الرئيسية » مقالات » توجهات الدبلوماسية الفرنسية الجديدة

توجهات الدبلوماسية الفرنسية الجديدة

كان تعيين برنارد كوشنير في منصب وزير خارجية فرنسا من قبل نيكولا ساركوزي مناورة ذكية لكسب الكثير من قواعد اليسار نظراً للشعبية الهائلة التي يتمتع بها كوشنير لدى الشعب الفرنسي، ولتقارب وجهات النظر بين الرئيس الفرنسي الجديد المنتخب حديثاً والطبيب الفرنسي الشهير حيال قضايا مهمة كالموقف من الحلف الأطلسي ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن الحرب على العراق.
لكن الرئيس ساركوزي لم يعط للسيد كوشنير كارتاً أبيضاً وصلاحية مطلقة في إدارة ملف العلاقات الخارجية وتوجهات الدبلوماسية الفرنسية، بل حرص على أن يدير بنفسه جميع الملفات الحساسة في هذا المجال، حتى لو تعارضت مواقفه، لاسيما في ميدان حقوق الإنسان، مع مواقف وزير خارجيته.

برز التناغم والتوافق التام من جديد بين الرجلين عندما أعلن الوزير في 15 أيلول/سبتمبر 2007، بخصوص إيران، أنّه يجب “الاستعداد للأسوأ”، أي إلى الحرب. ففي حال حدوث هجومٍ أميركي على إيران، فإن مما لا شكّ بأن السيد كوشنير سيستعيد نبرته للعام 2003، عندما وجد مايكفي من الأعذارٍ لتبريرٍ للحرب على العراق وعلى رأسها نجدة الشعب العراقي وتخليصه من ديكتاتورية متوحشة وعنيفة يقودها مستبد أحمق ومصاب بداء العظمة. وهو قد زار هذا البلد مرتين كانت آخر زيارة له في 31 أيار/مايو-1 حزيران/يونيو 2008، في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن أن تفرِضَ على بغداد معاهدةً تشرّع بقاء القوات الأمريكية في العراق تعمل بحرية مطلقة وتسعى لإقامة قواعد عسكرية.


لبنان هو الملفّ الوحيد الذي سمح للسيد كوشنير أن يتعامل معه بحرية نسبية. وبعد نجاحاتٍ أوليّة، تعطّل المسعى الفرنسي في كانون الأول/ديسمبر 2007. هكذا، بعد اقتناعه بأن الطرف السوري قد خدعه بوعود لم ينفذها، دافع كوشنير عن القطيعة مع دمشق بيد أن الرئيس الفرنسي خذله وأحرجه، حين أعلن تقارباً كبيراً مع سورية واتصل هاتفياً بالرئيس الأسد ودعاه لزيارة باريس. مهمّة الوزير صعبة لاسيما و أنّ الرئيس الجديد لم يخفِ أبداً احتقاره للـ”كي دورسيه” (وزارة الخارجية) وموظّفيها الذين اعتبرهم أنصاراً لسياسة ديغولية لم تعد صالحة هذه الأيام، ولسياسةٍ فرنسية خاصة حيال العالم العربي لم يكن لها يوماً أيّ وجود حقيقي.
وبالرغم من ذلك فإن فرنسا حاضرة هذه الأيام بكثافة على المسرح الدولي أولاً كرئيسة للاتحاد الأوروبي منذ الأول من تموز 2008 ولمدة ستة أشهر، ومن ثم كونها عادت إلى حظيرة القيادة المركزية لحلف شمال الأطلسي إلى جانب دورها النشط في الشرق الأوسط وأفريقيا، وبالطبع تحركها الديناميكي في تحقيق مشروع الاتحاد المتوسطي. نجحت فرنسا بلا شك في سعيها الدبلوماسي الدءوب في جمع 43 بلداً في أعلى مستويات التمثيل في قمة اتحاد دول حوض البحر الأبيض المتوسط في باريس التي انعقدت في 13 تموز 2008 وهذا الحدث مرتبط ارتباطاً عضوياً بمعضلة الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الأمر الذي لم يغب عن بال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي اختار الرهان الصعب والانفتاح على سورية بعد فترة من البرود والتوتر في العلاقات بين البلدين بسبب الملف اللبناني. الرئيس الفرنسي متيقن انه لايمكن للدبلوماسية الفرنسية أن تفعل شيئاً ذا قيمة وتأثير بدون تعاون، أو على الأقل حياد، دمشق سواء ما يتعلق بلبنان أو فلسطين أو إيران، من هنا خاطر الرئيس الفرنسي بانتشال نظيره السوري من عزلته ودفعه إلى مقدمة المشهد السياسي والدبلوماسي العالمي والإعلامي من خلال دعوته لحضور قمة الاتحاد المتوسطي والمشاركة في احتفال العيد الوطني الفرنسي في 14 تموز وجعل من ضيفه السوري دون قصد منه نجماً للقمة المتوسطية في باريس، تسلط عليه الأضواء وتلتقي به كبريات الصحف ووسائل الإعلام المهمة. كما أعلن الرئيس ساركوزي بهذه المناسبة أنه سيقوم في نهاية الصيف بزيارة إلى سورية لتكريس التطبيع بين البلدين، بعد فشل محاولة التقارب الأولى في نوفمبر 2007.


ينطوي الرهان الفرنسي على سورية على بعض المخاطرة في سياق تعقيد وتماوج العلاقات الفرنسية ـ السورية بين التألق والخمول والصعود والهبوط لكنها مع ذلك تعد خطوة براغماتية. فبعد الإخفاق الأمريكي في العراق أدرك الفرنسيون قبل غيرهم أنه الوقت لم يعد يتناسب مع أطروحات الإدارة الأمريكية في تغيير الأنظمة المارقة وانه ليس من السهل اقتلاع نظام غرس جذوره عميقاً في تربة البلد الذي يحكمه منذ أكثر من أربعة عقود، خاصة وأن هناك أصوات أخرى تؤازره في فتح الحوار الصريح مع دمشق حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وفرنسا تعرف أن لدى سورية الكثير من الأسلحة والأوراق التي يمكنها أن تلعبها إذا ما وجدت نفسها محاصرة ومهددة من الخارج والداخل.
وقد قرأ الرئيس الفرنسي الواقع الجيوـ ستراتيجي والجيوـ سياسي والاقتصادي والعسكري للمنطقة وقدر أنه لن يخسر شيئاً في مقاربة الجديدة مع النظام السوري القائم لاسيما في هذه الفترة التي تكون فيها الولايات المتحدة منشغلة بالحملة الانتخابية الرئاسية وفي فترة نهاية عهد الرئيس بوش وانتظار رئيس آخر قد تكون له أولويات تختلف عن سلفه.

الاتحاد المتوسطي، حلف شمال الأطلسي، الشرق الأدنى، أفريقيا…
وهكذا أعلن الرئيس الفرنسي في 13 تموز/يوليو القمّة التأسيسيّة للإتحاد من أجل المتوسط؛ وهو مشروعٌ ذو أهداف مبهمة، لكنّ السيد نيكولا ساركوزي يقدّمه باعتباره واحداً من أهم أهدافه في السياسة الخارجية. وفي هذا المجال الذي خصّصه له وحده أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ضاعف الرئيس من مبادراته، ناسياً التصريحات حول الدفاع عن حقوق الإنسان والتي مافتيء يكرّرها أثناء حملته الإنتخابية، والتي كان من المفروض أن تتجسّد من خلال تعيين برنار كوشنير في الكي دورسيه (وزارة الخارجية). وفيما عدا الهفوات الناجمة عن الممارسة الفردية للسلطة من قبل رئيس الدولة وتهميشه لوزارة الخارجية، ينبثق مفهومٌ جديد “أطلسي-غربي” قائمٌ على أساس التحالف مع الولايات المتحدة وينطلق من مفهوم أن التغيّرات الحاصلة في العالم تشكّل خطراً على الغرب. تطغى هذه النظرة على إدارة كلّ الملفّات، من منظّمة حلف شمال الأطلسي، إلى النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، إلى الملف النوويّ الإيراني، إلى الأزمة اللبنانية. ولكن أحياناً، يُعيد الواقع القاسي والمصالح الإقتصادية والإستراتيجية، في إفريقيا على سبيل المثال، الرئيس إلى انتهاج سياسةٍ أكثر تقليديةً.
وحدها فرنسا تطالب بالـ”حماية”…


من أجل ضمان الدعم الألماني لمشروعها خلال رئاستها للإتحاد الأوروبي، على فرنسا أن توضّح ما تعنيه بـ”أوروبا الحماية” هذه. ففي الوقت الراهن، يسود الانطباع بأن الفكرة هي مفهومٌ لأوروبا تدافع عن نفسها في وجه أحدٍ ما أو أمرٍ ما، وتقوم بالتالي بالابتعاد عن المبادئ المعمول بها في أوروبا خلال العقود المنصرمة، لا سيّما انفتاح أوروبا الموحّدة على العالم.
ومن المفهوم أن تحاول فرنسا الاستجابة لمتطلّبات شعبها الذي عبّر مؤخراً عن رأيه بخصوص أوروبا برفضه التصويت بنعم على الدستور الأوروبي. ويبدو وضع فرنسا صعباً خصوصاً وأنّ رئيس الجمهورية قد اختار الموافقة عن طريق البرلمان على معاهدة لشبونة الجديدة التي تشبه في مضمونها إلى حدٍّ بعيد المعاهدة الدستورية التي رفضها المواطنون بالتصويت قبل ثلاثة أعوام. وفي الوقت نفسه، فإن أيّ “وعدٍ” يعيد النظر في الأسس التوافقية للاندماج، أو يبدو عصيّاً على التنفيذ في داخل أوروبا اليوم، من شأنه إبعاد فرنسا عن شركائها، ويؤدّي على المدى المتوسط أو الطويل، إلى التسبّب بالخيبة لدى المواطنين الفرنسيين الذين أمِلوا ربّما بأوروبا على الطريقة الفرنسية.
ويمكن أن توافق ألمانيا على بعض التدابير المقترحة من قبل فرنسا بغية الحدّ من الآثار السلبية للعولمة. ويمكن لكلا البلدين أن يتشاركا في بعض المواقف حول الرقابة على المؤسسات المالية وضبط الأسواق المالية ومعالجة الصناديق السياديّة الاستثمارية الأجنبية التي قد تسعى إلى شراء قطّاعات استراتيجية وطنية. وفي المقابل، تتردّد بلدانٌ أخرى إزاء المبادرات الرامية إلى الحدّ من تأثير العولمة. ويبدو أن الخلاف بين “أوروبا الحماية” و”أوروبا المفتوحة” يخلق انقساماً بين الحكومات الثلاثة التي ستشارك في الرئاسة الثلاثية المقبلة. وفي هذا المجال، عارضت وزيرة الشؤون الأوروبية السويدية، سيسيليا مالمستروم، علناً الرئيس الفرنسي. ففي مقالةٍ نشرتها غداة مشاركتها في ندوة حكوميّة استعداداً للرئاسة الفرنسية لأوروبا، شدّدت على أهميّة دخول تركيا وطالبت في الآن ذاته بأن لا تنغلق أوروبا في وجه العولمة. حتى أنّها طالبت “بأن نُقلِع عن نزعاتنا الحمائية القديمة ونزيد من انفتاح أوروبا على الخارج”.
كانت الممارسة الدبلوماسية في فرنسا في السابق شبه روتينية وثابتة تسير ضمن خطوط عامة مرسومة سلفاً تطبقها الحكومات المتعاقبة سواء أكانت يمينية أو يسارية. فكلما تم انتخاب رئيس جديد يجد المراقب للنشاط الدبلوماسي والسياسة الخارجية للبلد بعد عام من ممارسة السلطة خطاً ثابتاً يتسم بصفة ” الإستمرارية” وعليه شبه إجماع منذ أن حدد الجنرال شارل ديغول بعد عام 1958 الخطوط العامة للسياسة الخارجية الفرنسية. وقد كان أول اختبار لذلك النهج عندما تم انتخاب رئيس ليس ديغولياً لفرنسا عام 1974 وهو فاليري جيسكار ديستان، فلم تحدث أية انعطافة مهمة في هذا الحقل، ولا حتى في عهد الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران بالرغم ما عرف عنه من قربه من إسرائيل وميوله الأطلسية. والحال يبدو أنه، ومنذ انتخاب نيكولا ساركوزي في 6 آيار 2007 تغير شيء ما في مسار الدبلوماسية الفرنسية. وقد أعلن قصر الإيليزيه أن ميدان السياسة الخارجية المحتكر من قبل رئيس الدولة ووزير خارجيته من بعده لن يفلت من إرادة التغيير التي أعلنها ساركوزي ولكن السؤال المطروح هو أين موقع ” القطيعة” المطلوب تحقيقها مع ” الاستمرارية ” المتبعة عادة في هذا المجال؟ من الصعب تقديم حصيلة نهائية للتغير الحاصل في جسم المؤسسة الدبلوماسية بعد عام فقط من التغيير في قمة هرم السلطة. لم يسبق في تاريخ فرنسا الحديث أو بالأحرى منذ بداية الجهورية الخامسة، أن تتركز قرارات جوهرية بيد رجل واحد لا يحب وزارة الخارجية ولا يحبذ المؤسسات البيروقراطية والملفات المعقدة. وانصع مثال على هذه الإدارة الفردية لملف العلاقات الخارجية هو الاستقبال الاستعراضي للرئيس الليبي العقيد معمر القذافي في ديسمبر 2007 في باريس وكانت دعوة الرئيس الليبي بمثابة تعويض أو مقايضة وهدية يقدمها الرئيس الفرنسي مقابل إطلاق سراح الممرضات البلغاريات المحتجزات في ليبيا بتهمة إدخال جرثومة السيدا من خلال دم ملوث أعطي لأطفال ليبيين مرضى. لكن الثمن الذي دفعته فرنسا في تلميع صورة القذافي وتلويث سمعة المؤسسة الدبلوماسية الفرنسية كان فادحاً وأثار الامتعاض داخل الكي دورسيه بدت واضحة بالرغم من نجاح الرئيس الفرنسي في بيع 20 طائرة أير باص وغير ذلك من العقود التجارية المغرية والمثمرة التي أبرمها مع النظام الليبي والتي سيكون لها مردود إيجابي على الاقتصاد الفرنسي المتعب، وتحريك ماكنة الشركات الفرنسية العملاقة مثل آريفا وفنسي وفيوليا وغاز فرنسا وغيرها فضلاً عن العقود المجزية في المجال النووي السلمي.وبالتالي بدا واضحاً للعيان أن الرئيس ساركوزي يفضل ّ الدبلوماسية النووية” المربحة والتجارية ويعطيها الأولوية باتجاه الدول المتوسطية والدول العربية. من المفترض أن يبدو القائمون على الملف الدبلوماسي متوحدين كأصابع اليد حول القطب الرئيسي وصاحب القرار الأخير في التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية أي الرئيس، إلا أنه يوجد في فرنسا ثلاث مجموعات رسمية وغير رسمية تؤثر في مسارات السياسية الخارجية. أولا: توجد مجموعة غير مقيدة مكونة من مثقفين وصحافيين ورجال أعمال موالين لأمريكا ومعجبين بسياساتها ويلتقون بشكل غير رسمي وغير منتظم على موائد غداء أو عشاء مع رئيس الدولة للتباحث والتبادل في الرأي والاستشارة قبل اتخاذ القرارات. ويدعمهم مجموعة من المنظرين الشباب المؤمنين بأن فرنسا، مثل إسرائيل، تنتمي إلى المعسكر الغربي وتواجه تهديدات من جانب روسيا والصين مروراً بالخطر الإسلامي والإسلامويين المتشددين والمتطرفين وهم يعتقدون أن سياسة فرنسا العربية لم تكن في أحسن أحوالها سوى وهم إن لم تكن خيانة لقيم الغرب، وهم مستعدون للتفريط بالمصالح الوطنية وشركات الدولة الكبرى كبيجو وستروين ورينو وتوتال وتقديمها قرباناً على مذبح المعركة ضد الخطر الفارسي. ولديهم امتدادات داخل حزب الرئيس الاتحاد من أجل الأغلبية الرئاسية UMP كما عبر عنهم عنوان لكتاب ألفه رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق الحليف لساركوزي اليوم وهو ادوارد بالادور تحت عنوان :” نحو اتحاد غربي بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية” نشر سنة 2007. ويمتد تأثير هؤلاء حتى خارج دائرة اليمين الحاكم في فرنسا إلى قلب الحزب الاشتراكي. الحلقة الثانية تتألف من ورثة السياسة الديغولية التقليدية التي وجدت نفسها في موضع دفاعي اليوم داخل وزارة الخارجية بالرغم من صعود نجم المستشار الخاص للرئيس هنري غوينو، ويقاومون ضد محاولات تهميشهم داخل الوزارة. وأخير المجموعة الثالثة وتتكون من التكنوقراط المتجمعين حول المستشار الدبلوماسي للرئيس جان دافيد لوفيت الذين يديرون الملفات بروح براغماتية ويحدون من اندفاعة رئيس الدولة في بعض الملفات.
المجموعة الأولى المعروفة بميولها الغربية الأطلسية حسب اعتراف هيوبير فدرين وزير الخارجية الاشتراكي الأسبق، هي المهيمنة اليوم. وهي تسعى لكسر اللغة الدبلوماسية المتخشبة ويحكمها مبدءان: الانتماء للغرب، والتحالف العضوي مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويعترف أحد الدبلوماسيين الفرنسيين قائلاً:” كان استخدام مصطلح الغرب في المذكرات والتقارير الرسمية مفروضاً منذ انتخابات أيار 2007 وتحول إلى مصطلح رئيسي في الخطاب الساركوزوي ” ويعقب دبلوماسي آخر بالقول:” أكد ساركوزي رسمياً وبوضوح أننا جزء أساسي من الغرب وننتمي إلى الغرب ونحن في قلبه وليس على هامشه، ـ عكس ما كان يلوح إليه جاك شيراك ـ ونتقاسم مع الغرب نفس القيم ونفس التاريخ”. وقد استخدم رئيس الدولة في اللقاء السنوي التقليدي مع السفراء الفرنسيين مصطلح “الغرب والغربي”،سبع مرات لاسيما عند التحذير من مخاطر المواجهة مع الإسلام بل والأخطر من ذلك أن الرئيس الفرنسي أدرج هذا الصراع في سياق صدام الحضارات الذي نظر له صاموئيل هينتنغتون واستخدم نفس المصطلح ثمانية عشر مرة في الكتاب الأبيض عن الدفاع والأمن الوطني دون أن يجري تعريف المصطلح بدقة علمية.وأثناء رحلته إلى أفغانستان توجه مخاطباً الجنود الفرنسيين هناك في 22 ديسمبر 2007 بالقول:” أنتم تعملون وتشاركون في استقرار العالم لأنه إذا غدت أفغانستان دولة إرهابية فسوف ندفع نحن جميعاً، بمن فيهم فرنسا وأوروبا، الثمن غالياً يوماً ما” وهو خطاب يتطابق حرفياً مع خطاب جورج بوش في هذا البلد الذي يعتبره جبهة متقدمة في محاربة الإرهاب وأن الحلف الأطلسي أداة شاملة مهمتها الحفاظ على الأمن والنظام الغربي.


الإلحاح على الانتماء الفرنسي للغرب هو محاولة مقصودة للإنتهاء من نزعة “معادة أمريكا” السائدة والمنتشرة في فرنسا. وكما يقول أحد المحللين الفرنسيين:” لايمكننا فهم توجه واختيارات رئيس الدولة إذا لم نعرف انبهاره وافتتانه بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا هو بالتحديد ما يملي عليه مواقفه خاصة انحيازه لصالح إسرائيل وهو متيقن بأننا، وبسبب تحالفنا مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبفضل هذا التحالف، يمكننا أن نؤثر في السياسة الخارجية الدولية”. من هذه الزاوية يرى البعض أن ساركوزي لايختلف عن أي ” محافظ جديد” في الإدارة الأمريكية ولكن بجواز سفر فرنسي. هنالك أربعة ملفات أساسية ستعالجها الدبلوماسية الفرنسية بطريقة مغايرة عن الماضي في عهد الرئيسين السابقين ميتران وشيراك وهي: الملف الأطلسي والملف اللبناني والملف الإيراني وملف الشرق الأوسط أي إسرائيل والعرب وفي إطار هذا الملف الأخير هناك الشق السوري والشق العراقي وارتباطهما بالملف الإيراني.


العودة إلى أحضان الحلف الأطلسي
كرر الرئيس ساركوزي أمام سفراء فرنسا، الذين اجتمع بهم في اللقاء السنوي التقليدي، قناعته بشأن حلف شمال الأطلسي قائلاً :” هل ينبغي التذكير أن هذا الحلف هو حلفنا ونحن الذين أسسناه ونحن اليوم أحد المساهمين في مسيرته وأتمنى أن نتقدم أكثر في الأشهر القادمة نحو تطور الاتحاد الأوروبي والدفاع الأوروبي المشترك ونحو تجديد الحلف الأطلسي وتمتين وترسيخ علاقته مع فرنسا فنحن نمضي معاً، أوروبا ذات دفاع مستقل ومنظمة حلف شمال الأطلسي التي سنأخذ من جديد مكاننا الطبيعي داخلها”. وقد كانت قمة الحلف في بوخارست في نيسان 2008 بمثابة خطوة عملاقة في هذا الاتجاه فلقد أيد الرئيس الأمريكي جورج بوش فكرة تدعيم الدفاع الأوروبي والخطوة القادمة ستتحقق في أيار 2009 بمناسبة الذكرى الستون لإنشاء الحلف، كما ورد في الكتاب الأبيض عن الدفاع والأمن الوطني الفرنسيين حيث ستتكرس رسمياً عودة فرنسا إلى أحضان الحلف الأطلسي وإلى قيادته المركزية. والأمر متوقف على مدى قدرة ونجاح الدول الأعضاء السبعة والعشرون في الاتحاد الأوروبي على تحديد سياسة دفاعية أوروبية مشتركة وموحدة تختلف عن مجموعات القبعات الزرق الأوروبية التي تشارك في الفصل بين المتقاتلين في بعض الصراعات الإقليمية لا أكثر. وتجدر الإشارة إلى أن فكرة عودة فرنسا للقيادة المركزية للحزب كان قد أعرب عنها جاك شيراك سنة 1995 وذلك بمناسبة حرب الكوسوفو حيث شارك الحلف الأطلسي في قصف صربيا وكذلك في أفغانستان. ومع ذلك يعتقد البعض في فرنسا أن خطاب الجنرال ديغول في فنوم بينه سنة 1966 ضد الحرب الأمريكية في فيتنام، وخطاب دومينيك دوفيلبان في نيويورك سنة 2003 ضد الحرب الأمريكية في العراق ساهما، ليس فقط في تألق فرنسا في العالم حسب، بل وأيضاً في تفادي انقسام العالم إلى قسمين ” رأسمالي وشيوعي ” بالأمس و ” الغرب والإسلام ” اليوم، حيث سيتعين على كل دولة من دول العالم الإنضواء تحت لواء هذا المعسكر أو ذاك. وفي 26 آذار 2008 أعرب ساركوزي في لندن عن رفضه حكم العالم في القرن الواحد والعشرين بطرق وأدوات ومؤسسات القرن العشرين متجاهلاً القوى الدولية الصاعدة والمتوسطة الحجم حالياً بما فيها من سكان تجاوز تعدادهم المليارين ونصف المليار نسمة.


الملف الإيراني واحتمالات الحرب وتداعياتها
كانت رؤية فرنسا للمشكلة الإيرانية تختلف كلياً عن الرؤية الأمريكية فواشنطن تتبع خطة التصعيد والضغط والتهديد ورفض الحوار المباشر، بينما كانت فرنسا تنحو نحو الحوار والمفاوضات والدبلوماسية والتفاهم على حل سلمي برعاية دولية.تغيرت المقاربة الفرنسية نحو الملف الإيراني وشدد فرنسا لهجتها وسياستها تجاه إيران منذ انتخاب نيكولا ساركوزي رئيساً للجمهورية. كانت بدايات التغيير قد ارتسمت بين العامين 2004 ـ 2005 عندما كان جاك شيراك يود مد الجسور من جديد مع الرئيس الأمريكي جورج بوش في أعقاب التصدع الذي نجم عن الموقف الفرنسي إزاء الحرب على العراق. ولكن بالرغم من ارتيابه الشديد من قادة الثورة الإسلامية في إيران، المتولد بدوره من تعاطفه مع نظام صدام حسين وتجربته السلبية في محاولات إطلاق سراح الرهائن الفرنسيين في لبنان عبر التفاوض مع طهران بين 1986 و 1988، لم يخف جاك شيراك اثناء فترة رئاسته لفرنسا، قلقه وخشيته من تصعيد أمريكي عسكري قد يؤدي إلى مواجهة مع إيران تكون تداعياتها خطيرة وأكبر بكثير من تداعيات الحرب على العراق.وقد عبر عن تصوره في مقابلة أعطاها لصحيفة هيرالد تربيون الأمريكية الصادرة في باريس في يناير 2007 وأطلق فيها عبارته الشهيرة التي أحدثت زوبعة من التعليقات وردود الأفعال عندما قال:” إن امتلاك إيران لقنبلة أو قنبلتين نوويتين لايشكل خطراً كبيراً. فإلى أين ستطلق قنبلتها النووية؟ على إسرائيل؟ قبل أن تتعدى المائتي متراً في الجو تكون طهران قد أزيلت من الخارطة ومسحت من الأرض”. حدثت الانعطافة المهمة مع انتخاب ساركوزي رئيساً لفرنسا، فالإيليزيه ووزارة الخارجية، وبالذات شعبة الشؤون الاستراتيجية والأمن ونزع السلاح، التي تدير وتتابع الملف النووي الإيراني، والمعروفة بتشددها وتصلبها في هذا الموضوع، لم يلتقوا مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى، كما يعلق أحد الدبلوماسيين متهكماً. وقد أعلن ساركوزي في مؤتمر السفراء والدبلوماسيين الفرنسيين أنه “لن يكون مقبولاً، ولن يسمح” بأن تمتلك إيران سلاحاً نووياً. وشدد على :” تصميم فرنسا وعزمها الشديدين، في المساعي الجارية حالياً، على الجمع بين فرض العقوبات الصارمة والمتصاعدة وفي نفس الوقت الاستعداد على الانفتاح إذا احترمت إيران التزاماته، فهذه المقاربة هي الوحيدة التي ستتيح لنا تفادي بديل كارثي مدمر ويكون علينا الاختيار إما بإيران نووية أو قصف إيران وتدميرها”. وقد ردت صحيفة النيويورك تايمز بعنف على هذا الطرح في مقال نشر في 30 آب 2007 تحت عنوان : ليس هذا أوان التهديدات”. وكان الخطاب الرئاسي الفرنسي حيال إيران قد قاد إلى التزام فرنسا في تشديد العقوبات على إيران والتعبير عن رغبة فرنسا بفرض عقوبات أوروبية خارج إطار الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي كان قد عارضه جاك شيراك في فترة رئاسته لفرنسا. لقد اخفقت هذه الاستراتيجية لأن إيران تجاهلت قرارات مجلس الأمن وواصلت برنامجها لتخصيب اليورانيوم صناعياً وخففت من مراقبة وسيطرة وتحكم الوكالة الدولية للطاقة النووية على برامجها وقد ربطت فرنسا كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية، بين استئناف الحوار مع طهران ووقف هذه الأخيرة لنشاطاتها النووية في تخصيب اليورانيوم وفقاً لبنود معاهدة منع انتشار السلاح النووي. والحال أن هناك مقاربة أخرى مغايرة سبق أن أعطت ثمارها وأن فرنسا والأوروبيين يعرفون ذلك جيداً، والمتمثلة بالتفاوض المباشر وبلا شروط مسبقة أو إكراه وتهديدات. فالحوار مع إيران في نوفمبر وديسمبر 2003 قد أدى إلى تعليق طهران لعمليات تخصيب اليورانيوم والتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي الذي يسمح بتشديد عمليات المراقبة والتدقيق الدقيق. وقد احترمت إيران تعهداتها والتزاماتها بهذا الصدد لغاية بداية عام 2005 لكنها لم تتلق أي مقابل وعدت به المجموعة الدولية بسبب شلل أوروبا وعجزها عن الإتيان بأية مبادرة بسبب التعنت الأمريكي إذ أن واشنطن تصر على أن ترى في إيران تجسيداً للشر ودولة من دول محور الشر أي دولة مارقة يجب أن تعاقب أو تذعن صاغرة. وهذه النغة تتكرر من قبل إسرائيل وأمريكا منذ عقدين من الزمن وتقول أن إيران تعمل على امتلاك السلاح النووي وأنها ستحصل عليه خلال عامين. فبتاريخ 17 أكتوبر 2007 أعلن جورج بوش أنه ينبغي منع هذا البلد ـ أي إيران ـ من امتلاك المعرفة والخبرة في صنع القنبلة النووية. ماذا ستفعل فرنسا إذا قرر البيت الأبيض شن هجوم استباقي وقائي على إيران لمنعها من امتلاك هذه القدرة الصناعية وهذه المعرفة والخبرة الحساسة ومن الذي سيحدد نوع ” القدرة والمعرفة والخبرة” التي أشار إليها الرئيس الأمريكي؟. الجواب يوجد في السابقة الإسرائيلية ـ السورية عندما قصفت إسرائيل، في أيلول 2007، موقعاً سورياً اشتبهت بكونه بناءاً لمفاعل نووي مستقبلي كان الرد الفرنسي مطابقاً للرد الأمريكي تماماً فالمخابرات الأمريكية نشرت تقريراً في نيسان 2008، يزعم أن سوريا تعمل على تشييد مفاعل نووي سري يستخدم لأغراض عسكرية بنية إنتاج سلاح نووي. وفي نفس السياق أصدرت الحكومة الفرنسية بياناً قالت فيه أن من المهم أن تلقي سورية الضوء وتكشف عن أنشطتها النووية في الماضي والحاضر.


فرنسا الأم غير الشرعية للبنان
كان جاك شيراك يولي اهتماماً مبالغاً فيه بلبنان وقد خلط الرئيس الفرنسي السابق مصالح بلده بالعلاقة الشخصية والحميمية التي تربطه بعائلة الحريري في لبنان، الأب الراحل رفيق الحريري والإبن سعد الحريري، وكانت مواقفه حيال كافة الملفات المتعلقة بلبنان نابعة من هذه الصداقة الشخصية وقد حصد ثمارها بعد خروجه من الرئاسة حيث استقر به المقام في إحدى الشقق الباريسية الفاخرة التابعة لعائلة الحريري. وبوصول ساركوزي لسدة الرئاسة في فرنسا ورث ملفاً لبنانياً معقداً يسوده التوتر منذ العام 2005. تجاهل ساركوزي السمات الشيراكية التي طغت على الملف اللبناني وأيد مبادرة وزير خارجيته برنارد كوشنير بجمع الفرقاء اللبنانيين في سيل سانت كلو في تموز 2007 وبضمنهم حزب الله. وقد تجاهل الرئيس الفرنسي الانتقادات والتحفظات الإسرائيلية والأمريكية واعتراضات المجموعة الاستشارية ” الغربية ـ الأطلسية” الذي يعتبرون سورية وحلفاؤها أحد أعمد محور الشر. ضاعف وزير الخارجية الفرنسي كوشنير زياراته المكوكبة إلى بلد الإرز مستغلاً علاقاته الوثيقة مع قادة المعسكرين المتخاصمين في الأغلبية والمولاة. في محاولة لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى حل تفاوضي لانتخاب الرئيس وحكومة الوحدة الوطنية في لبنان.وفي خط موازي أرسل ساركوزي في 4 نوفمبر إلى دمشق سكرتير عام الإليزيه كلود غيون ومستشاره الدبلوماسي دافيد لوفيت دون أن يطلع وزير الخارجية كوشنير على قراره هذا أو يأخذ رأيه فيه. لأن الرئيس الفرنسي يعرف أن للملف اللبناني أبعاد أخرى إقليمية ودولية على جانب تعقيداته المحلية فهناك مصالح سورية وإيرانية وإسرائيلية وسعودية وأمريكية وفرنسية متداخلة وقد اصطدمت فرنسا بعقبة حزب الله الكأداء وتعنت وزارة فؤاد السنيورة مما دفع الأمور إلى التصعيد والاحتكام للسلاح ونزول عناصر حزب الله والمعارضة اللبنانية إلى الشوارع في بيروت واحتلالها وتدخلت الجامعة العربية وبوساطة قطرية ديناميكية نشطة وفعالة تم حل العقد والاتفاق على انتخاب ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية ولم يكن لفرنسا أي دور يذكر في ذلك. فهذا البلد الصغير والغني بالغاز، ويحتضن أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، يقيم علاقات ممتازة مع سورية وإيران وكذلك مع فرنسا. ولديه مكتب تمثيل لإسرائيل لديه اتصالات مثمرة مع حزب الله وحماس وقد حققت قطر ماعجزت عنه دولة عظمى مثل فرنسا اختزلت الأزمة اللبنانية بنظرة تبسيطية وببعد واحد هو بعد الصراعات الإقليمية مع سورية وإيران متناسية الواقع المحلي الغني والمتشابك، الديني والمذهبي والقومي في لبنان. أحدث ساركوزي انعطافة جديدة وغير متوقعة باتصاله المباشر هاتفياً بالرئيس السوري بشار الأسد في 29 أيار ودعوته إلى حضور مؤتمر القمة التأسيسي للاتحاد المتوسطي والمشاركة في الاحتفالات الوطنية الفرنسية بمناسبة الرابع عشر من تموز إلى جانبه على منصة الشرف الرئاسية وهذا ما حصل فعلاً بعد أن كان أرسل مرة أخرى إلى دمشق لتسليم الدعوة شخصياً للرئيس السورية الثنائي غيون وليفيت مما أثار حفيظة السعوديين والمصريين والإسرائيليين وبعض الأطراف اللبنانية فضلاً عن الأمريكيين وكذلك قوى سياسية فرنسية في المعارضة كالحزب الاشتراكي والأغلبية الرئاسية.وتساءل الجميع لماذا تكافئ فرنسا سورية رغم ما فعلته في لبنان وهل مساهمتها في عدم عرقلة التوصل إلى حل لبناني ـ لبناني يستحق مثل هذا التعويض وهذه المكافئة السخية؟ تجيب الأوساط الدبلوماسية الفرنسية أن هدف ساركوزي من ذلك هو إبعاد سورية قليلاً عن إيران وهو تصور ساذج وغير واقعي نظراً لضخامة وعمق وتداخل المصالح السورية الإيرانية وكما قال الجنرال ديغول لا يجب أن نطير نحو الشرق المعقد بأفكار ساذجة.


الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ملف يحرق الأصابع
مرت علاقات فرنسا بإسرائيل بمراحل متنوعة من التحالف الاستراتيجي والصداقة العميقة إلى البرود والتنافر، وانتهاءاً بالانتعاش والتوافق الكلي حتى أصبحت إسرائيل دولة فوق الشبهات. ففرنسا هي التي زودت إسرائيل بأول مفاعلاتها النووية وساعدتها في صنع سلاحها النووي ودخلت إلى جانبها في حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وتأييدها في المحافل الدولية ثم خفتت تلك الموجة من المحاباة في فترة سياسة فرنسا العربية لغاية عام 1981، فبدأت من جديد بالانتعاش منذ رئاسة الإشتراكي فرانسوا ميتران وانتكست نسبياً مرة أخرى في عهد الرئيس السابق جاك شيراك وعادت للانطلاق بقوة في عهد الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي. في 21 نوفمبر من العام الماضي 2007 التقى الناطق الرسمي باسم رئيس الجمهورية دافيد مارتينون بالمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا ” كريف” وحيا التحالف القائم بين فرنسا وإسرائيل التي وصفها بأنها يجب أن تكون في قلب الاتحاد المتوسطي وباندفاع وحماس أعلن أن العلاقات بين البلدين يجب أن تعود إلى سابق عهدها الذهبي إلى ماقبل 1967 أي إلى المرحلة التي كانت فرنسا تقدم فيها لإسرائيل كل شيء، وبالأخص السلاح النووي. حدث التقارب الملموس بين إسرائيل وفرنسا بين 2004 و 2005 رغم ما أشيع عن تعاطف شيراك مع العرب، لكن خروج هذا الأخير من الرئاسة فتح الطريق أمام شهر عسل دائم بين الدولتين بوصول رئيس جديد إلى الإيليزيه يعتقد بأن تأسيس دولة يهودية يعتبر الحدث السياسي الأهم في القرن العشرين، وتعهد بمنع قيام دولة “حماس ستان” في غزة وعدم الخضوع لأية تسوية تمس بأمن إسرائيل. وقد يكون لذلك علاقة بأصوله اليهودية أو لا، بيد أن نيكولا ساركوزي يعد واحداً من أبناء الشعب الإسرائيلي على حد تعبير صحافي إسرائيلي في صحيفة هاآرتز. ثم قام ساركوزي برحلة تاريخية رافقتها ضجة إعلامية عارمة إلى إسرائيل من 22 إلى 24 حزيران 2008. وقد استعار الرئيس الفرنسي في خطابه التاريخ الصهيوني المستند إلى ميثولوجيا توراتية، معبراً عن تعاطفه مع معاناة الإسرائيليين دون أن يلفظ كلمة واحدة عن معاناة الفلسطينيين وتناسى الحديث عن الاحتلال لكنه لم ينس الإشارة إلى أن فرنسا وإسرائيل تقفان في خندق واحد هو معسكر الديموقراطية، بل تعمد عدم النطق بجملة كانت مدرجة في خطابه تشير إلى ضرورة انسحاب إسرائيل إلى ما وراء حدود عام 1967. وتعهد بتعميق العلاقات بين البلدين وتدعيمها كما لو لم يكن هناك احتلال وخروقات للقرارات الدولية ومواصلة لعمليات الاستيطان غير الشرعية وتصاعد عمليات القمع والتجويع والتطويق للشعب الفلسطيني الذي ترجم برةد فعل عنيفة اتخذت صيغة عمليات انتحارية وصفها الرئيس ساركوزي بالعمليات الإرهابية. وعندما طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عندما كان بلدها رئيساً للاتحاد الأوروبي في العام الماضي، بالحصول على شراكة عميقة وذات أفضلية مع الاتحاد الأوروبي كانت فرنسا ساركوزي من أكثر الدول تحمساً لهذا المطلب وستسعى في فترة رئاستها الحالية للاتحاد الأوروبي إلى تحويله إلى واقع عملي ملموس ومطبق والمقصود من ذلك تعميق التعاون في المجال الاقتصادي لصالح إسرائيل بالطبع وأيضاً تعميق أواصر الصداقة والتنسيق والتأييد السياسي من قبل الاتحاد الأوروبي لصالح إسرائيل. وقد طالب الإسرائيليون بتنظيم لقاءات سنوية منتظمة مع المجلس الأوروبي وهو امتياز لا تتمتع به سو دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وتريد أن يتم استشارتها مسبقاً حول أي تصريح أو بيان أوروبي يتعلق بالشرق الأوسط.

لم تكن ردة فعل أصدقاء فرنسا العرب كما ينبغي بل كانت خجولة تمثلت بالتردد في المشاركة في قمة الاتحاد المتوسطي لكنهم تراجعوا جميعهم عن تهديداتهم عدا الزعيم الليبي معمر القذافي.


أعطى قصر الإيليزيه الضوء الأخضر سراً لدبلوماسي فرنسي مخضرم، ومدير سابق لدائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية وهو إيف أوبان دو لا ميسوزير لزيارة غزة والاتصال بحماس، ولكن ما أن تسرب الخبر وانتشر إعلامياً حتى انبرى المتحدث الرسمي باسم الخارجية الفرنسية ليقول أنها كانت ” مبادرة فردية”. ولم يتردد الرئيس الفرنسي في مهاجمة وانتقاد حركة حماس أثناء زيارته لبيت لحم في 24 حزيران 2008 قائلاً :” لايمكننا أن نقيم سلاماً مع الإرهابيين ولا نتناقش مع الإرهابيين وهذا ينطبق على حماس وكل من يتصرف بهذه الطريقة”. هل يتجرأ الرئيس الفرنسي أن يطبق مقولته على إسرائيل التي ترهب السكان الفلسطينيين؟ ولو كانت فرنسا في سنوات السبعينات والثمانينات قد اتبعت الموقف الأمريكي ـ الإسرائيلي الذي وصف منظمة التحرير الفلسطينية بالمنظمة الإرهابية التي يمنع الاتصال بها لما حصل حوار مع ياسر عرفات، ولا مفاوضات بين نفس تلك المنظمة وإسرائيل فيما بعد أفضت إلى ما آل إليه الوضع اليوم في الأراضي الفلسطينية.
لاتستطيع فرنسا وحدها، وليس لديها الثقل والوزن اللازم، أن تلعب دوراً فعالاً في قضية الشرق الأوسط، بل تريد زج الاتحاد الأوروبي برمته فيها خلفها. رغم أن مؤتمر أنابوليس في نوفمبر 2007، الذي حرك المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية الجامدة، لم يشر إلى أي دور لأوروبا في عملية أو صيرورة السلام الجارية. بينما تصر باريس على أن هناك ورقة لابد لأوروبا أن تلعبها في المنطقة الآن، مستغلة فترة انشغال أمريكا بحملتها الانتخاية التي تستنزف جل طاقتها، وتجعلها شبه منسحبة دبلوماسياً من شؤون العالم، ومنطوية على نفسها مؤقتاً، ريثما يتم اختيار إدارة جديدة. وأنه لابد أن يتم الاستماع إلى صوت فرنسا لاسيما في فترة رئاستها للاتحاد الأوروبي الذي ستتحدث بإسمه. ولم يتطرق الرئيس الفرنسي في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي إلى ” التجميد الكامل والفوري ” للمستوطنات ” بينما كانت هذه العبارة موجود في صلب خطابه. وتحدث عن ّ القدس عاصمة للدولتين ” لكنه لم يذكر ماهي حدود الدولة الفلسطينية وهل ستكون في نطاق حدود ما قبل حرب الأيام الستة سنة 1967؟ فمشروع الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي الذي تكلل في فاتحته بتنظيم العرس المتوسطي كما يسميه الفرنسيون، جاء في أجواء إقليمية مواتية وعلى خلفية محادثات غير مباشرة بين السوريين والإسرائيليين بوساطة تركية، ونجاح اتفاق الدوحة لخصوص المسألة اللبنانية بفصل الوساطة القطرية واستمرار المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية واللقاءات بين محمود عباس وإيهود أولمرت منذ أنابوليس حيث يرتسم أفق لرهان إستراتيجي تسعى لتحقيقه إسرائيل ويحظى بدعم وتشجيع ومساعدة فرنسية وأوروبية، والهدف منه هو فك ارتباط سورية بشار الأسد عن إيران محمود أحمدي نجاد، الذي يعتبره الغربيون والإسرائيليون خطراً كامناً على المنطقة برمتها. من هناك يمكننا القول أن بيد ساركوزي ورقتين : الأولى تتمثل بالحوار المباشر مع سورية بشأن لبنان أولاً وقضايا المنطقة والسلام والتعاون الاقتصادي. وورقة التشدد والصرامة التامة حيال الملف النووي الإيراني حيث يمكن لسورية أن تلعب دوراً في إقناع الإيرانيين بضرورة التعاون مع المجموعة الدولية وتقديم التنازلات اللازمة لإعادة فتح الحوار معها لاسيما تعليقها لأنشطة تخصيب اليورانيوم فوق أراضيها. السعوديون يخشون من إضعاف الفريق السني اللبناني من جراء تلميع فرنسا لصورة سورية في المجتمع الدولي، والرئيس حسني مبارك نبه الفرنسيين إلى مغبة التسرع في تطبيع الأمور مع دمشق بدون مقابل، إلا أن إسرائيل أفهمت باريس أنها لاتمانع من وجود سوري رمزي في لبنان يساعد في ضبط وتطبيع الأوضاع في هذا البلد وكبح جماح واندفاعة حزب الله وتهديداته تجاه تل أبيب.


المراقبون للمشهد الشرق أوسطي يعتقدون أن أنظمة الشرق الأوسط تعمل على كسب الوقت والمراوغة والمماطلة بانتظار انتهاء اللعبة الانتخابية الأمريكية وأن بشار الأسد غير مستعد لمفاوضات مباشرة وشاملة مع الإسرائيليين بدون رعاية أمريكية وبالتالي لابد من انتظار نهاية فترة الانتخابات وانتخاب رئيس أمريكي جديد. فقد أعرب الإسرائيليون عن ارتياحهم لتبدل الموقف الفرنسي تجاههم وضمان الدعم والتأييد والتضامن الفرنسي معهم حيال الخطر الإيراني عليهم، ومساعدتهم في حصولهم على امتياز الشراكة الكاملة مع الاتحاد الأوروبي.


وأخيراً وليس آخراً الملف العراقي
تبدو فرنسا هذه الأيام متفهمة لخيارات الحكومة العراقية السياسية والاقتصادية لاسيما مشروع الاتفاقية الأمنية التي يجري التفاوض حولها بين العراقيين والأمريكيين لتنظيم وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية بما يحفظ سيادة واستقلالية البلد، حيث ينتهي التفويض الدولي للقوات الأجنبية بموجب قرار الأمم المتحدة في نهاية ديسمبر من عام 2008. وبعد زيارتين قام بهما وزير الخارجية الفرنسية بيرنادر كوشنير إلى العراق والتعهد بإنعاش التعاون الثنائي بين فرنسا والعراق في مختلف الميادين لاسيما الاقتصادية والاستثمارات والتدريب العسكري الخ.. وقيام مسؤولين عراقيين كبار بزيارة فرنسا وعلى رأسهم الرئيس جلال طلباني، بات لابد من حث الرئاسة الفرنسية على القيام بمبادرة ملموسة وذات مغزى تجاه العراق تتمثل بتنظيم زيارة رسمية للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى العراق لترسيخ أسس التعاون المشترك ووضع البرامج والآليات اللازمة لانطلاقة هذا التعاون الذي سوف يعود بالفائدة للبلدين معاً ومن المفترض أن تدرك فرنسا أهمية العراق لفرنسا من الناحية الاقتصادية وكمورد لاينضب للطاقة، خاصة وأن لها خبرة عميقة في هذا المجال، حيث أن العراق هو ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم إن لم يكن الأول لو تم تأكيد وجود حقول عملاقة في المنطقة الغربية من العراق حيث هناك متسع أمام فرنسا للقيام بعمليات الاستثمار النفطي في التنقيب واستخراج النفط وبناء المصافي وترميم البنى التحتيتية في هذا القطاع الحيوي وغير ذلك من المشاريع المشتركة. كما أن العراق يشكل سوقاً استهلاكية هائلة للبضائع والمنتجات الفرنسية التي سوف تحرك الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني من الركود اليوم. وبما أن الرئيس الفرنسي قد برمج زيارة لسورية في نهاية الصيف نظراً لأهمية هذا البلد على الرقعة الدبلوماسية الشرق أوسطية، فما المانع أن يكمل الرئيس الفرنسي مشواره على بعد 45 دقيقة بالكاد بالطائرة ليحط الرحال في بغداد في زيارة مفاجئة كما فعل باقي الزعماء الغربيين ” أمريكا وبريطانيا واستراليا “، ويلتقي بالمسؤولين العراقيين وتكون مبادرة قيمة لتمتين أواصر الصداقة بين البلدين وقلب صفحة الماضي مرة وإلى الأبد؟ وهذا مقترح لايمكن إلا أن يكون إيجابياً للبلدين معاً ويستحق الدراسة والتمعن فيه.

إعداد: د. جواد بشارة

باريس