الرئيسية » مقالات » حرام عليك سعادة السفير 1/3 [حرية الرأيٍ]

حرام عليك سعادة السفير 1/3 [حرية الرأيٍ]

حالة الدهشة والاستغراب التي اعترتني وانا اقرأ في الكتاب الذي نشرته صحيفة السياسة الكويتية على صفحاتها في الخامس عشر من شهر ابريل المنصرم، تحت عنوان “التعجرف التركي ام دعم الارهاب” بقلم السفير التركي لدى الكويت السيد شاكر فاكيلي، لم تدم تلك الحالة الا للحظات بفضل نعمة الغوغل العظيم وخدماته الجليلة، والكتاب كما يظهر جلياً من عنوانه، كان قد جاء رداً على مقالي “التعجرف التركي”، الذي نشر بدوره في السياسة الكويتية بتاريخ التاسع من الشهر نفسه .
لحسن الحظ، لا يحتاج المرء الا لجهاز كومبيوتر والقليل من الوقت، للبحث عن “دبليو دبليو دبليو ضوت كومبلين ضوت كوم” في صفحة الغوغل، حتى يكتشف حقيقة تصدر سفراء الجمهورية التركية لقائمة السفراء الاكثر احتجاجاً في العالم، اما اكثر تلك الاحتجاجات التركية شهرة وصدى، فلايزال يتصدرها سفير تركيا لدى القاهرة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، واحتجاجه على بث الاذاعة الكردية من مصر، وما جرى من حديث بين السفير التركي والرئيس المصري، وهو ينقل احتجاج بلاده، فرد عليه الرئيس ناصر: وما سبب الاحتجاج ؟ فعلى حد علمي لا يوجد اكراد في تركيا، اليس كذلك سعادة السفير ؟ الامر الذي احرج السفير التركي ودفعه للخروج من عند الرئيس “مكسور الخاطر”، هذا عن اكثر الاحتجاجات التركية شهرة في تاريخ الدبلوماسية التركية، اما اكثرها طرافة، فكان بطلها السفير التركي لدى اليابان، حيث لم يتحمل الرجل الاهانة الكبيرة التي لحقت ببلاده تركيا العظيمة، بعد ان اطلق اليابانيون وعلى مدى اكثر من قرن لقب الحمامات التركية على بيوت دعارتهم، فما كان من سعادته، الا القيام بتقديم احتجاج رسمي للحكومة اليابانية ضد مرتكبي الحدث الجلل .
اما سعادة السفير التركي السيد فاكيلي، فيبدو انه هو الاخر يقوم بواجبه القومي على اكمل وجه، وغير مقصر في ابداء احتجاجه لكل وجهة نظر لا تتوافق وفكره الاتاتوركي، فقبل عام تقريباً، ارسل سعادته كتاباً لصحيفة القبس الكويتية ” الغراء” ـ على حد تعبير السفير فاكيلي طبعاً ـ يعاتب فيها الصحيفة لنشرها تقريراً لمراسلها من ارمينيا، تعرض فيها المراسل المسكين لمذابح الارمن التاريخية الشهيرة، اما جريدة الوطن الكويتية “الغراء”، فقد كانت محظوظة جداً ونالت على رضى سعادته وثناءه، بعد نشرها لمقال يمجد ويعظم من شأن الاتاتوركية ومؤسسها كمال اتاتورك، كتبه السيد عبد الله الهدلق بعنوان” عظمة تركيا في علمانيتها”، حيث حذر الكاتب من وصول اردوغان وحزبه الاسلامي المعتدل الى سدة الرئاسة التركية، فكان المقال وما جاء فيه من طرح مغالط، اثبتته الاعوام اللاحقة من حكم الحزب الاسلامي النزيه، سبباً للدعوة الخاصة التي وجهها السفير شاكر فاكيلي للكاتب الهدلق، الذي عاد وكتب مجددا عن لقاءه بالسفير التركي في فبراير عام 2006 تحت عنوان ” شكراً سعادة السفير”، ليبين فيها عن مدى امتنانه وتقديره لسعادة السفير، وما جرى من حديث في ذلك اللقاء، حول عظمة اتاتورك ونفاق الاسلاميين الترك .
في كتابه للسياسة الكويتية يقول سعادة السفير فاكيلي :”انني احترم حرية الصحافة وحرية الرأي والرأي الآخر, لكن على الرغم من ذلك اجدني أقف متسائلاً وحائرا أمام الاصرار المتكرر على إظهار الصورة التركية بشكل مظلم إلى حد لا يمت للحقيقة بصلة” يبدو واضحاً ان سعادته وهو يدون الكلمات اعلاه، كان يدرك في عقله الباطن او الظاهر والله اعلم، انه يقوم بتعدي على حرية الفكر والتعبير، لذا نجده يحاول تبرير موقفه المعادي للرأي وحرية التعبير، بالتأكيد على اظهار العكس، اما الصورة المظلمة التي يتهمنا سعادته بنشرها عن تركيا، فهي تهمة ظالمة لا مكان لها من الصحة والحقيقة، الا في حالة واحدة فقط لا غير، يكون فيها سعادته على الحق ونحن على باطل، وهي حالة الخلط بين الاتاتوركية وتركيا، فموقفي من الاتاتوركية هذا الفكر القومي التركي المتعجرف، لا يختلف عن الموقف من البعث او القومجيين العرب، انها مسألة فكرية بحتة لا علاقة لها بالشعوب او الدول، فاذا كان سعادته يرى في التطرف القومي حلاً ناجعاً لمشاكل تركيا المستعصية، فمن حقنا ان يكون لنا رأي مخالف، ومن حقنا دعم المعتدليين من قاطني تركيا، سواء اكانوا اسلاميين او علمانيين اوليبراليين تركاً كانوا ام كرداً، لا يهم، ومن حقنا كذلك، دعم الديمقراطية التي لا تتفق والفكر الكمالي العتيق .
الكتاب العتابي لسعادة السفير فاكيلي، يعكس الى حد كبير حقيقة الواقع التركي على صعيد الحريات، فالخطوط الحمر العريضة المتمثلة بالكرد والجيش التركي واتاتورك، تعتبر قضايا حساسة للغاية في تركيا، الخوض فيها قد تكلفك حياتك، وفي افضل الاحوال السجن لسنوات طويلة، حقيقة الواقع التركي هذا، لايريدنا سعادة السفير ان ننقله للقارئ العربي، حيث ذهب العشرات من الكتاب والمفكرين خلال الاعوام الاخيرة ضحية لعمليات الاغتيال المنظمة التي تجتاح تركيا، على يد رجال الدولة السرية “درين دولة ” السيئة الصيت والمرتبطة باركان الجيش التركي، تحت تأثير الفكر الاتاتوركي القومي المتزمت، الذي اصبح يشكل عبئاً ثقيلا على تركيا، بتركها وكردها واقلياتها القومية، بالاضافة الى الدستور التركي الذي وضعت مواده على هدى الفكر الاتاتوركي الفاشي، والمحكمة الدستورية التي لها السلطة العليا في البلاد ويديرها شلة من “القومجية” الترك المتطرفين، تلك العقبات الكبيرة التي تواجه الديمقراطية التركية، بالاضافة الى القضايا المحرمة كالكرد والارمن والجيش التركي، مواضيع تطرقت اليها بكل موضوعية في مقالاتي التي تناولت فيها الشأن التركي، وانا ولحسن حظي لست من مواطني الدولة التركية، والا لتعرضت كغيري العديد من كتاب تركيا ممن لايتفقون والاتاتوركية للارهاب والقمع .
الخلط بين النموذج الفكري الذي يحتكر الحقيقة المطلقة وبين الدولة والمجتمع الذي يحكمونه، هذه العقدة المستعصية التي يعاني منها الاتاتوركيين، يشترك فيها كل القومجية على وجه البصيرة، الا انها اقوى في النموذج التركي واكثر افراطاً من غيره، فمن لايتوافق مع الاتاتوركية ياسعادة السفير، لايعني بالضرورة انه يكن العداء لتركيا او الاتراك، ولو كان الامر على هذا المنوال، لحكمنا اليوم على الغالبية العظمى من مواطني تركيا، الذين اختاروا الاسلاميين المعتدلين اللا اتاتوركيين بنسبة كبيرة في اخر انتخابات تشريعية، وفي الانتخابات التشريعية التي سبقتها، لحكمنا على تلك الغالبية بتهمة العداء لتركيا، و”اظهار الصورة التركية بشكل مظلم الى حد لايمت للحقيقة بصلة” .
لا شك انني وسعادة السفير نقف على طرفي نقيض، ونختلف عن بعصنا البعض في الاصل والمعتقد والمبدء، وما كتبته وساكتبه في المستقبل، قد يرضي السفير فاكيلي او لايرضيه، لكن حقيقة كون الفكر القومي التركي المتطرف المتمثل بالفكر الاتاتوركي، اصبح عبئاً ثقيلا على الديمقراطية في تركيا وعقبة امام تطورها، ليس سراً او اكتشافاً عبقرياً مسجلاً باسم درويش محمى، بل اصبح امراً معروفاً للجميع، وتدركه وتعاني منه الغالبية العظمى من ابناء تركيا، والكتاب الذي وجهه سعادة السفير للسياسة الكويتية، لايمكننا الا ان نقول فيه : حرام عليك سعادة السفير، تعميم المحرمات التركية على الصحافة الكويتية الحرة والعريقة، والكلمة الحرة ستبقى هي الاقوى والابقى .