الرئيسية » مقالات » الخوف من الكلمات إلى متى ..؟.

الخوف من الكلمات إلى متى ..؟.

ليس العيب فيما إذا كنا قد أخطأنا، أو نمارس الخطأ، لكن القباحة تكمن في أن نقر بالخطأ ونعيد إنتاجه مرةً تلو الأخرى ..

نحن الكرد في سوريا، وأعني هنا الأطر المشتغلة في الحقل السياسي، نتباهى بعدم اعتمادنا لغة الدم والسلاح سبيلاً إلى الحوار أو حل القضايا الخلافية، وأن أيدينا لم تتلطخ يوماً بالدماء، ولم نرتكب جريمةً بحق الآخر، ونحن نختلف في خنادق العمل والنضال، وهذا صحيح، بل والكل لا بد وأن يشهد على ذلك، ولكن هل ذلك يدعونا إلى القول؛ على أن المنطق الذي نعتمده هو الذي يقف حائلاً بيننا وعدم انحيازنا إلى القوة، كوننا نمتلك الذهنية التي تحترم الآخر وتناقش الخلاف من مبدأ التباين واحترام الاختلاف، وإذا كانت المسألة بهذا الشكل والنموذج، فلماذا لا نمتلك القدرة لأن نتحمل وقع الكلمة، لماذا تستنفر المحميات والمشيخات، وتتم تجييش المعسكرات إذا ما مد أحدهم بإصبعه تجاه مواطن الخلل، خاصةً إذا كان فيه مساس بالشخص / الصدارة، أكثر من الوقوف على الخط والموقف والرأي ..؟ لماذا لا ندع المسألة في إطار تحمل المسؤولية، وفيه يكون المعني بالأمر أولى بالدفاع عن نفسه، إذا ما تعرض إلى إساءة أو تشويه أو اتهام، حسب تصوره أو ما يتراءى له، أو حتى تصور المحيطين به، فنتأهب – عوضاً – نحن البسطاء والمغلوبين على أمرنا لتحمل مهمة الدفاع، وفي أكثر الأحيان لا ندري عن ماذا ندافع، وكأن المسألة انحصرت في الخنادق والمواجهات، دون أن نتدارك، ترى من يواجه من ..؟، وهل خلقت الأطر لتواجه الأعزل من كل شيء سوى الكلمات ..!؟.
قد نكون ميالين إلى اعتبار مهنة الكتابة رسالة بحد ذاتها، إذا ما احترمناها، وأن التعامل مع الكلمات هي أرقى أشكال التفاعل مع مفردات الوعي والمعرفة، إذا ما حاولنا أن نستنبط من الكلمات ما يخدم الارتقاء بالجانب الجمالي في الإنسان، ويعني ذلك الحرية بالمعنى الواسع، ولكن أن نحول مهنة الكتابة إلى مجرد بضاعة ندفع بها إلى أسواق عكاظ، أو نستحوذ من خلالها على رضى أولي الأمر والقرار، أو الوسط والدائرة، فهذا ما يذكرنا بأيام البلاط وكتابه، وإن كان البعض قد يقول، بأن عليه واجب الدفاع عن الحق، ونحن نناصره فيما يقوله، ولكن ينبغي أن يكون ذلك حيث يكون الحق، وحيث يقع الظلم، أو حيث نكون أمام أشكال الدجل والنفاق والمواربة، وحيث يمارس التشويه والتشوه، سواء من ذوي الأرحام أو من ذوي القرابة، بمعنى آخر، عليه أن يكون حاملاً لرسالة الدفاع عن الحق أياً كان مصدر الخطل والخلل، أو الخروج عن الصراط ..!.
لقد بات كل منا يعي قيمة جواز السفر وحاجته إليه في التنقل والاجتياز، وأن البعض منا يحمل مثل تلك الجوازات بمجرد انخراطه في العمل الحزبي، ليجعل من نفسه الخندق الأشد دفاعاً عن الإطار أو الصدارة، وقد يكون محقاً في رأيه، أو قد يكون في ذلك يمارس بعضاً من قناعاته، ولسنا هنا في وارد النقاش معه فيما يذهب إليه، بحكم احترامنا لما يحمله، ولكن شريطة ألا يتحول ويغير في الموقع، إذا ما حدث في المشهد جديد، بحيث ينتقل من موقعه إلى موقع يجد فيه نفسه على أنه هو نفسه وليس غيره من احتل موقع من كان في مواجهته وهو ينبش بالماضي الذي كان عليه الإطار أو الشخص المتصدر، كما هو حاصل في المشاهد المتكررة في واقعنا الحزبي، وخاصةً إبان الهزات والانكسارات وفرط العقد، لأن الكثيرين – مع احترامنا لهم – لكثرة دفاعهم واستماتتهم في مواجهة الآخر، امتهنوا هذه المهنة، وحين انقلبوا، فبالقدر الذي كانوا عليه في مواقع الدفاع، أصبحوا مهاجمين وأكثر ..؟!.
كثيرون من الكتاب والمثقفين، وباختلاف ميولهم ونزعاتهم، وربما أكون من ضمنهم، قد وقفوا على تجربة الحركة الحزبية الكردية في سوريا، من جهة الرصد وتقصي الحقائق، إلى جانب الكشف عن البعض مما هو مستور، وقد يكون الدافع لدى البعض منهم، وقد أكون من بينهم أيضاً، ليس بقصد التصحيح أو المراجعة، أو هكذا نعتبره، خاصةً إذا كنا ننطلق في الاحتكام من عقلية المؤامرة، على أن البعض منهم حاقدين أو موتورين أو متحاملين ..إلخ، ولكن أعتقد جازماً أن كل الذي ذهب إليه من وقف تلك الوقفة، ماضياً وراهناً، لم تكن لا من حيث الحجم، ولا من حيث سرد القصص واستدعاء الأحداث، بقدر ما كانت – وما تزال – تذهب إليها الحركة الحزبية وهي تدير أزماتها ومتناثراتها، سواء في أيام الحروب الباردة أو الساخنة، وقد يكون المثال الأقرب إلى الذهن والواقع، ما حصل من تراشقات وأقاويل كنا نخجل من سماعها، حين لفت الأزمة الأخيرة بالتحالف الديمقراطي، فهل امتلكنا إرادة التصدي ووقف نزيف التشوه والانتقاص من عقلية المتلقي، تماشياً مع ما ندعيه من احترام إرادة الشارع، أو ليس كل ما يقوله من يقف على هذه التجربة مستمد من قاموس ما قاله البعض في الآخر، أيام كانت رحى الصراع تجتر كل ما تقع أمامه، من جهة التخوين والتشكيك، بل وأكثر من ذلك مما نخجل قوله، وأن آثارها ما تزال تخرج برأسها بين الفينة والأخرى على صفحات الجرائد الحزبية، وأن المتابع والمراقب لواقع الحركة، يرى كيف أن أقطاب التصارع والتناحر على بعض (الامتيازات والمتكسبات) الحزبية، على استعداد للطعن في منافسيهم والتشكيك في مصداقيتهم أو ملاكاتهم، وتلفيق الدعايات حولهم، وصوب أعينهم تتجه إلى الموقع عينه الذي عليه المنافس المدعى، وهنا، أليس علينا الإقرار بأن الحركة هي من قدمت أوراقها الثبوتية وما تزال في اجتيازها – وبنجاح – لكل ما نسميه بالمهاترات أو التشهير والتجريح، وهل جاء أحدهم بشيء لم تختلقه الحركة نفسها، أم أن القضية تدخل ضمن مقولة؛ من حقي القول والممارسة فيما هو متعلق بي، وكيفما شئت، وليس لك الحق حتى في الإشارة إليه .. أو أن الحركة وباعتبارها الجهة الممثلة للقضية التي نعمل من أجلها، لها الحق في التصرف كيفما شاءت، وأن تدير المسائل بالشكل الذي ترتأي، وما على الآخر سوى الانصياع والانقياد، حتى دون البحث عن إجابات لبعض الأسئلة المشروعة، في كيفية التمثيل وبأي أداة نضالية وعبر أية انعطافة، بمنأى عما هو مدون في الأدبيات والبلاغات والبيانات .. ومع ذلك، وحتى لا تأخذ المسائل أبعاداً لا طائل منها، أو ندخل في دوامة نشر الغسيل دون تنظيفه، وإن كنا نعتقد أن بعض القضايا قد دخلت مرحلة الإسفاف والطعن بمشاعر الإنسان الكردي، على غرار ما يدور الآن من حالات تخندقية بين بعض الجهات التي تتباكى على الإطار الشامل والمرجعية ليل نهار، وهي نفسها لا تدخر جهداً في طعنها، حين تصب ممارساتها باتجاهات الثلاثية أو الرباعية أو الاتحاد السياسي، أو العودة إلى البنى الفكرية المزعومة، والتي شكك أصحابها في حقيقتها بالأمس القريب..إلخ، نقول مع ذلك، هل امتلك طرف ما زمام المبادرة ودعا منتقديه إلى طاولة الحوار بهدف توضيح الصورة وإزالة اللبس والغموض، أم أنه جعل المختلف معه خارج أقواس القومية والوطنية، بل وأبعد من ذلك، دون أن يدرك المهمة الملقاة على عاتقه، والتي تتجسد في شرح رؤيته والتحاور مع الآخر، بدل دفعه إلى المزيد من التشنج والحفر في خنادق الافتراق، أم أن المصيبة تكمن في الحالة ذاتها، كوننا لا نمتلك القدرة في أن نتقبل وقع الكلمات إذا ما كانت تتناولنا وتطال ماهيتنا ..؟. وعليه لا بد أن نتساءل؛ كيف لنا أن نكون أصحاب مشاريع بالحجم الذي نبشر من خلاله على أنها تهدف إلى إخراج الكرد من ظلم التاريخ والجغرافيا، ونحن ما زلنا أسيري الخوف من الكلمة وفعل الكلمة ووقع الكلمة، وإن كنا لا ننسى التأكيد دائماً على أننا نواجه مخططات تستهدف هويتنا وكينونتنا ونرددها ..؟!.
نحن لا ندعي بأن كل ما يقال في الحركة الحزبية هو المعتمد، ولكن في الوقت نفسه نتوجه إليها لنقول لها، إذا كان الذي يقال فيها هو التجني، فلنقم – كأحزاب – بعملية مراجعة شاملة لتجربتنا من النشأة وإلى اللحظة، سواء ككل، أو كأطر، وسواء من جهة الفكر والموقف أو من جهة الطرح والممارسة، ونضع كل ما جرى فيها من إشكاليات وتعقيدات وكبوات على بساط البحث، وإذا ما جاءت النتيجة على أن ما يقال فيها هو مجرد افتراء بافتراء، وأن الوضع الذي عليها ليس فيها سوى بعض النواقص، فمن حقنا حينها أن نطعن حتى بهوية المنتقد، أما إذا جاءت النتيجة بأبشع ما يذهب إليه المنتقدون، فحينها أعتقد أنه لا علاقة لنا بالشكل الذي يمارس المنتقد فيه ذاته أو الأرضية التي ينطلق منها، كون الجانب المتعلق فينا أكثر أذى وتشوهاً، وإن كنا نتمنى على كل من يتناول التجربة الابتعاد عن وطأة ردود الأفعال، وألا تشكل الحالة التي عليها الحركة مبرراً لهم في سبر الأغوار، كون الحالة لا تحتمل، وإن كان ينبغي ألا يشكل ذلك في الوقت نفسه بالنسبة لنا متراساً نحتمي به وخلفه، ومعنا انكساراتنا وثقافتنا التي تكونت وفق النموذج الذي نتعامل من خلاله مع إدارة الأزمة في رحم الحركة الحزبية، لأن عقدة الخوف من وطأة الماضي، ستجعلنا أكثر تخوفاً من المستقبل وأكثر وهناً وضعفاً حيال استحقاقاته ..
خلاصة القول، أن الساحة المفتوحة أمامنا للتحاور والتداول، هي ساحة الكلمة ليست إلا، وما نتمناه على كل من يتعامل مع الكلمة أن يأخذ في اعتباره على أنه صاحب رسالة، وعليه يقع مسؤولية عدم الوقوع في دوامة ما هو من صنيع الترهل أو التكلس والأزمات، وأن رسالته لا تكمن في الدفاع عن ما هو من نتاج واقع كان وما زال مفروض عليه، وألا يشكل جزاً من ذاك الحوار الذي جعلته الحركة الحزبية عبر تعاطيها على مدى عقود من الزمن، على شاكلة حوار الطرشان، لأن الخطر لا يكمن فيما إذا أخطأت الحركة، وإنما في وقوع النخبة في الفخ، حينما تدافع عن الخطأ أو تهذبه وتجمله، بل والأكثر من ذلك، أن تذهب في سلوكياتها مذهب الأطر وهي تتصارع، وأعني هنا تحديداً الفئة التي تجتهد في الحقل الثقافي ولها امتداداتها الحزبوية، فهي المعنية بعدم الخلط بين الواجب الحزبي ومهمتها في صياغة المستقبل، لأن في ذلك تجن على هويتها، وفي ذلك تشجيع لما هو قائم وخطر في آن معاً، وهو مواجهة الحركة لمثقفيها ومتنوريها، خاصةً لو تشكلت لدينا القناعة بأن عنصر الحزب والتحزب غير مستقر وخاضع للاهتزاز بل وللزوال أحيانا، بينما الجانب المعرفي سيبقى له حضوره ما دامت البشرية في تفاعل وتواصل، إلى جانب أن النخبة هي المعنية بالاجتهاد في سبيل التأسيس لمقومات الحوار الذي يستند على البناء المعرفي، وينطلق من قاعدة احترام الآخر المختلف، دون أن يكون الأسر بالنسبة لنا هو الإطار، وإن كان للكل الحق في أن يعمل كما يشاء وفي أي إطار شاء، وبذلك أعتقد أننا سنمتلك البعض من الأمل في أن نقلع عن الواقع الذي يؤكد لنا على أننا منقادون إلى فعل الخطأ، وذلك إذا ما توصلنا إلى تلك القناعة، بأن هدر الطاقات في مواضيع لم تمتلك بعد مقوماتها هو استهلاك دون الإنتاج، وهذا لا يعني مطلقاً التزام جانب الصمت حيال ما يجري من تشوهات، بقدر الدخول في عملية البناء، وخاصةً بناء الإنسان من الداخل قبل أي شيء آخر ..