الرئيسية » مقالات » وأخيرا فاحت الرائحة الكريهة للدراما التركية الوافدة

وأخيرا فاحت الرائحة الكريهة للدراما التركية الوافدة

في البداية ظننت أن تهافت الناس الجنوني على المسلسلات التركية الوافدة غيمة صيف سرعان ما تنتهي مثل موجة الدراما المكسيكية حين أصبحت كساندرا أهم القضايا المطروحة في الساحة العربية , ولكن الحالة اختلفت مع الدراما التركية التي أصابت الناس بحالة هستريا دائمة مما أثارت مخاوفي ,فرحت اسأل ماذا حدث للناس حتى بات شغلهم الشاغل أبطال وبطلات المسلسلات التركية هذه الذين اشتهروا عند المشاهد العربي والكردي الذي يجيد العربية باسم مهند ونور ويحيى ولميس ليستولوا على القلوب والعقول والأرواح , أينما كنت ليس للناس شيب وشباب ذكور وإناث أميين ومتعلمين من حديث سوى عن مهند ماذا فعل ونور كيف تصرفت ويحيى كيف نام ولميس ماذا صنعت , الكل يتحدث بحماس وشغف وتلهف منقطع النظير عن هؤلاء الممثلين بل الجميع تقمصوا شخصياتهم , حالة غير طبيعية هذا التلهف المبالغ فيه على الدراما التركية , لم نجد هذا الشغف لدى الجمهور لمتابعة أعمال درامية عربية راقية كما هو حاصل في متابعة الدراما التركية , لقد حل يحيى محل يوسف العظمة وعمر المختار وصار مهند محل البارزاني وقاضي محمد أما نور ولميس فقد شطبن في ذاكرة الأمة على اسم ليلى قاسم ومارغريت جورج وسناء محيدلي ودلال المغربي , لم ألاحظ هذا الإقبال الرهيب على عمل درامي عربي أو كردي أو عالمي من لدن جمهورنا الذواق المحترم كما هو مفتوح الشهية على الدراما العثمانية , فما هو السر هل هو تدني مستوى الدراما العربية وخلوها من أعمال إبداعية لا تشبع تعطش الجمهور قاشو طرو إلى القيم الجمالية الرفيعة التي تطرح قضايا إنسانية سامية تمس جوانب من تاريخه وحضارته وحياته وواقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي مقابل المستوى الرفيع الذي تقدمه الدراما التركية التي سحرت ناسنا وجذبتهم إلى متابعتها أم إن الجهل والتخلف والأمية الفكرية والانحطاط الحضاري والثقافي بلغ مبلغه فأصاب العقول والقلوب لتتهافت على كل ما هو مبتذل ورخيص ومنحط ووضيع القانترون على أشكالها تقع.
أن الدراما العربية تمتلك أعمال متميزة جادة وهادفة ورصينة تطرح هموم الواقع ما يكفي للاستغناء عن الأعمال الأجنبية خاصة التركية الرخيصة الخاوية من أي مضمون ولكن هو الانحطاط الشامل الذي يسود المجتمعات العربية والكردية من جميع النواحي فمن الطبيعي أن تصيب ذائقتها الفنية والجمالية ,لقد رضي الجمهور العربي بالمعجزة شعبولا بديلا عن عبد الوهاب وبنانسي عجرم بديلا عن أم كلثوم فلماذا لا يقبل بالدراما التركية بديلا عن الدراما السورية والمصرية اللتان قدمتا أعمال غاية في الإبداع , لقد نسي الناس ليالي الحلمية وباب الحارة والرسالة وأصبح دينهم وديدنهم مسلسل نور وسنوات الضياع .
لم يعد بمقدورنا حضور مجلس أو الاستراحة في مقهى أو ركوب حافلة أو الذهاب إلى العمل أو حتى الاستراحة في المنزل أينما تذهب تجد هستيريا الحديث عن مهند ويحيى ونور ولميس إلى درجة التقزز والقرف , ما عدنا نطيق سماع هذه الأسماء في البيت رفعت زوجتي صورة البارزاني وعلقت محله صورة مهند باشا بينما ابنتي أطاحت بصورة ليلى قاسم لتضع محلها صورة نور هانم وفي المطبخ فقد حول ابني البراد إلى معرض للممثلين الأتراك ليجن جنوني وتركبني نزعة دكتاتور عربي لأمزق جميع الصور وافرض مشيئتي في ضرورة مقاطعة الدراما التركية , هذا بعد فشلي في إقناع أسرتي بان المسلسلات التركية غزوة استعمارية خطيرة ناهيك عن أنها عمل تافه ومن يتفرج عليها هو أتفه منها ولكن دون جدوى أنهم يشاهدونها من خلف ظهري مما تطلب الأمر إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي كلفتني مشاجرات مع أفراد أسرتي وقد شبهتني زوجتي بصدام حسين , لم يبقى أمامي سوى استعمال القوة وقولوا عني ما تقولون .. متخلف .. استبدادي .. رجعي .. لا يهم المهم عندي أن أنقذ أسرتي من الإصابة بأنفلونزا مهند لحسن حظي أنني طويل القامة ولعيب كاراتيه ولدي خبرة قتالية من أيام الخدمة العسكرية ما ساعدني على دخول معركة حامية مع زوجتي كي أخيرها بيني وبين ابن الكلب مهند بعد شجار عنيف خرجت من المنزل إلى أمي الأرملة لأريح أعصابي فقالت ممتاز جئت في الوقت المناسب هيا شغل التلفاز على مسلسل مهند قلت حتى أنت يا أمي , المصيبة أنها لا تعرف حرفا بالعربية أو التركية فعلما تتفرج وماذا تسمع خاصة أنها طرشاء , خرجت في حومة الظهيرة إلى جسر قديم على الحدود السورية التركية ارتاح تحت ظله مع العقارب والأفاعي مفضلا ذلك على سماع أية كلمة عن مهند , المصيبة أن حلقات المسلسل تتجاوز المليون فهل اقضي بقية عمري لاجئا تحت الجسر حتى هناك لم أجد الراحة فقد سمعت المؤذن عبر مكبرات الصوت ينادي هيه يا أهالي الخير الكرام انتقل إلى رحمته تعالى فلان الفلاني ومن أراد منكم الصلاة على روحه فليحضر إلى المسجد الكبير ذلك بعد انتهاء عرض حلقة مسلسل نور ومهند يا لطيف حتى الصلاة على الميت ودفنه بات مشروطا بمتابعة مهند أولا .
خطرت لي فكرة وقلت لنفسي ربما أنني أغالي في رفضي للمسلسلات التركية كونها قادمة من دولة اعتبرها معادية من يدري قد تكون هذه الأعمال مبدعة بالفعل لماذا لا أتابع بضعة حلقات منها حتى استطيع تقييمها موضوعيا هكذا كلفت بعض الأصدقاء لمتابعة المسلسل وكانت الطرفة أن ثلاثة منهم تحولوا من نقاد إلى جمهور شغوف ومتحمس حيث أصابتهم لوثة مهند فوقع انشقاق بيننا انتهى إلى ميلاد حزب كردي جديد , بقي معي صديق واحد يرصد المسلسل فتبين لنا انه عمل أكثر من هابط اقل من عادي باهت من حيث الإخراج والتمثيل والمضمون فقير بقيمه الإنسانية والجمالية والفنية متخم بالبرودة والرتابة والسآمة خال من أية قيم فكرية أو حضارية لا يطرح أية قضية وما يزيد من رتابتها الدبلجة السيئة والمقرفة من التركية إلى العربية .
أحداث المسلسل تروي مجريات الحياة اليومية في أدق تفاصيلها لدى أسرة فاحشة الثراء حيث يحرص المخرج على تضخيم أتفه حدث ويحوله إلى قضية إذا شربت نور كاس ماء فهذه مشكلة المشاكل وإذا رغب مهند بالنوم فهذه قضية شائكة أما إذا عطست الخادمة فسوف تقوم القيامة ,هكذا يضحك المخرج على جمهورنا الذكي ليمط حلقات مسلسله إلى ما بعد المليون ليشغلها بالأعمال الاعتيادية التي تجري يوميا في حياة كل إنسان ولا تحتاج إلى تحويلها إلى دراما كالذهاب إلى الحمام لقضاء حاجة أو العمل والولادة والزواج والطلاق والمرض والمشاجرات مع التركيز على قصص حب مصطنعة وباهتة تضخم الخلافات الجوفاء بين الحبيبين ما يكفي لقطع أنفاس المشاهدين يحيى اختلف مع لميس لأنها لم تلقي عليه التحية ونور قاطعت مهند لأنه نسي أن يخابرها تليفونيا , أحداث عظيمة تستحق ترقب جمهورنا الذكي لها ليبقى مشدودا متوترا متعطشا خائفا على مصير البطلين ليبقى منتظرا عرض الحلقة القادمة حتى تطمئن القلوب على التصالح بين الأحبة والى أن يأتي موعد عرض الحلقة الآتية ترى النشامى والماجدات في حيص وبيص يتجادلون حول الكيفية التي سيتم فيها الصلح بين نور ومهند فتكثر الاحتمالات وتزداد التكهنات وتوضع الأيادي على القلوب وكأن بناء الدولة الفلسطينية بات مرهونا بالتلاقي بين لميس ويحيى أما حل المسالة الكردية فقد بات متوقفا على ابتسامة متبادلة بين نور ومهند .
كنت عند صديق عربي قومي ثوري جهادي لحيته متر ونصف لا لا 20 سم طلبت منه أن نسمع الأخبار من التلفاز حول تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله فقال: دعنا من الأسرى فقد حان وقت عرض حلقة مهند قلت : يا رجل لدي رغبة بالتعرف على وجه سمير القنطار فقال: دعك منه وجه مهند أحلى .
نعم الناس عندنا عطلوا أعمالهم وأشغالهم وأهملوا واجباتهم واقفلوا عقولهم – هي مقفلة دائما – وانشغلوا بالتفاهة التركية في تهافت غبي مبالغ فيه حتى أصبح الحديث عن الدراما التركية معيار لقياس شخصية الفرد فإذا أراد احدهم التباهي بنفسه عليه أن يدلوا بدلوه ويتحدث عن نور وإلا اعتبروه متخلفا وهذه من أسباب تحول شغف الناس بالمسلسل التركي إلى وباء مميت أدى إلى حالات طلاق وتهديد سلامة العلاقة الأسرية وصراع بين أفرادها ,ليس هناك من سبب واضح وراء التهافت على الدراما التركية ولكن الجهل والتخلف والانحدار الثقافي والفكري هو العامل الأساس , ما معنى تعلق الناس بعمل فني متواضع غريب عن مشاكلهم وهمومهم وقضاياهم حيث السواد الأعظم يعاني الاستبداد السياسي والقومي والقهر الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي ليتقاسموا الذل والعبودية والبطالة والجوع والحرمان والمرض مثل هؤلاء المفروض بهم أن لا تكون لهم رغبة بمشاهدة دراما ترفيهية تطرح مسائل مختلقة تناسب ذوق الشرائح المخملية .
فهل تكون الشريحة الواعية والمثقفة قد قصرت في فضح هذه الغزوة التركية فلم تؤدي دورها في توعية الجمهور بالأسباب الخفية وراء عرضها على الشاشة العربية , كدعاية مجانية لنشر النفوذ التركي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والترويج للسياحة التركية ومن جانب آخر هذه الدراما جاءت لخدمة الدكتاتوريات العربية الفاسدة لتشغل الأغبياء والحمقى والمعتوهين بمتابعة المسلسلات التركية المخدرة للوعي المنبه للغرائز والأحلام الكستنائية – الافيونية لتنسى مساوئ الإدارة الدكتاتورية التي تمارس سياسة القهر والتجويع على هؤلاء البسطاء الذين نسوا الغلاء والمجاعة والمرض والاستبداد وتفرغوا للدراما التركية ببطون وجيوب خاوية وقلوب عليلة وأرواح ميتة , فإلى متى تستمر هذه المهزلة التي أفسدت حياتنا أكثر مما هي فاسدة ,لقد بات مصير عائلات كثيرة متوقف على مهند بك هذا الممثل التركي الذي يقال على ذمة جريدة تشرين السورية انه ممثل درجة ثالثة ومن المثليين جنسيا أي انه لا يساوي درهم في الوسط الفني ببلاده , ولكن الشذوذ الحضاري لدينا دفع الناس إلى عبادة الشاذين جنسيا , هذه النعنوعة رولا سعد لم يعجبها شباب لبنان السمر لتختار واحد منهم ليشاركها كليبها الجديد فاستعانت بالممثل التركي بعد أن دفعت له كمشة دولارات محترمة ومن خلفها الشحرورة المتقاعدة صبوحة التي صبت الزيت على نار الجمهور المفتون بمهند حين خانت ذكرى رشدي أباظة ووضعت عينها على مهند أغا لتتزوجه .
أكاد اجن الدراما التركية الهابطة تهدد الأمن القومي لأسرتي وتدمر مصالحي العليا مع حماتي وأنا عاجز عن فعل أي شيء أبشركم لقد حطمت جهاز التلفاز والشيء الذي ربحته أن أولادي ذهبوا إلى بيوت الجيران لمشاهدة عظيم الأمة مهند الذي فاحت رائحة مسلسله الكريهة أخيرا حين أشار ضمنيا إلى نضال حزب العمال الكردستاني ضد الاحتلال التركي على انه إرهاب وتخريب ليعطي انطباع للرأي العام العربي والكردي على أن نضال شعب كردستان الشمال المشروع في سبيل حقه بتقرير المصير على انه مجرد أعمال عنف تخريبية .
في قريتنا امرأة تدعى أمل الفقر والحرمان يتجسد هيكلا بشريا محترقا متفحما فيها لها زوج بغل عاطل عن العمل و14 من العيال اللهم زيد وبارك وبيت آيل إلى السقوط رأسمالها 4 دجاجات وديك أعرج و11 صوص وخروف عوراء وعنزة جرباء تبرع بهما الأهالي , جاءت إلى التنور لتشحذ من النسوة بضعة أرغفة ولكنها شاركتهم الثرثرة عن حبيب القلب مهند فسمعتها تقول :(( والله يا أمي حين يعرضون مسلسل مهند أصاب بالهلوسة ويطير عقلي وأتسمر أمام الشاشة فلا تحركني الصواعق إذا قامت القيامة أو احترق المنزل أو مات زوجي أو سقط طفلي في البئر أو تناولت عنزتي سما أو فطست الخروف أو أكل القط صيصاني أو خطف الثعلب دجاجاتي ,لن أبالي فانا لا أتحمل ضياع ربع دقيقة من مسلسل مهند مني سوف أموت إن فاتتني لقطة واحدة )) ألا قاتلك الله أيتها التعيسة البائسة التي لا تجد برازا لتأكله وقلبك ملهوف على خيال مخنث , أما كان من الأفضل لك أن تخرجي إلى السفير وتجمعي قشا وتدرسيه تبنا وتبيعيه بضاعة رائجة وتحصلين على نقود تقضي به حاجات أسرتك بدلا من ثرثرتك الخاوية تتحدثين عن روايات مخملية وأنت آتية متسولة تطلبين خبزا قبحك الله وقبح أمثالك من ذكور وإناث حيث لا ينقصكم شيء غير مشاهدة مخنثي أنقرة وعاهرات استانبول , لا اعرف هل أتقزز من الدراما التركية أم من ذوقكم الفني الرفيع فيع فيع فيع , الحمد لله حماري حيوان صاحب مبادئ كلما يحين موعد عرض حلقة مهند يبدأ بالنهيق وهذا اضعف الإيمان كي يشوش على زوجتي وينزع مراقها فلا تعود تهنئ بالمسلسل الوافد من بلاد لي معها حق مغتصب .