الرئيسية » مقالات » ( إدارة الثقافة ) العراقية.. من ..(ألواح الطين).. إلى ..جدران التخلف العازلة!

( إدارة الثقافة ) العراقية.. من ..(ألواح الطين).. إلى ..جدران التخلف العازلة!

على مدى عقود كنا نعاني من هيمنة “ثقافة الصنم الواحد” على “إدارة المؤسسات الثقافية”..ولا اعني هنا في هذا المقام أزمة “روح الثقافة”..بل أزمة ” إدارة صناعة الثقافة”..أي دور مجموعة الموظفين (مسؤولي قمة هرم المؤسسات الثقافية)الذين يتولون إدارة تلك المؤسسات، ويشكلون احد أسباب أزمة الثقافة..على امتداد تلك الحقبة العسيرة من الزمن..
ونحن اليوم نقف أمام جسد المؤسسات الثقافة الوطنية الواهنة كـ( دائرة السينما والمسرح، دائرة الشؤون الثقافية، دار الحرية للطباعة والنشر، دار الأزياء العراقية، دار ثقافة الأطفال ، دائرة الفنون التشكيلية ، دائرة الفنون الموسيقية، الفرقة القومية، الفرقة السمفونية العراقية..وغيرها)،– التي خلفها لنا نظام الصنم الواحد – ويتحاصصها المتحاصصون (وفق مبدأ اقتسام الغنائم..)..أمام مرأى ومسمع “مثقفي الناس”على امتداد الوطن..
بل أن ” وزارة الثقافة ” صارت وزارتين متنازعتين واحدة في شارع حيفا والأخرى في البلديات..( كما يقول القاص – حسب الله يحيى – في ندوة تلفزيونية على شاشة قناة الحرية)..
وبدلا من أن تكون “الثقافة” – الإنتاج الفكري للشعوب – مصدرا للارتقاء والمكون الرئيس لهوية الشعب..كما أراد لها الآباء العراقيون – مؤسسو الثقافة الإنسانية -..
عندما اخترعوا – الكتابة – لتكون أولى خطوات التأنسن ونشوء الحياة الاجتماعية المدنية..
“اخترع السومريون الكتابة في عصر الوركاء حوالي منتصف الألف الرابع قبل الميلاد ،وكان اختراع الكتابة قد استلزمته حاجات التطور الحضاري في بلاد الرافدين في أواخر عصر ما قبل السلالات، كالحاجة إلى تدوين الواردات وضبط الحياة الاقتصادية في المؤسسات المدنية والدينية.”(1)

بدلا عن ذلك ..أصبحت المؤسسات الثقافية (بعد الاحتلال وسقوط الدكتاتورية) – باسم الخصوصية المحلية – تُدار وفق مشيئة القوى (الممسكة بالسلاح والسلطة والثروة) في هذه القرية ..أو تلك المدينة ..أو المحافظة ..وحسب حصة كل –قوة- من الغنيمة!..

وخبا صوت المثقف الأعزل ..الحالم والعامل من اجل :
دولة القانون والتنمية..والحريص على إقامة المجتمع المتمدن..
وتعالى بدلا عن ذلك ..ضجيج صوت :
• الإرهابي الذي “صحا” من آثامه..!
• وقاطع الأعناق الذي “تبرأ” من سيفه..!
• وفدائي صدام الذي لبس لحية..!
• والميليشياوى المتسربل بجلباب المنقذ..!
• ودليل المحتل الذي ” تَنَكَّر” للمجنزرة التي أقلته..!
• وذئاب ” القمع ” التي صارت حراسا للسلامة..!
• والمتربص الداعي لـ”الاعتدال”..!
• وطبّالو الدكتاتورية الذين أضحوا منشدين في جوقة “الديمقراطية”..!

وصارت “إدارة الثقافة الوطنية” في بغداد – مثلبة – يأبى أن يتسلمها – المتحاصصون- ..( فـ_الثقافة – ليست وزارة سيادية مثلما الأمن والسجون ..مثلا!) .
وتراجعت مكانة ” المثقف المتخصص” في هرم إدارة الدولة والمجتمع منذ إن حل .. الرصاص بدل الحروف ، والتوحش بدل العقل..بعد إن كان – المثقف العراقي – ( الكاتب ) قبل ستة آلاف عاما ضلعا في المثلث الذي يقود الدولة والمجتمع.. (الكاتب . مدير المعبد . والقاضي).

” كان الكاتب يفخر بعلمه.وكانت الدراية بالقراءة والكتابة لقبا يعدل لقب مدير المعبد أو القاضي”(2)

وصرنا – اليوم – أمام تساؤل يُطرح في قمة هرم السلطة السياسية..وقمة هرم إدارة المؤسسة الثقافية..

ما هي الثقافة؟!

يقول الشاعر العراقي فوزي الاتروشي – وكيل وزارة الثقافة – في ندوة بقناة الحرة تناولت جوانب من أزمة – إدارة الثقافة- :
إن المشكلة وصلت إلى حد.. الحاجة إلى الاتفاق بين الفرقاء السياسيين على – مفهوم الثقافة -!
وهو بذلك يصيب الهدف تماما، وينكئ الجرح!
لان معظم موظفي إدارة المؤسسات الثقافية على اختلاف مراتبهم ومنابعهم العاملين في تلك المؤسسات يختلفون حول – مفهوم الثقافة – وألوانها، وأزيائها ، ووزنها ، وشكل قبعة رأسها ..التي تحددها لهم أحزابهم وحركاتهم وطوائفهم وأعراقهم في الخندق الذي يستوطنون فيه..وان تداركوا أمرهم وكشفوا عن رؤيتهم كـ(مثقفين متخصصين)..سيقذف بهم خارج دائرة الولاء لمن جاء بهم إلى مراكزهم الوظيفية..وسيتهمون بالخيانة لـ- المبادئ والعقائد- وسيحرمون مثل مئات آلاف المثقفين المستقلين حزبيا من مصدر العيش!..أو يصطفون في طابور المنتظرين للمكرمات..التي خَبِرها البعض ممن أدمن تلقي ” الهبات ” من “إدارة ثقافة ” الصنم الواحد قبل سقوطه..
والكثير من مثقفي – سلطة الصنم الواحد – الذين أعيد إنتاجهم يقف اليوم دون حياء أمام الكاميرات .. في مقدمة طابور المتلقين لـ (الهبات)..بذات الإنحاء الذي كانوا يظهرون به على شاشات التلفزيون أمام – القائد الضرورة – !
ونحن نتساءل بمرارة..
متى تتم حماية المثقفين من الإذلال أمام الكاميرات وهم يتلقون ( الهبات ) من السياسيين؟..جميع السياسيين على اختلاف أزمنتهم ، ومراتبهم ، وانتماءاتهم ، وعقائدهم ومقاماتهم ..القادة الضروريين منهم ..أو الذي نبغوا بفعل الصدفة؟!
متى يصدر تشريع – كما نص الدستور- يحفظ لهم كرامتهم ويوفر لهم سبل العيش كمواطنين مبدعين؟!

ليس هناك خطة عمل معلنة لإدارة الثقافة العراقية ..لا قبل الاحتلال وسقوط الدكتاتورية ولا بعد ذلك.. وهذا لا ينفي التحرك الثقافي الحتمي والمثابر الذي تمثله مبادرات خَيِّرة لعدد من المشتغلين بإدارة – صناعة الثقافة -..
لان الثقافة – حاجة لبقاء الإنسان أنسانا -..
ولا يمكن إطفاؤها ..
لكن يمكن تحجيمها وتهميشها،وتلويث سمعتها!
فالثقافة تجري في عروق المجتمعات والأفراد منذ بدء التأنسن على كوكبنا..
وتشق طريقها الأبدي بعنفوان طاقتها الذاتية ..
كالتيار الدائم التدفق والجارف..إذا ما وضعت أمامه السدود..
فـ:
النهر للمنبع لا يعود..
والنهر في رحلته يكتسح السدود!

وبعد أن اخترع العراقيون القدماء أداة التأنسن – الكتابة – ..التي توصلت من خلالها الأمم والشعوب والأفراد إلى إنتاج الحضارات المتعاقبة منذ أكثر من ستة آلاف عام..
ونحن اليوم في – مهد الكتابة – نشهد تراجع عدد العراقيين الذين يحسنون القراءة والكتابة..وصارت مؤسساتنا العلمية خاوية المعارف ، ومتخلفة عن مثيلاتها في العالم .. بل حتى بالمقارنة مع البلدان التي كانت تخلو من التعليم الحقيقي قبل ربع قرن في منطقتنا..
وهنا أشير إلى بيئة الثقافة وموضوعها ..
أي : المجتمع المتلقي للثقافة..
الذي انحسر بفعل الحروب، والخوف، والعزلة، والجوع، والتعسف، والتمييز!
فيما كان الآباء العراقيون المؤسسون للثقافة الإنسانية..قد وضعوا أسس أكثر العلوم المجردة تطورا في تاريخ تطور العقل البشري..

“عثر بين مكتشفات تل حرمل على مسالة هندسية – جبرية يعود تاريخها إلى حوالي 2000 سنة قبل الميلاد، أي قبل زمن اقليدس بـ1700 عام ، تتضمن معرفة بخصائص المثلث القائم الزاوية(نظرية فيثاغورس) ونظرية تشابه المثلثات (نظرية اقليدس).(3)

وفي الوقت الذي تعاني فيه الثقافة الوطنية العراقية من انكفاء المنتج الثقافي وعزلته، وانحسار القدرة على تلبية احتياجات المثقفين العراقيين المبدعين الغزيري الإنتاج..نتيجة إخفاق مؤسسات – صناعة الثقافة – بكل فروعها في (توفير المعدات والخبرات والتقنيات ) الضرورية لإقامة بنية أساسية للصناعات الثقافية المتنوعة ..
كان الآباء العراقيون المؤسسون للثقافة الإنسانية..(يخترعون وينتجون) مقومات البنية الأساسية لصناعة الثقافة..

” استخدم الكتاب الطين من اجل إعداد ألواح الكتابة،وكان إعداد الألواح يتطلب طميا ناعما ثم عجنه مدة طويلة يوضع في شكل قوالب تختلف حجما وشكلا باختلاف المكان والزمان” (4)

إدراكا منهم لأهمية إيجاد البنية الأساسية للتدوين والتوثيق والنشر..حيث أنهم لم يتوقفوا عند اختراع الكتابة واختراع وسائل التدوين – الألواح الطينية – بل إنهم حرصوا على إيصال نتاجاتهم الثقافية إلى الحضارات الأخرى..

” كثرة نسخ القطع الشهيرة التي وضعها الكتاب في الأزمان المختلفة، وانتشار هذه النسخ في معظم أرجاء العراق القديم وبين غالبية الأقوام القديمة ، فقد وجدت نسخ لبعض القطع الأدبية الشهيرة مثل ملحمة جلجامش في المآثر الحيثية في الأناضول وفي بلاد الشام وفي عيلام وحتى في الأدب المصري القديم مثل قصة – ادابا-“(5)

في وقت يشكو المثقفون العراقيون اليوم من عدم توفر الإمكانيات – للطباعة والنشر والتوزيع – فنتاج المثقف العراقي قبل ستة آلاف سنة كان منتشرا بين الحضارات الأخرى أكثر من انتشار المثقف العراقي اليوم في مجتمعه!
وإذ تشكو الحياة الثقافية في مجتمعنا – اليوم من قلة المكتبات وفقر محتوياتها وغياب قرائها..كان – إداريو الثقافة – العراقيون القدماء..ينشئون ويطِّورون البنية الأساسية للثقافة التي تصنع الحضارة وترتقي بالإنسان..بالتأليف والمراجع والمكتبات..

” من المؤسسات العالية الخاصة بالجمع والتأليف خزانات الكتب ويسمونها بيت الألواح أو الرقم” (6)

وكان المثقف العراقي قبل أكثر من ستة آلاف سنة يقدم نموذجا معرفيا للمشتغل على أكثر التساؤلات عمقا التي يواجهها العقل البشري..وتناولها بأدوات مختلفة وتنوع أسلوبي ومنهجي وبرؤى متعددة..

” شغل أصل الوجود والأشياء اهتمام المفكرين العراقيين القدماء ، فنشأت عنهم آراء مختلفة حول موضوع الخليقة ، خلفوها لنا في عدد من الملاحم والأساطير . دونوها على ألواح الطين بالشعر القصصي .وكانت هذه الأساطير متعددة تختلف من حيث المادة والعهد”.(7)

وإن استيقظ مثقفو العراق القدماء اليوم من رقادهم الأبدي ..وجالوا على مكاتب الطوائف والأعراق ..وتصفحوا ما يقوله ويفعله و – ينتجه -أخلافهم..من – صنّاع-:
• العقائد الصماء.
• ونافخو الشعارات الجوفاء.
• ومطلقو القصائد العصماء.
• ومنشئو جدران العزل الطائفية والعرقية الخرساء.
• وملفقو المآثر القبلية الخرقاء.
• ومشعلو المباخر في المعابد الصنمية البلهاء.
• ومدبجو الشرائع القهرية العرجاء.
• ومخرجو المسرحيات الدموية السوداء.
• ومُحَرِمو رؤية الفنون في العراء.
سيجدون بين أخلافهم من – المثقفين الملثمين– المدججين بالكراهية ، والتخلف ، والاستخفاف بمصائر الناس ، واحتقار المرأة ،وقبرها في المعازل والحجب السوداء ..وبينهم :
معمقو خنادق الجحيم المتنافرة بين الضمائر.. ورافعو جدران الفصل الموبوءة بين العقول..وغامرو القلوب بالضغينة..ونابذو التحاور والتشاور بشأن ( الخطوط الحمراء ) التي رسمتها نوايا الأخوة المتناحرين في السراء!..

” تقول الأساطير- من الألف الرابع قبل الميلاد: كانت الآلهة والالهات يناقشون الأمور معا في المجلس السماوي،وهذه الأساطير عن علاقة الآلهة في السماء كانت تعكس ما كان يجري على الأرض بين الناس” (8)

إن (الثقافة) هي أرقى (منتجات) المجتمعات والأفراد ومصدر تطورها ورقيها في ذات الوقت..وهي معين لا ينضب ودائم التدفق ..دوام الإنسان على الأرض..
وليس من حق احد قمعها، أو احتوائها، أو تجويفها..لأنها صنو الحرية..فلا سلطة على الثقافة إلاّ قِيَّم الثقافة ذاتها..المعبرة عن وجدان الشعب، وأحلامه ،وهمومه ،وتطلعاته..
وكذلك المثقفون..
في هذه المرحلة التي تتاح لهم فيها فرصة الوقوف بثبات دفاعا عن “الثقافة الوطنية” وعن “المثقف” كمبدع متحرر..
فهم إن أذعنوا لسلطة – الواهِبين – على حساب ثقة الناس بهم..ربحوا (الهِبات)..
وخسروا انفسهم كـ(مثقفين)!
أما – صناعة الثقافة – فإنها انعكاس لمستوى تمدن الأنظمة وكفاءة أجهزة السلطة ونزاهتها..
وفي بلد كالعراق..لم تنضج أو تكتمل مقومات أنظمته التشريعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد..فان مسؤولية إقامة وتطوير البنية الأساسية لصناعة الثقافة تقع على عاتق – إدارة الثقافة – أي (وزارة الثقافة) بكل مؤسساتها وفروعها وقواها المادية والبشرية والتقنية..
دون أن نغفل دور القطاع الخاص في – صناعة الثقافة – العراقية..لكننا ندرك إن قطاعنا الخاص في جميع فروع الاقتصاد ..واهن المقومات والقدرات..باستثناء القدرات البشرية المبدعة الكامنة فيه.. وهي محط أنظار وآمال الجميع..لان الرساميل والتقنيات يمكن تعويضها واستقدامها.. والخبرات يمكن استيعابها واختزالها..
أما العقول المبدعة ..
فهي مصدر الثراء الوطني ..وطاقتنا إلى الرخاء والتنمية الشاملة.

25/7/2008
————————————–
(1)(طه باقر- تاريخ العراق القديم)..
(2)(طه باقر – مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة).
(3)( طه باقر- المصدر السابق).
(4)(ديلا بورت- بلاد مابين النهرين)
(5)(طه باقر- ملحمة جلجامش).
(6)(طه باقر – مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة).
(7)(المصدر السابق).
(8)(د.نعيم فرج- تاريخ حضارات العراق القديم وما قبل التاريخ)