الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة الثالثة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة الثالثة

رسالة تقدمت بها الطالبة
كافي سلمان مراد الجادري
الفصـل الاول:
موقف الحكومة العراقية من القضية الكردية في عهديّ الاحتلال والانتداب المبحث الاول : بداية ظهور القضية الكردية
المبحث الثاني :
موقف سلطات الاحتلال البريطاني من القضية الكردية قبل تولي الامير فيصل عرش العراق
المبحث الثالث :
موقف الحكومه العراقية من القضية الكردية من 1921 -1932
المبحث الاول : بداية ظهور القضية الكردية
كانت كردستان حتى القرن التاسع عشر مقسمة بين دولتين ، الامبراطورية العثمانية وبلاد فارس(1), ويعود هذا التقسيم ، عمليا ، الى العقود الاولى من القرن السادس عشر في اعقاب معركة جالديران عام 1514, والمعاهدات والاتفاقات التي اعقبتها(2). اذ سيطرت الدولة العثمانية على الاقسام الشمالية والجنوبية والغربية من كردستان . اما الاجزاء الشرقية فكانت من نصيب بلاد فارس(3). استمرت السيطرة العثمانية على كردستان حتى نهاية الحرب العالمية الاولى ، اذ انسلخت عنها الاجزاء الجنوبية(4)والغربية بموجب الاتفاقات التي اعقبت الحرب ، في حين بقيت الاجزاء الشمالية ضمن السيادة التركية(5) .
مرت القضية الكردية بمرحلتين مهمتين ، بدأت المرحلة الاولى في منتصف القرن التاسع عشر واستمرت حتى نهاية الحرب العالمية الاولى(6) .
شهدت هذه المرحلة سلسلة من الحركات والانتفاضات التي نشبت كرد فعل على الظلم والاجحاف اللذين مارسهما العثمانيون ضد الكرد . في الاعوام 1843 – 1846 انفجرت في منطقة الجزيرة حركة بقيادة بدر خان باشا(7) ، قضى عليها العثمانيون بصعوبة بالغة , ادت فيها الدسائس الداخلية والمؤامرات الدولية دورا كبيرا(1) . وفي اعقاب فشل حركته نفي بدر خان الى جزيرة كريت(2). عاود ابناء بدر خان باشا تحركهم في حكاري وبوتان ولكن لم يختلف مصيرهم عن المصير الذي ال اليه والدهم من قبل(3) .
وبعد سنوات قليلة اندلعت انتفاضه كبيرة اثناء حرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية (1853-1856) بقيادة يزدان شير ، شملت منطقتي حكاري وبوتان ، ولم يمر سوى وقت قصير حتى امتدت الى الجنوب بحيث شملت معظم ولاية الموصل. ولم يتمكن العثمانيون من اخماد الانتفاضة الا بدعم مباشر من البريطانيين(4).
استمرت انتفاضات الكرد خلال السنوات التالية . ففي الاعوام 1877- 1913نشبت عدة انتفاضات ,كانتفاضة درسيم بين عامي 1877-1878 , وفي عام 1880 انتفض الشيخ عبيد الله النهري في المنطقة الواقعة بين بحيرتي اورميا , ووان , بهدف تأسيس كيان كردي مستقل, ولكن العثمانيين تمكنوا في نهاية المطاف من القضاء على الانتفاضة واسر الشيخ عبيد الله ومن ثم نفيه الى مكة(5).
وقبل عام واحد من اندلاع الحرب العالمية الاولى ، انفجرت انتفاضة في بدليس عام1913 ، اخمدها العثمانيون بقسوة شديدة (6).
اما في كردستان الجنوبية ، فقد ظهرت كيانات سياسية مارست استقلالا فعليا عن الدولة العثمانية ، اشهرها امارة راوندوز التي تشكلت عام 1810 , وسرعان ما استطاعت ان تخضع الامارات الصغيرة المجاورة لها مثل امارتي شيروان وبرادوست , ثم امتد نفوذها ليشمل منطقتي اربيل وكركوك(1). وامارة بهديتان التي تشكلت عام 1835 في العمادية والتي حرك العثمانيون ضدها والي الموصل عام 1839 فاستولى عليها ، ثم الحقها بولاية الموصل ، وظلت تابعة لها حتى عام 1849(2).
وهناك ايضا امارة بابان ( 1813 – 1850) التي ظهرت في سهل شهرزور,وظلت بعيدة عن نفوذ الدولة العثمانية.وشهدت الامارة خلال عهد الاسرة البابانية ازدهارا ثقافيا وتجاريا واضحا ترك اثاره في باقي انحاء كردستان (3).
تجلى الوعي القومي للكرد خلال هذه المرحلة ايضا في النشاط الادبي والثقافي. فقد اسس جلادت بدرخان اول صحيفة كردية صدرت في القاهرة عام 1898 باسم((كردستان (4))) (5). وقبيل الحرب العالمية الاولى بسنوات قليلة ظهرت صحف اخرى مثل ” روجه كردان ” ( نهار الكرد ) التي تأسست في عام 1911 في استانبول ثم استبدل اسمها الى (( هه تاوي كورد )) ( شمس كردستان(6) ) وذلك سنة 1913 , وصحيفة ((جهانداتي )) (معرفة العالم) التي ظهرت عام 1912(7). تركت حركة الاصلاحات والتحديث التي بدأت في الدولة العثمانية منذ القرن التاسع عشر ، بصماتها على وعي وتفكير المثقفين الكرد.لا سيما بعد صدور الدستور العثماني عام 1878(8). وانضم عدد من هؤلاء المثقفين الى جمعيات (( الاتحاد والترقي )) ، (( تركيا الفتاة)) التي استقطبت شعاراتها الكرد مثل غيرهم من شعوب الامبراطورية العثمانية التي اعلنت عهدا جديدا من الاخاء والمساواة قبل ان ينحرف الاتحاديون عن المبادئ التي روجوا لها في بداية مجيئهم للسلطة(1). وبتأثير تلك الظروف شكل عدد من المثقفين الكرد لا سيما الناشطين منهم في استانبول والقاهرة عددا من الجمعيات التي أخذت على عاتقها نشرالثقافة الكردية وتوعية الجماهير ضد الاستبداد والاضطهاد القومي . كانت اشهرها جمعية (( هيفي كورد )) ( امل الكرد) التي تأسست عام 1910 في استانبول والتي استقطبت اعدادا كبيرة من الطلبة الكرد ورجال القانون(2). على اي حال ، رغم ان معظم الحركات والانتفاضات الكردية قد فشلت في نهاية المطاف في تحقيق اهدافها لكونها جاءت عفوية ، وبعيدة عن طابع التنظيم ، ولضعف امكاناتها الذاتية في ظل ظروف ذاتية وموضوعية اهمها عدم تناسب القوى بينها وبين اعدائها ، الا انها من جانب اخر اسهمت بدور كبير في بلورة الفكر القومي الكردي ، الذي توضحت ملامحه بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى مباشرة ، وعلى امتداد كردستان برمتها حينما شملت الانتفاضات والحركات الكردية معظم اجزائها , واصبحت واحدة من العوامل المحركة لاعادة النظر في السياسات الدولية التي استهدفت اعادة رسم خارطة الشرق الاوسط وفق مصالح القوى الدولية الكبرى التي تحكمت بمقدرات المنطقة لعقود تالية . تحرك قادة الحركة الكردية في اعقاب انتهاء الحرب العالمية الاولى, وسقوط الامبراطورية العثمانية ، للحصول على دعم الدول المنتصرة لا سيما بريطانيا التي ابدت اهتماما متزايدا بالشعوب التي كانت خاضعة للامبراطورية العثمانية ، لا سيما الارمن(3) والكرد. فتشكلت اللجان الكردية في القاهرة واستانبول للاتصال بقادة بريطانيا وفرنسا للحصول على دعمهم للقضية الكردية(4).
وقبل انعقاد مؤتمر الصلح عام 1919 كثف القادة الكرد من نشاطهم من اجل اعداد لائحة بمطاليبهم وتقديمها الى ذلك المؤتمر.كان ابرزهم في كردستان الجنوبية الشيخ محمود(1) الحفيد ( البرزنجي ) الذي عقد اجتماعا موسعا مع شخصيات كردية بارزة وعدد من زعماء العشائر المعروفين . وقد استقر الراي على اختيار الشخصية الدبلوماسية والعسكرية البارزة الجنرال شريف باشا(2). ممثلا عن الكرد لدى دول الحلفاء في مؤتمر الصلح(3) . وفي المذكرة التي قدمهاشريف باشا الى مجلس الحلفاء الاعلى بتاريخ الثاني والعشرين من اذار 1919 طالب فيها باستقلال كردستان والاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي(4). اخذت القضية الكردية منعطفا هاما خلال المباحثات التي كانت تجري في اروقة , وخلف كواليس مؤتمر الصلح في باريس ( 18 كاون الثاني 1919-21كانون الثاني1920) . اذ غدت هذه القضية كما يؤكد احد المتخصصين السوفييت البارزين في تاريخ الكرد (( موضوعيا, بمثابة واقع دولي يمس المصالح الحيوية للدول الكبرى المنتصرة والمغلوبة . وبطبيعة الحال اصبح مصير الاكراد وكردستان مادة للنقاش في المباحثات الدبلوماسية وعلى مستويات مختلفة بما فيها ارفع المستويات ))(5), وجسدت معاهدة سيفر(6), التي عقدت في العاشر من اب عام 1920 هذه الاهمية . اذ نصت المواد ( 62-63-64) على حق الكرد في قيام دولة كردية مستقلة تضم كردستان الشمالية والجنوبية ( ولاية الموصل )(7).
فحسب المادة (64) من المعاهدة فان من حق الكرد القاطنين في المناطق التي اغلبيتها من الكرد والتي حددتها المادة (62) من المعاهدة بالمنطقة التي تمتد من شرق الفرات الى جنوب غرب ارمينيا وشمال حدود تركيا المتاخمة لسوريا وما بين النهرين ، ان يطالبوا بقيام دولة كردية مستقلة ،واذا ما تأكد هذا الطلب فان على مجلس عصبة الامم ان يوصي بتحقيق ذلك(1). فللمرة الاولى في التاريخ تبحث القضية الكردية في وثيقة سياسية دولية ، ومذاك غدا تدويل القضية الكردية امرا لامناص منه(2).غير انه بعد وقت قصير غدت البنود التي وردت في سيفر بخصوص الكرد حبرا على ورق بمجرد دخول الحلفاء في مساومات مع مصطفى كمال(3) الذي وصف سيفر بانها (( حكم بالاعدام على تركيا )) (4). وانتهت تلك المساومات بتوقيع معاهدة لوزان في مدينة ( لوزان ) في سويسرا بين تركيا ودول الحلفاء , في الثالث والعشرين من تموز عام1923 ,والتي جاءت بنودها نقيضا لكل تلك التعهدات الدولية التي وردت في سيفر(5). ولم يكن للمصالح الدولية ، ولا سيما البريطانية ، دوراً قليلاً ، في اقرار تلك التسوية ، لتنسجم مع خططها المستقبلية في المنطقة والعراق خصوصاً .

التآخي