الرئيسية » مقالات » عند كتابة الذكريات إنتبهوا لكي لا يختلط الحابل بالنابل

عند كتابة الذكريات إنتبهوا لكي لا يختلط الحابل بالنابل

قبل كل شيء عليّ الإشارة بأنّني شخصياً لا أميل إلى كتابة ذكريات أو سيرة ذاتية في الوقت الحاضر ولكن عند الكتابة عن الحزب الشيوعي العراقي ونضاله المشرق والمستمر في سبيل الكادحين والشغيلة والمسحوقين والجماهير وعن تصدّيه للأنظمة الرجعية والدكتاتورية وعن شهدائه الخالدين الذين ضحّوا بكل ما يملكون في أن تكون راية الحزب عالية خفّاقة لا بدّ من ذكر الحقائق والإستشهادات التي تلّمستها ورأيتها والتي تؤّدي إلى بناء تصّورات عند بعض الأخوة والأحباب بأنّني أكتب سيرة ذاتية.
وفي هذا الإطار، وعند كتابتي موضوعاً بعنوان : الملازم سامي ابن الحلة الباسل سيبقى شهيداً خالداً، كتب رفيقي وصديقي العزيز سهيل زهاوي (ماموستا كمال) ملاحظاته بعنوان: ملاحظات على مقالة للكاتب احمد رجب منشورة في 15 حزيران الماضي.
عند كتابتي عن الشهيد الخالد سامي، كنت ملزماً التحدث عنه يوم تعارفنا في بشت آشان في تموز 1982 إلى يوم إستشهاده عند تصّديه ورفاقه الأبطال مع مقاتلي الإتحاد الوطني الكوردستاني الشجعان لقوات النظام الدكتاتوري المقبور وعملياته القذرة والسيئة الصيت المعروفة بالأنفال في نيسان 1988، ومثل هذا الحديث عن الشهيد وسرد تاريخه لا بدّ أن يكون سرداً ملزماً للأيام التي قضّيناها معاً في حزبنا الشيوعي العراقي، والسرد هذا يعطي إنطباعاً عند بعض الأخوة والأصدقاء ومنهم الرفيق العزيز سهيل زهاوي بأنني كتبت سيرتي الذاتية، ولكن الصحيح ليس ذلك.
وهنا أسجل سروري ومدى بهجتي عودة الرفيق والأخ والصديق سهيل زهاوي للكتابة، والإستفادة من قدراته وتجاربه، فله ذكريات ومعلومات ومحطات عديدة في نضاله داخل منظمات الحزب الشيوعي العراقي المختلفة وفي الحركة الطلابية وقوات الأنصار البيشمركة.
كتبت عن الشهيد الملازم سامي، ولم أكتب عن بدايات قاطع السليمانية وكركوك للحزب الشيوعي العراقي، وعندما أشرت إلى القيادة الميدانية التي لم يكتب لها النجاح إثر التجاذبات والصراعات الشخصية بين هذا وذاك، لم أكتب عن رفاق القاطع الجدد الذين تم الإعلان عن أسمائهم بعد الإجتماع الذي إنعقد في (قرية كاني به ردينه) ومنهم الرفيق العزيز سهيل زهاوي بإعتبار أن القاطع له مكانة خاصة، وهو الموّجه والمرشد المنظم والقائد لكافة الفعاليات الحزبية والقتالية لقوات الأنصار، والقيادة الميدانية ماهي، إلا تنظيم مصغر لتمشية الأعمال والمهام اليومية.
ومن القيادة الجديدة لم يتواجد في سهل شاره زور إلا الرفيق سهيل، لأن الرفيق مسؤول القاطع الرفيق أبو سه رباز كان بعيداً من السليمانية، والرفيقان إبراهيم صوفي وابو لينا كانا في مقر القاطع في كه ره جال.
لم أكتب عن : قيادة قاطع السليمانية وكركوك ولم أتطرق إليها إلا بطريقة هامشية، ولا أريد الكتابة عنها في الوقت الحاضر، ومنذ الإعلان عن تشكيلها لأول مرة وتواجدها في قرية دولكان في منطقة آلان دبَ الخلاف بين أطرافها، فاعضاؤها لم يكونوا منسجمين في العمل، وعند إنتقالنا من قرية دولكان ووصولنا إلى قرية حاجي مامه ند باشر الرفيق ابراهيم صوفي في القاطع كإداري، وفي قرية حاجي مامه ند حيث مقر المركز الأول (الملبند) للإتحاد الوطني الكوردستاني إستغل الرفيق بهاءالدين نوري (أبو سلام) مسؤول القاطع ظروف الحزب القاسية وبدأ بالعمل على تحقيق ما يدور في خلده وخياله، وخلق بطانة حزبية للوقوف معه وتأييد أفكاره المريضة والمزمنة، وتشكيل تنظيم سري “”يساري”” مع ملا بختيار مسؤول الملبند الأول في (اوك)، وكان أبو سلام يعمل بجد ونشاط ليل نهار ويتبادل الرسائل مع ملا بختيار، ويجتمعان في السر والعلن.
عمل الرفيق بهاءالدين والرفيق المسؤول العسكري لقاطع السليمانية وكركوك الرفيق عبدالله قره داغي (ملا علي) على توسيع فجوة الخلاف مع رفاق التنظيم الحزبي، ومن أجل ذلك العمل المدان أساساً أرادوا الإستفادة من الرفاق الآخرين لتمرير خططهم وتحقيقها، وحاولوا بشتى الطرق الملتوية الوصول إلى أهدافهم.
يتحدث العزيز سهيل زهاوي عن أذار 1982 وهو الذي يقول:
في اذار 1982 تم انشاء بتاليون ( فوج) 15 قرداغ وكه رميان وضم في قيادته الرفاق حمه رشيد قرداغي أمر البتاليون ورؤوف حاجي محمد (جوهر) مسؤولا سياسيا و سهيل زهاوي (كمال) مسؤول عن الادارة والمالية، وأنا كتبت عن الملازم سامي وقلت في تموز عام 1982 تعرفت في بشت آشان عليه، ولم أتحدث عن أحد قبل هذا التاريخ.
ويقول الرفيق سهيل زهاوي أيضاً:
ادى الصراع بين بهاء الدين نوري وعدنان عباس عضوي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الى ترك الأخير لقرية حاجي مامند ، وكان الرفيق ابو تارا ( ابراهيم صوفي ) يتواجد في كه رجال لضرورات العمل.
كان الصراع في أشده بين الرفيقين بهاءالدين نوري وعدنان عباس (أبو تانيا) عضوي اللجنة المركزية للحزب، ولكن يجب هنا القول بأنّ الرفيق ابراهيم صوفي توّجه في يوم 24/4/1983 إلى سورين / كه ره جال، وأن الرفيق عدنان عباس أرسل في أواخر نيسان 1983 مع عدد آخر من المرضى والمتمارضين في مفرزة خاصة، ومن ضمنهم الرفاق: أبو عادل، أبو صالح، أبو جواد، أبو حاتم ، حسين مرجان وأخرين إلى العلاج خارج الوطن عن طريق الحزب، وقد تعرضت المفرزة إلى إشكالات عديدة بسبب تدهور الوضع السياسي جرّاء معارك بشت آشان.
وبخلاف إجتماع (قوله كيسكان) الذي جرى بين أوك ومندوبه آسو شيخ نوري والحزب الديموقراطي الكوردستاني (حدك) والحزب الإشتراكي الكوردستاني (حسك) وبحضور الرفيق الملا علي ممثلاً عن حزبنا أوائل نيسان 1983 بغية حل المشاكل العالقة بين تلك الأحزاب وإيجاد طرق لحقن الدماء والحد من إقتتال البيشمةركة فيما بينهم شنت قوات (أوك) في 17/4/1983هجوماً واسعاً على قوات الحزبين حدك وحسك في مرتفعات جناره وجاله خه زينه، وبعد معارك دامية وسقوط عدد كبير من الشهداء والقتلى، أعلنت القوات الغازية إنتصارها، ووصف الناطق باسم أوك قوات حدك وحسك المنسحبة من المعارك بالمرتزقة والخونة.
في 29/4/1983 توّجه الرفيق بهاءالدين نوري مع عدد كبير من الرفاق إلى قره داغ، وفي يوم 1/5/1983 زار مقر حزبنا الشيوعي العراقي في قرية حاجي مامه ند وفد من الإتحاد الوطني الكوردستاني برئاسة العضو القيادي سالار عزيز الذي أصبح محافظاً للسليمانية بعد الإنتفاضة لتقديم التهاني بمناسبة يوم العمال العالمي، وأستقبل الوفد كل من الرفيقين أحمد رجب وإسماعيل ديكتاريوف، وجرى حديث مطول عن تأزيم العلاقات بين حزبنا والأحزاب الحليفة و(أوك) والعمل الجاد والمخلص لإيجاد الحلول .. جرى هذا الحديث والمعارك جارية في بشت آشان، وفي مساء نفس اليوم استلمنا برقية من القيادة بضرورة التوجه إلى قره داغ والإلتحاق مع القوات والقطعات الأخرى لحزبنا، وفي يوم 2/5/1983 تحركت قوتنا الباقية في حاجي مامه ند بإتجاه قرية باراو، وشوكى وألتقت مع قوى حزبنا الأخرى في منطقة شاربازير في قرية (بزه ينان).
وفي الظروف القاسية وإشتداد الأزمة بين فصائل البيشمةركة إستطاعت قوات حزبنا الشيوعي العراقي في الليل السير وسط ربايا العدو والكمائن العديدة لمرتزقة النظام الدكتاتوري عبور طريق السليمانية ـ عه ربه ت الرئيسي بنجاح دون خسائر، ونحن في الطريق سمعنا من إذاعة أوك المعارك الدائرة بيننا وحدك وحسك وباسوك من جهة وأوك من جهة أخرى، وسمعنا تهديدات قائد الحملة الجبانة نوشيروان مصطفى.
وفي خضم المعارك والتهديدات وإقدام أوك على قتل الرفيق نجم شيخ محمد (كوران) والنصير فاضل أحمد كاني ساردي، ألقت قوات حزبنا المرافقة للرفيق بهاءالدين نوري القبض على (7) من بيشمةركة أوك، ولكن الرفيق القائد أطلق سراحهم حسب مزاجه، وفي قرية (ده روه ن فه قه ره) تم القاء القبض على كادر أوك من قبل قواتنا واسمه (رحيم) وبعد عبورنا إلى قره داغ قررت القيادة الإفراج عنه تحت يافطة (التريث بما يحدث مستقبلاً)، وتجدر الإشارة هنا بأن الرفاق والأنصار كانوا ممتعضين عن إجراءات القيادة، وكان الأفضل عدم إطلاق سراح أنصار وكوادر أوك دون مقابل، والجميع كانوا يتساءلون ويقولون نحن نطلق سراح أنصار أوك، وهم يحتفظون بأنصار ورفاق حزبنا ولا يطلقون سراحهم.
بإيعاز من بهاءالدين نوري تم توقيع إتفاقية مشينة في قرية ديوانه حيث يرقد الشهيد نجم شيخ محمد فيها، وهو من ضحايا الحملة القذرة لـ (أوك) بين مندوبي قاطع السليمانية وكركوك وهم: الملا علي المسؤول العسكري، وشيخ سعيد عضو محلية السليمانية، ونصرالدين عابد قائد ميداني، ومندوبي أوك برئاسة الملا إبراهيم، وبعد عودة الوفد إزداد غضب الرفاق والأنصار، وحاول رفاق كه رميان بقيادة الشهيد كاوه التمرد على قيادة القاطع وضرب بهاءالدين نوري، ومن أجل ترقيع الإتفاقية عقد بهاءالدين نوري وأنصاره إجتماعاً للرفاق والأنصار في قرية (باوه خؤشين) وفي الإجتماع علم بهاءالدين بانّ الجميع يقفون بالضد من إتفاقية ديوانه، وقد سميت الإتفاقية بإتفاقية كامب ديفيد.
تمركزت قوات حزبنا في باوه خوشين وإمام قادر، وبعد مناوشات وإطلاق نار على سلسلة جبل (فه قيه جنه) توصلت القيادة إلى ترك المنطقة والذهاب إلى قرى عازه بان أحمد برنده، ده ق، كاني مرواري وئالان وحاصل فسهل شاره زور.
إنتشرت قوات حزبنا، الحزب الشيوعي العراقي في سهل شهرزور، وعملت جنباً إلى جنب مع قوات الحزب الديموقراطي الكوردستاني (حدك)، والحزب الإشتراكي الكوردستاني (حسك) والحزب الإشتراكي الكوردي (باسوك)، وبعد معركة سويله ميش البطولية في أيلول عام 1983 ومعركة جبل احمد برنو في تشرين الأول من نفس العام وبقرار من قيادة قاطع السليمانية و كركوك إنسحبت قوات حزبنا في بإتجاه احمد آوا وجبل سورين.
كانت الصراعات الشخصية تلعب دوراً سلبياً وسيئاً وتقلل من هيبة الحزب ومكانته، ولعبت البطانات الإنتهازية التي خلقتها وصنعتها الأيادي الخبيثة والأفكار البالية التي إستفادت من تطور الأحداث والتناحر والإقتتال بين فصائل الحركة الوطنية المختلفة وظروف الحزب القاسية، وفي كتابتي عن الملازم سامي أشرت إلى عمل القيادة الميدانية التي تشكلت في شاره زور، ولم يكتب له النجاح، بل أصبح مشلولاً بمرور الأيام، ومنذ اليوم الأول من إنطلاقتنا من مقر الحزب في قرية حاجي مامه ند إلى يوم إنسحابنا من شاره زور كنت المسؤول المالي لقوات حزبنا.
ولعلم الجميع أنّ الذين وضعوا أنفسهم في خدمة أفكارهم الإنتهازية وألاعيبهم ومكرهم وحيلهم أصبحوا خارج الحزب، كما أصبحوا خدماً أذلاء لمن هم أقل منزلة منهم، والحزب الشيوعي العراقي بقى مرفوع الهامة وشجرته الباسقة تعلو وتعلو.

23/7/2008