الرئيسية » مقالات » حرام عليك سعادة السفير 2ـ3

حرام عليك سعادة السفير 2ـ3

بحكم إقامته الطويلة في مدينة جدة السعودية، والعمل في احدى بنوكها لمدة ثماني سنوات او اكثر، كان من الطبيعي جداً ان يقع الرئيس التركي عبد الله غول ضحية للمودة والاحترام للمملكة وملكها، حاله في ذلك حال الرئيس الراحل رفيق الحريري وحال الكثير ممن عمل ويعمل في المملكة السعودية، وربما تلك العقدة دون غيرها، دفعت الرئيس التركي غول للذهاب بنفسه للقاء جلالة الملك عبد الله في محل اقامته في احد فنادق انقرة المرموقة، خلال الزيارة الاخيرة للملك السعودي الى تركيا .
تصرف “غول” خلافاً للاعراف والبروتوكلات الرئاسية الرسمية، تؤكد نبل الرجل ووفائه من “وجهة نظرنا”، لكن الاتاتوركيين والقوميين الترك من ساسة كبار وجنرالات وكتاب وصحافيين وربما سفراء، كانت لهم وجهة نظر اخرى مختلفة، فقد اقاموا الدنيا ولم يقعدوها في وسائل الاعلام التركية الرسمية منها وغير الرسمية ،احتجاجاً وتنديداً بتلك الزيارة، حيث اجمع الجميع على اتهام عبد الله غول الرئيس المنتخب ديمقراطياً بشتى الاتهامات، وصلت الى حد وصف الرجل بالرئيس الراكع امام الملك العربي”الغني”، وتجاوز احدهم حدود الوقاحة الفجة حين وصف الملك عبد الله “بالملك ابو عقال” .
“اراب ساجنة دوندو” عبارة تردد بكثرة في الاعلام التركي، ويطلقها الساسة وكبار رجالات تركيا بمناسبة وبدونها، كما يرددها العامة من الترك مراراً وتكراراً في حياتهم اليومية، كلما واجهت احدهم ظاهرة او حالة من الفوضى والهمجية، وهي تعني” كالشعر العربي الاجعد”، كما ان التركي لا يتوانى على اطلاق كلمة “اراب” على كل ماهو اسود وقاتم، فيقول التلميذ لزميله مثلاً، هل ناولتني قلمك العربي !!!
التقليل من شأن الشعوب الاخرى، ظاهرة تأصلت لدى الاتراك، بفعل الفكر الكمالي الاستعلائي المتعجرف المناهض لكل ما هو شرقي، في المقابل نجد عبارة “باتلة لاشما” التركية، والتي تعني التغرب، هذه القاعدة الهامة جداً من الارث الاتاتوركي، والمبدء الثابت والمقدس لدى اتباع اتاتورك، وواحدة من اهم القيم الاساسية للفكر الكمالي القومي، الذي يقوم على تقليد الغرب وتقديسه من جهة، والتقليل من شأن شعوب منطقتنا من جهة اخرى، على ضوء تلك القاعدة فقط لا غير، يمكن للمرء فهم ظاهرة العجرفة التركية العلنية المتبعة اليوم في تركيا .
لا يعرف العديد من القراء الاعزاء، ان صورة العربي في الصحافة التركية هي اسوء بكثير منها في الصحافة الامريكية والغربية، فعلى سبيل المثال لا الحصر وفي فترة تواجد عبد الله اوجلان في حضن سوريا الاسد في فترتي الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم، عندما كانت الحالة متأججة بين الطرفين التركي والسوري حول مياه نهر الفرات وغيرها من القضايا، واستخدم في وقتها السيد اوجلان كورقة ضاغطة من قبل النظام السوري على الطرف التركي، وقبل ان تصبح العلاقة بين سوريا وتركيا علاقة صداقة مفرطة، وقبل ان تتنازل سوريا عن لواء اسكندرون في عهد الاسد الابن بشار، وقبل ان يطرد اوجلان وترفع عنه الوصاية السورية، كانت الحملات الاعلامية التركية في اوجها ضد العرب، هذا الامر دفع بالبعض القليل من اصحاب “النشامة والنخوة العربية”، للاحتجاج الخجول لدى بعض الاوساط التركية، لكن الحجة التركية كانت اقوى بكثير من الاحتجاج العربي نفسه، فقد قيل للمحتجين، ان صحافتنا التركية حرة ولا يمكن توجيهها او تقييدها، وليست كمثيلاتها في العالم العربي، ولا يجوز مقارنتها بجريدتي البعث والثورة السوريتين .
هذا عن صورة العربي في الذاكرة التركية اما صورة الكردي فهي ولله الحمد لا وجود لها في تلك الذاكرة، لان الكردي التي الحقت بلاده بتركيا، يعتبر تركياً جبلياً رغماً عن انفه، ولايعترف به كثاني اكبر قومية في البلاد، ويسحق او يرمى به في السجن اذا اصر على كرديته وطالب بحقوقه، فالهوية الوحيدة المعترف بها في العرف الاتاتوركي هو التركي الفخور بتركيته، اما بقية الشعوب فهي اقل شأناً ومكانة من احفاد اتاتورك .
عام 2003 زرت الجمهورية التركية من اقصاها لاقصاها، من غربها التركي لشرقها الكردي، وكانت الغاية التعرف على هذا البلد عن قرب وبالعين المجردة، ففي مدينة اسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا واكبر مدنها تجد في بعض مناطقها وخاصة في الضواحي الفقر المدقع والمجتمع الشرقي، وفي مناطق اخرى تجد مظاهر الرفاهية والتغرب، اما الفارق الشاسع بين الشرق الكردي والغرب التركي، تلاحظه بمجرد الاقتراب من مدينة اورفة، حيث تتكاثر البيوت الطينية والانتشار الواسع للعسكر التركي والجندرمة المدججة بالسلاح، التناقض تجده في كل مكان في تركيا، ويتجاوز الفروقات الطبقية والقومية، فالاسلامي التركي تجده اكثر تنوراً واعتدالاً عن غيره من اسلاميي المنطقة، و”علمانيها” من الاتاتوركيين تجدهم يختلفون عن العلمانيين في الغرب والشرق، متزمتين بفكرهم القومي الفاشي حتى العظم، اما اكثر صور التناقض التركي على الاطلاق، فهي الرغبة التركية الجامحة في الدخول الى الفلك الاوروبي، في الوقت الذي تتمسك بالفكر الفاشي الاتاتوركي، وتضهد ثلث سكانها من الكرد .
الشعور الدائم بعدم الانتماء التاريخي للمنطقة الذي يتملك التركي، ربما تكون احد العوامل المهمة التي تقف وراء لازدواجية التركية التي نشاهدها اليوم، فتركيا تتأرجح بين التاريخ والمستقبل، وهي لاتنتمي في الحقيقة لا للشرق كما انها لا تنتمي للغرب، لكن من المؤكد ان افكار وقيم مصطفى كمال باشا اتاتورك الفاشية، التي سبقت افكار اودولف هتلر ولا تزال تفعل فعلها في المجتمع التركي، هي دون غيرها تشكل السبب الرئيس لازمة الهوية التي تعصف بتركيا، ومصدراً لمعظم مشاكلها .
لا شك ان سعادة السفير فاكيلي عاش فترة في الكويت، لكنه للاسف لا يعرف بعد ان الكويت بلد يضرب به المثل في الحريات، وهي متقدمة على تركيا في الصحافة الحرة والكلمة المتزنة، ولسعادة السفير التركي نقول : حرام عليك سعادة السفير الكيل بمكيالين، فصحافتكم عندما تتجاوز كل الحدود، تتحججون بحرية الرأي، اما صحافتنا اذا كتب فيها كلمة حق تطالبون باسكاتها .