الرئيسية » مقالات » مؤتمر مدريد للحوار بين الاديان

مؤتمر مدريد للحوار بين الاديان

بدعوة واهتمام ورعاية فوق العادة من قبل العاهل السعودي ، شهدت العاصمة الاسبانية مدريد على مدى ثلاثة ايام ، ظاهرة تاريخية فريدة النوع ، وباهتمام كبير من لدن الملك خوان كارلوس نفسه ، والتقاء رجال وعلماء وشخصيات ومسؤولين وممثلين كبار لعدة اديان ، اجتمعوا في قاعة واحدة .. وكانت مشاركتهم مكثّفة في قلب اسبانيا ، وقد اختيرت مدريد لهذا الغرض بسبب الميراث الروحي لها ، وجمعها الاديان السماوية ، فهي حاضنة للتعددية العقدية والثقافية . وبالرغم من ضرورة توفير اولويات اساسية تسبق الحوار ـ كما كتبت قبل سنين ـ ، ولكن اللقاء هو ظاهرة رائعة تمنح الجميع فرصة تبادل الرأي ، واستمزاج الفكر ، وازالة الضبابية ، وفهم الاخر ، وشراكة القرار ، وادانة الارهاب ..
يبدو ان سباقا كبيرا بين اكثر من دولة اسلامية حول موضوع ” حوار الاديان في العالم ” ، اذ كان اول من اهتم به كثيرا ، ومنذ سنوات طوال ، الامير الحسن بن طلال ولي عهد الاردن السابق ، ثم اهتم به الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي ، ثم غدا موضع اهتمام الشيخ حمد بن خليفه آل ثاني امير قطر .. وجاء النداء الاخير للملك عبد الله آل السعود ليكون المؤتمر الاخير بمشاركة مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين وهندوس وسيخ ويزيديين وغيرهم . لقد كان البيان الختامي لمؤتمر الدوحة السادس لحوار الأديان قد اوصى بإنشاء مجموعات عمل متعددة تؤكد قيم الحوار ، واحترام المعتقدات الدينية عن طريق التعليم ، وبناء السلام ، ونشر التضامن والتفاهم بين مختلف المجتمعات والثقافات. فضلا عن أهمية الحوار بمختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية. لقد عبّر المؤتمرون عن بالغ قلقهم حيال انتهاك السلام عبر الإساءة إلى الدين والرموز المقدسة لدى أتباع الديانات. وحث البيان الحكومات والمنظمات غير الحكومية على نشر قيم الاحترام بين كافة الأديان والثقافات.
أما المؤتمر العالمي الاخير في مدريد ، فلقد تضمن في ختام أعماله 18-7-2008، باتفاق دولي، لمحاربة الإرهاب “الظاهرة العالمية التي تتطلب جهودا دولية موحدة”.واستعرض المؤتمر بشكل معمق عملية الحوار، والعقبات التي تعترضها، وكذلك الكوارث التي تصيب الإنسانية (…)، ولاحظ أن الإرهاب هو أحد أكثر العقبات خطورة بوجه الحوار والتعايش”. وتابع : أن “الإرهاب ظاهرة عالمية تتطلب جهودا دولية موحدة لمحاربته بشكل جدي ومسؤول وعادل”.واعتبر أن الأمر “يتطلب اتفاقاً دولياً على تعريف الإرهاب ومعالجة جذوره الأساسية، وتحقيق العدالة والاستقرار في العالم”. ان التأكيد هنا على ادانة الارهاب مزية اساسية لمثل هذا ” المؤتمر ” الذي ستعقبه بالضرورة عدة مؤتمرات ولجان عمل . ولكن ما مدى تأثيره في الصراع العالمي اليوم ؟
صحيح ان عشرات الشخصيات من ديانات مختلفة قد شاركت فيه ، وسيكون فاتحة لكي يفهم العالم بعضه بعضا ، فالدين هو المحبة والسلام ، اما الارهاب فهو معروف في كل الدنيا : قتل الابرياء من اي دين او لون او عمر او مكان .. . لقد دعا العاهل السعودي إلى “حوار بناء” بين الإسلام والأديان الأخرى، لدى افتتاحه المؤتمر ، قائلا : ” نعلن للعالم أن الاختلاف لا ينبغي أن يؤدي إلى النزاع والصراع ولنقول أن المآسي التي مرت في تاريخ البشر لم تكن بسبب الأديان ، ولكن بسبب التطرف الذي ابتلى به بعض أتباع كل دين سماوي، وكل عقيدة سياسية. إن البشرية اليوم تعاني من ضياع القيم، والتباس المفاهيم، وتمر بفترة حرجة تشهد بالرغم من كل التقدم العلمي، تفشي الجرائم ، وتنامي الإرهاب ، وتفكك الأسرة ، وانتهاك المخدرات لعقول الشباب ، واستغلال الأقوياء للفقراء ، والنزعات العنصرية البغيضة ، وهذه كلها نتائج للفراغ الروحي الذي يعاني منه الناس بعد أن نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، ولا مخرج لنا إلا بالالتقاء على كلمة سواء ، عبر الحوار بين الأديان والحضارات. .” .
يعد المؤتمر ، خطوة متقدمة الى الامام انطلقت بها رابطة العالم الاسلامي ، ومقرها مكة المكرمة ، وهو ضرورة تاريخية كي يتعّرف اصحاب كل دين على الاخر ، ويتجاذب كل طرف الحوار الذي غدا اهم وسيلة للتفاهم والتعايش .. حوار الانفتاح والتسامح والمجادلة بالتي هي احسن .. ان المسلمين بحاجة الى فهم الاخر بقدر ما للاخر من ضرورات لفهم الاسلام والمسلمين .. وثمة اسئلة لابد من طرحها على رابطة العالم الاسلامي : هل من تأسيس مبادئ عمل جديدة من اجل فلسفة جديدة للحوار مع الاخرين من اديان مختلفة ؟ ماذا لو طالب المؤتمرون في قادم الايام ، واوصوا بعقد اي مؤتمر في مكة او القدس او الفاتيكان .. فهل يمكن عقد هكذا مؤتمر في اي من العواصم الدينية الكبرى الثلاث ؟ وماذا سيكون رد فعل الاخرين اذا ما رفض هذا الطلب من اي طرف ؟ هل من توحيد لجهود القادة العرب والمسلمين في مسألة حوار الاديان بدل اي تشتت او انفرادية او ازدواجية في العمل ؟ هل سيكون الحوار بين الاديان محددا بقضايا فكرية وسياسية واجتماعية حسب ، ام انه سيطال العقائد والفرائض والاصول مستقبلا ؟؟ هل يمكن التداول بشأن الاقليات الدينية في مجتمعاتنا وكل العالم بحيث تنال كافة حقوقها المادية والمعنوية ؟ ان هذه الاسئلة التي يثيرها اليوم عدد كبير من المتابعين والمهتمين ، تطالب بالاجابة عليها بسبب الحاجة الماسة اليها اليوم ، خصوصا وان الهجمة المعاصرة كبيرة ، وخوفا على اي مشروع حضاري من الاخفاق لا سمح الله .
www.sayyaraljamil.com