الرئيسية » مقالات » لمحات من يوم 14 تموز الخالد

لمحات من يوم 14 تموز الخالد

هاهو يوم الاثنين الخالد من صبيحة الرابع عشر من تموز يعود بعد 50 عاما وهو يلبس تاجه الذهبي يافعا بالحب والذكر الطيب لحدث ثوري كبير خططت له دماء وعقول ابناء شعبنا عبر نضالها الطويل منذ تأسيس ماسمي بالحكم الاهلي في اعقاب ثورة العشرين الخالدة التي كانت غرسة كبيرة في بستان الثورة الكبير وحتى سقوط العرش الملكي على يد ابناء شعبنا من عسكريين ومدنيين من ضباط و جنود ثوريين ومناضلين شجعان يمثلون سائر القوى الوطنية بقيادة ابن الشعب البار الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم .لقد شرع الشعب عبر نضاله وتضحياته الجسام قانون الثورة وعهد بها الى القوى العسكرية الباسلة لتنفذ ها بكل بطولة واقدام استحال النظام امامها الى ركام في سويعات في يوم الاثنين الموافق للرابع عشر من تموز عام 1958.
ان ثورة تموز التي بنت اسسها التنظيمية والنضالية عبرسني النضال المريرلقواها الفاعلة لم تكن مجرد انقلاب كما يحلو للبعض ان يصفها بمعزل عن محتواها وجذورها الشعبية الضاربة في عمق تربة النضال الوطني بل انها ثورة بكل المقاييس وهذا ماتجسد صبيحة يوم الثورة حين خرجت الجموع مناصرة وهادرة بالحب والتاييد وأتذكران كرنفالا من الفرح العارم قد اجتاح بغداد وتحولت شوارعها الى اعراس واحتفالات لانظير لها بل عبرت تلك الجموع بانتصار ثورتها قبل ان تتعرف على هوية الثوار سوى صورة لرجل بدت عليه علامات التعب وشعره لم يكن مرتبا ورغم صغر سني كنت احاول ان احصل على نظرة لصاحب الصورة الذي انجز ببراعة هذا الحدث الكبيرالذي عرفناه فيما بعد بانه الثورة التي جاءت بالحرية لشعب اثقلته الا صفاد فسمعت من الشباب الذين كانت اعينهم تتلقف الصورة بان صاحبها اسمه الزعيم عبد الكريم قاسم وكنا على مقربة من السفارة المصرية في الوزيرية عندما جلب بعض الفتية رأس تمثال الجنرال الانكليزي مود الذي كان يقف منتصبا في بداية جسر الاحرار الحالي من جهة شارع الرشيد وقد وضعوه في صفيحة صدئة بعد ان اسقطته الجموع ادانة للاحتلال الانكليزي للعراق اما مجموعتي فقد استمرت رافعة صورة الثائر الجديد وهي تتجه صوب باب المعظم وانا اعدو معها علني اكشف المزيد من الاسرار عن هذا اليوم الخالد فاستدارت تلك الجموع الى مقبرة الشهداء في باب المعظم وعند الباب راحت تحاكي الشهداء في مراقدهم وهي تهتف باكية ( ياشهداء الجسر جينا انبشركم عبد الكريم قاسم حرر وطنكم) لقد ايقنت الجموع الزاحفة والمحتفلة بالثورة من خلال حدسها بان هذا الرجل قد حرر العراق من ربقة الاستعمار وان الارواح الشهيدة التي خرت صريعة على جسر الشهداء برصاص النظام الملكي في وثبة كانون الخالدة عام 1948 التي كانت احدى الممهدات للثورة الكبرى في تموزالرابع عشرلم تذهب دماؤها سدى بل كانت ضمن النسيج الثوري الذي مهد الطريق لها ..
وايقن ابناء شعبنا العراقي الوفي بعد ان استقرت الثورة وثبتت انتصارها الساحق بان هذا القائد كان بحق ابنها البار الذي سخر كل وقته لخدمتها لاسيما الفقراء حيث تحولت بغداد من مدينة تلفها الصرائف فيما كان يعرف في حينها بقبور الاحياء الى مدينة تنتشر فيها الاحياء الحديثة وشقت قناة الجيش وحميت بغداد من الغرق الموسمي من خلال مشروع الثرثار الشهير وبنيت المصانع والمدارس ومازالت مدينة الطب شامخة الى يومنا هذا مع انجازات لاحصر لها فضلا عن القوانين الاقتصادية والاجتماعية التي تصب في خدمة الفقراء وقطاعات الشعب الاخرى .
ان تلك الانجازات اذا ماتم عدها كرقم مجرد او دراسة فحواها وتاثيراتها على بنية المجتمع فان الدارس والمحلل سيحار كيف يمكن ان تتم مثل هذه الانجازات رغم ماحيك ضد الثورة وقائدها من مؤامرات وفي ظرف لايتجاوزسنوات حكم الزعيم الشهيد الاربعة بكثير, ولكن هذه الحيرة ستذهب حين يعلم من يريد
ان يعلم بان هذا هو ديدن الثوار الابرارالذين لم يأتوا الى الحكم طمعا بالسلطة انما حرصا على تحرير الوطن والشعب فما احوجنا في هذه الايام الى قادة يسيرون على خطى مؤسس اول جمهورية في العراق في العصر الحديث رحل ولم يملك شيئا فيها حتى القبر .