70 شركة أمريكية متعاقدة وعلى رأسها توجد شركة هاليبيرتون ، التي كان يقودها ويديرها إلى يوم تعيينه نائباً للرئيس الأمريكي سنة 2000 ديك شيني. وكانت شركة هاليبيرتون قد حصلت بدون أية مناقصات على أكبر حصة من العقود في مجال إعادة بناء العراق، ولكن ليس بوسع البي بي سي ولا غيرها من وسائل الإعلام نشر أي شيء بشأن التحقيقات الجارية إذ ” فرضت إدارة بوش الصمت على جميع هذه القضايا gaging order ، كما أعرب برنامج بانوراما بأسف بهذا الصدد.
إن مراقبة محاسبات غير حيادية بالضرورة، لأن الصفقات والعقود التجارية المبرمة في العراق من قبل العسكريين والدبلوماسيين الأمريكيين ، تضم ما مجموعه 165000 وثيقة منذ آذار 2003، قد أجريت من قبل المفتشية العامة في وزارة الدفاع ونشر محضر الأحكام في شهر آيار في واشنطن ، وقدرت المبلغ المدفوع إلى متعاقدين بـ 8،2 مليار دولار دون أن تقدم براهين على صحتها أو أن يكون لها مسوغات قانونية منتظمة . فلا وجود لفواتير متعلقة أو مخصوصة بسلع معينة أو فواتير غير ملائمة أو غير وافية بالغرض كلياً ولاعلاقة لها بمضمون الدفع. كتلك الشركة الأمريكية غير المعروفة أو مجهولة الهوية التي قبضت مبلغ320،8 مليون دولار بإشارة بسيطة على فاتورتها تقول :” دفع رواتب عراقية” . لمن تلك المبالغ أو الرواتب، ولماذا؟ سر خفي وغموض تام. وسر خفي أيضاً بشأن صك الميزانية بمبلغ 5674075 دولار لصالح شركة عراقية تحمل إسم ” القاصد” وهي شركة متخصصة بتجارة السيارات بحجة تسليم معدات غير محددة بدقة لجهة غير محددة بالإسم. و ذلك الصك المصرفي بقيمة 6268320،07 دولار قبضته شركة أمنية غير معروفة إسمها Combat Support Associates مقابل خدمات غير واضحة ولم يشر إليها.
أما من الجانب العراقي، فإن حسابات الإنفاقات العام فهي أكثر غموضاً وسرية وليس بوسع أحد تسليط الضوء على الفساد السائد والمنتشر لأن لجنة أو مفوضية النزاهة التي أنشأت سنة 2003، قد تم تفكيكها فرضياً أو إضماراً في صيف 2007 من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي بعد أن رفعت الحصانة عن رئيساً علناً وهو القاضي راضي الراضي وسحبت منه الثقة،وتنصلت الحكومة من مسؤولية تصرفاته وانتقدته بشدة .ومنع السيد المالكي إجراء أي تحقيق بتهمة الفساد ضده أو ضد وزرائه لـ 33 ، أو ضد وزراء سابقين أو موظفين كبار في الدولة بدون موافقته وإذنه مسبقاً. واستناداً إلى مذكرة يعود تاريخها إلى آذار 2007 أصدرها جهاز مكافحة الفساد في السفارة الأمريكية في بغداد وأغلق في حينه، استخدم السيد نوري المالكي هذه السلطة ليوقف 48 تحقيقاً في قضايا فساد خلال ستة أشهر. وقد صرح ستوارت بوين الإبن مدير مكتب النائب العام الخاص بإعادة البناء في العراق لصحيفة نيويورك تايمز بما استلهمه من ذلك قائلاً:” إن انشغالي بالفساد في العراق يتزايد” . القاضي راضي الراضي البالغ من العمر 63 عاماً ، والذي سجن وعذب في زمن الدكتاتور البعثي ، شهد مقتل أو اغتيال 31 من محققي لجنة النزاهة التي كان يديرها بعد أن حشروا أنوفهم في بعض القضايا والملفات القذرة أوالحساسة. وقد أستمع إلى أقواله في الكونغرس الأمريكي في أكتوبر 2007، وقدر قيمة المبلغ المختلس من المال العام العراقي بـ 18 مليار دولار. وكان هو الذي كشف وفضح ” ضربة” الـ 1،2 مليار دولار التي نفذها وزير الدفاع العراقي السابق حازم الشعلان ( 2004-2005) على حساب مصلحة بلده. وكان الوزير المذكور ، الملاحق والمطلوب للعدالة عن طريق مذكرة اعتقال دولية عبر الانتربول ن قد ادعى شرائه لأسلحة حديثة من بولونيا . ولكن عندما وصلت طلبية الأسلحة اتضح أنها معدات مستهلكة ومستخدمة تعود إلى تاريخ حلف وارشو تصل قيمتها القصوى إلى 200 مليون دولار ـ حتى أن لم تحتوي على كافة التجهيزات المطلوبة والمدفوع ثمنها سلفاً ـ.
ومما يدعو للاستغراب أن هناك عقداً جديداً لشراء تجهيزات عسكرية أبرمت سراً من قبل نفس الوزارة التي يقودها اليوم عبد القادر العبيدي ،قدرت قيمتها بـ 833 مليون دولار. وقد أطلق برلمانيون عراقيون جرس الإنذار محذرين ومحتجين من إبرام صفقة مباشرة دون أية رقابة أو إشراف.وقد تم خفض قيمة العقد الموقع أخيراً في شهر آذار إلى 236 مليون دولار.
وفي بغداد، كل شخص يعلم، بأنه لكي يتطوع المرء إلى سلك الشرطة عليه أن يدفع رشوة بقيمة 500 دولار ( بخشيش) . وللترفيع في الرتبة عليه أن يدفع 1000 دولار.وإذا كان المرء بحاجة إلى دواء نادر أو شحيح وغير متوفر فإن هناك في وزارة الصحة شخص بمقدوره أن يرشده إلى الصيدلية التي يمكن أ، تبيعه هذا الدواء كونه متوفر لديها في مخازنها سراً. فكل الحروب لها من يستفيد منها ولكن في العراق فإن حجم الفساد يتحدى المخيلة ويفوق حدود التصور الممكن” على حد تعبير النائب البرلماني السني منذر عبد الرزاق.

وعلى موقع البي بي سي ورد هذا الخبر المختصر عن مليارات العراق المهدرة التي كشف عنها برنامج بانوراما للمرة الأولى عن مدى الأرباح التي حققها المقاولون من الصراعات القائمة ومشاريع إعادة البناء والإعمار استناداً إلى مصادر حكومية أمريكية وعراقية على الرغم من وجود أوامر أمريكية من الإدارة الأمريكية تحرم وتمنع الخوض أو نشر أو مناقشة الاتهامات المشار إليها أعلاه والتي تخص 70 شركة أمريكية تواجه قضايا أمام المحاكم الأمريكية ومنها كبريات الشركات الأمريكية ولن يتجرأ أحد بالمس بأغنياء الحرب طالما بقي جورج دبليو بوش موجوداً في البيت الأبيض. ولا يتعرض أي مقاول أو متعاقد امريكي مدني من المقاولين الكبار أية محاكمة بتهمة الفساد أو سوء الإدارة في العراق وقد صرح هنري واكسمان رئيس لجنة النزاهة والإصلاح الحكومي في البرلمان الأمريكي :” أن الأموال المهدرة في العراق أو اختلست في فساد أو بذريعة العقود الغامضة والسرية مثيرة للغضب والذهول”. وأضاف :” ربما ستكون أكبر عملية تلصص وسرقة وتربح من الحرب في التاريخ”.وقد سبق لمسؤول أمريكي كبير في مجال التوريدات للجيش الأمريكي أن اعترض على عقد قيمته 7 مليار دولار أبرم مع شركة هاليبيرتون قبل شن الحرب والتي كان يرأسها ديك شيني نائب الرئيس الحالي. والجدير بالذكر أن الصفقة تمت بلا مناقصة ورست أتوماتيكياً على شركة هاليبيرتون وحدها . وتوصل فريق التحقيقات التابع لبرنامج بانوراما إلى منزل يقع في غرب لندن يملكه حازم الشعلان وقد استغل هذا الشخص منصبه كوزير للدفاع ومعه مجموعة من المستفيدين لاستنزاف ماقيمته 1،2 مليار دولار من الوزارة من خلال صفقة مشبوهة مع بولندا لشراء معدات قالوا عنها أنها من أحدث طراز ومتطورة جداً لكنها كانت قديمة ومستهلكة ولاتعمل وتحولت المبالغ الفائضة من فرق الأسعار إلى جيوبهم الخاصة. وقد فضح رئيس لجنة النزاهة السابق القاضي راضي الراضي اللاجئ في أمريكا اليوم، هذه القضية ووصفهم قائلاً :” أعتقد أن هؤلاء الأشخاص مجرمون”.وأضاف معقباً :” لقد فشلوا في إعادة بناء وزارة الدفاع وترتب على ذلك استمرار العنف وحمامات الدم واستمر مسلسل قتل العراقيين وبالتالي فهم يتحملون مسؤولية ذلك”.
وقد هرب الشعلان إلى خارج العراق وحكم عليه بالسجن غيابياً. وادعى أنه ضحية لمؤامرة النواب الموالين لإيران. وهو ثري يعيش في لندن ويتنقل بطائرة خاصة ويمتلك عقارات تجارية في منطقة ماريل أرش الشهبرة والراقية في لندن.