الرئيسية » مقالات » أكذب أكذب حتى يصدقك الناس/2

أكذب أكذب حتى يصدقك الناس/2

ويمضي سيد نصار في ترهاته ليصور لنا السعي الحثيث لزعيم القومية العربية عبد الناصر لبناء تيار قومي فاعل في المنطقة العربية متناسيا أن هذا التيار قد جلب الكوارث للأقليات القومية في العالم العربي وأنشأ مبدأ التعصب القومي من خلال الأطروحات الضالة لمنظري القومية العربية بأنهم خير أمة أخرجت للناس أولئك أجداد خير الله طلفاح،وهذه النعرة القومية امتداد للنازية الهتلرية التي بدأت تلقي بظلالها على الفكر القومي العربي فنشأت أحزاب قومية شوفونية تحاول ابتلاع القوميات الأخرى والقضاء عليها ،فكان صدام حسين في العراق الطفل الذي فاق أبيه في نزعته القومية وسعى لإبادة القوميات الأخرى بعد أن فشل عبد الناصر في القضاء عليها عندما أرسل قواته إلى العراق للإسهام بالحرب الضروس على الشعب الكردي المسالم ،فكان صدام الابن غير الشرعي لعبد الناصر الذي أمده بوسائل القوة وهيأ له الظروف للالتقاء بالقادة الغربيين في مكتب عبد الناصر كما تشير مذكرات أبنه عندما ذكر أنه جاء لمقابلة والده فأخبره السكرتير أنه يعقد اجتماعا مهما وبعد انتهاء الاجتماع دخل على والده متسائلا عن الذين كانوا في زيارته فأخبره أنه مدير المخابرات الأمريكية (زعيم أمريكا المقبل) وعيدي أمين وصدام حسين وهؤلاء هم قادة المستقبل لبلدانهم،مما يعني أن الرئيس عبد الناصر كان يخطط مع المخابرات الغربية لاختيار رؤساء يكملون المشوار الذي يعد له.

أن الكثير من الزعماء القوميين على مر السنين كانوا يرتبطون بشكل أو آخر بالمخططات الغربية،والظاهرة القومية وليدة التحرك الاستعماري للقضاء على المد الشعبي الجماهيري،ومحاربة الفكر المتحرر ،والدليل على ذلك أن جل القادة القوميين اشتهروا في التاريخ بسفك الدماء وإنهاء المعارضين الوطنيين ابتداء من عبد الناصر وانتهاء بصدام حسين ،وقولي هذا لا يعني عدائي للجماهير المؤمنة بقوميتها ولكن بالزعماء القوميين الذين استغلوا هذه التوجهات للقضاء على أي حركة تحررية يمكن لها أن تحقق الخير لشعوبها،وأن أغلب القادة القوميين الذين تسلموا السلطة في بلدانهم قتلة من الطراز الأول،ولهم ارتباطاتهم المشبوهة،وقد أوصلوا الشعوب العربية إلى الهاوية بفضل سياستهم الرعناء.

ولا أدري كيف لسيد نصار التغزل بالقادة البعثيين وهم من هم في الأجرام والقتل ،وهو ما بدا واضحا من خلال حكمهم لبلدين عربيين هما سوريا والعراق،فقد كان الرئيس السوري حافظ الأسد ،وصدام حسان خير مثال للقادة الإجراميين المعروفين بسفك الدماء وانتهاك الأعراض وقتل الأبرياء وعلى أيديهم حدثت الكثير من المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية،وما الهزائم المنكرة التي أحاقت بالعالم الثلث والدول العربية إلا وكان ورائها الرئيس عبد الناصر وصدام حسين،فقد قام عبد الناصر بتدمير أكبر جيش عربي عام 1967 وجعل المصريين يخافون الاشتراك بأي حرب مقبلة ،بل ولا يتمكنون من أدارتها للفشل الذريع الذي منيت به قواتهم في الكثير من المعارك،وصدام حسين أنهى أكبر قوة عربية في المنطقة هي الجيش العراقي الذي كان يشكل دعامة هائلة في أي حرب محتملة،ولكنه بطيشه وجهله أشركها في حروب عبثية جعلها مهزومة مهانة لا يمكن لها الانتصار في أي معركة ،مما سهل لأسياده احتلال العراق بنزهة قصيرة ودون مقاومة تذكر.

أن البلاء الذي أحاق بالأمة كان جراء المغامرات الفاشلة للمهووسين من الزعماء القوميين فكيف لسيد نصار أن يبرر هذه المخازي والنكسات التي سببها أسياده زعماء القومية العربية المجيدة،يقول(كانت الحلقة أو الجلسة تضم شبابا من الخليج ومن المشرق ومن المغرب العربي ونخرج من أحضان فكره لنجلس ونعود إلي مجلسنا في مقاهي القاهرة كل يدلي بدلوه يشجعنا علي هذا مناخ قومي عربي هيأته لنا توجهات الزعيم دون حذر أو وجل أو خوف فهو الذي فتح أبواب القاهرة لكل المناضلين من أجل الوحدة والحرية والاشتراكية وهم أبواق لفكرة يؤمن بها الزعيم والمواطن ولا نشاز أو شذوذ إلا لقلة لا تدرك مصالحها الإستراتيجية.. كنا في ذلك الوقت نجد أسماء لمفكرين وشعراء وسياسيين يتحلقون بالنهار وبالليل حول الموائد ونحن نحتسي القهوة والكابتشينو في مقهى لاباس والبامبو نهارا و ليلا في نايت أنددي في فندق (سميراميس)). وأكرم به من نضال تقوده سيدة العالم العربي مصر أن ينطلق من الكباريهات والنوادي حيث يجلس مجموعة من المطرودين من بلدانهم يتبادلون الأنخاب ليسقطوا الحكومات المعارضين لها ،متناسيا أن النضال الوطني هو ما يكون من الداخل حيث تتحرك المجاميع الثورية وتنشط لإسقاط الحكومة، وليس من خلال جلسات السمر وتبادل الأنخاب فقد حدثني من أثق به أن المعارضين لحكومة العراق المقيمين في القاهرة كانت الحكومة المصرية تدفع له الرواتب والمكافآت والامتيازات وتوفر لهم ما تستطيع توفيره من اللهو البريء وغيره ليعودوا إلى أوطانهم حكاما تابعين لها في الوقت الذي يتضور العامل والفلاح المصري جوعا ،ويهاجر ملايين المصريين سنويا الى بلاد الله الواسعة بحثا عما يسد رمقهم،وفي الوقت الذي تصرف فيه قيادتهم ملايين الدولارات على الخونة والمتآمرين والعملاء،وكانت مصر حاضنة للكثير من هؤلاء الذين أصبحوا وبالا على شعوبهم بعد أن أوصلهم أسيادهم الى الحكم.

ويقول في محل آخر(وكنت أعود في كل يوم الي مكتبي وصحيفتي ‘أخبار اليوم’ ولدي من الأحاديث والأخبار ما لم يكن يحلم به طاقم كامل من الصحفيين فجلساتنا لم تكن جلسات استماع وإنما كنا جميعا مشاركين بقدر موقع كل منا في صناعة الحدث فلم أكن صحفيا بقدر ما كنت سياسيا مهموما بشأن أمتي من المحيط إلي الخليج.. صادقت وعرفت شخوصا كأصدقاء أولا ثم كزعماء ثانيا ثم كحكام ثالثا فقد أصبح بعض الذين كنا نجلس معهم حكاما لبلادهم وبحكم العلاقات القديمة والصحبة كنا الأثيرين لديهم يختصوننا ببعض أسرارهم التي لا يحبون أن يعلنوا عنها إلا في نطاق محدود..!
كان قحطان الشعبي (أول رئيس يمني جنوبي) من ضمن الذين كانوا يجلسون معنا وكان بومعزة وعبد السلام الخطابي من المغرب العربي، ويوسف العلوي من عمان وغيرهم كثير، وسط هذا الضجيج والعجيج السياسي.. ووسط هذه الخلايا السياسية المشتعلة التي كانت القاهرة مركزها.. وصل شاب في بداية العشرينيات من العمر إلي القاهرة.. كان اسمه صدام حسين المجيد لنفسح له مكانا بيننا وليصبح بعد قليل اثير كل الجالسين فلديه من الحكايات ما يشبه قصص (ألف ليلة وليلة) أليست العراق وعاصمتها بغداد منبع ألف ليلة وليلة؟ كنا نعرفه قبل أن يصل إلي القاهرة من دمشق التي هرب إليها من بغداد علي حصان مصاب في قدمه من رصاصة أطلقها شرطي مرور في شارع الرشيدي ببغداد بعد محاولة فاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم الرئيس العراقي الذي سرق الثورة من عبد السلام عارف البعثي الناصري بطل ثورة يونيو 1958 وكان صدام مع أربعة من أعضاء حزب البعث كان أبرزهم سمير عبد العزيز النجم الذي عمل سفيرا للعراق في القاهرة لمدة أكثر من ثماني سنوات والمحجوز الآن بالسجن مع طارق عزيز.)

وأكرم بها من مجموعة عرفها الناس على حقيقتها فقد أثر عن صدام في القاهرة أنه كان سيدا لعلب الليل وصالات القمار مع مجموعة من البلطجية المدعومين من عبد الناصر والمدللين لديه،وكان صدام يعيش على نفقة الحكومة المصرية التي حاولت تأهيله لقيادة فرعها في العراق بالتوافق مع المخابرات الأمريكية التي كان عبد الناصر على علاقة وثيقة بقيادتها،ثم أنهته بالسم بعد أن انتهى دوره كعميل حقق لها ما كان عليه تحقيقه فهو كان وراء إسقاط الكثير من الأنظمة العربية الخارجة عن السيطرة الغربية،فكان في النهار يتشدق بالعبارات القومية الرنانة وفي الليل يعمل لتحقيق المصالح الغربية،وبالتعبير الدارج (رجل بالجنة ورجل بالنار) لقد تآمر على العراق وثورته الوطنية ووقف مع دوائر الاستعمار الغربي والعملاء في المنطقة حتى تسنى له إسقاطها،في شباط وكانت أذاعته الموجهة لا تكف عن أرشاد الانقلابيين وتوجيههم لإشاعة القتل والفساد في العراق،وقد عمل الحرس القومي الموبقات التي يندى لها الجبين بالتنسيق مع الزعيم القومي ،وعندما وجدوا أن اللعبة لن تطول أنقلب عليهم الرجل الأول بالعمالة للمصريين عبد السلام عارف ليتسلم السلطة حثالات الضباط المتآمرين الذين خانوا جميع الأمانات والعهود وأخذوا يتقاتلون بينهم للهيمنة على الحكم في العراق فكانت المؤامرات المصرية تلعب دورها في الصراع على السلطة وأتباع عبد الناصر يتقاتلون فيما بينهم وذلك من خلال مؤامرات عارف عبد الرزاق والراوي وغيرها التي قام بها الضباط القوميون المتخرجين من المدرسة الناصرية بامتياز فقد علمهم على التآمر من خلال طريقته في الانقلاب على الضباط الأحرار وتصفيتهم لينفرد بها ،وهذه هي المدرسة الناصرية المعروفة منذ بروزها ولحد الآن فهي تعتمد التآمر والتصفيات وكان المتخرج منها بامتياز صدام حسين الذي تربى في هذه الدوحة المباركة وقتل الآلاف من المقربين إليه من قادة انقلاب تموز 1968،وكان بحق صورة أكثر رونقا من عبد الناصر بالاعتماد على التآمر والتصفيات والقتل والسجن والتعذيب وقد تفوق على أستاذه بكثير من المراحل،لذلك نرى نصار وشلته يؤلهون هذا الزعيم لأنه يمثل العقلية الناصرية الممقوتة بين الشعوب العربية.

يقول سيد نصار(وأمر عبد الناصر بمجيء الشاب صدام ونقله من دمشق إلي القاهرة ليكون أكثر أمنا وليكرمه بمرتب شهري مساويا بينه وبين الوزراء كلاجئ سياسي ولينضم إلي باقي المناضلين اللاجئين سياسيا إلي القاهرة.. وكان صلاح الدين البيطار أحد اثنين هو والأستاذ ميشيل عفلق (أبو أحمد) قاما بإنشاء حزب البعث العربي لينضم إليهما ثالث هو أكرم الحوراني رئيس الحزب الاشتراكي السوري ليصبح الحزب بعدها اسمه (حزب البعث العربي الاشتراكي) أمره عبد الناصر بأن يبعث بهذا الشاب إلي القاهرة وجاء وعاش بيننا وأكل وشرب ما أكلناه وما شربناه وهام حبا بعبد الناصر ولولا القيم والانتماء والولاء لحزب البعث لكان من الممكن أن يكون ناصريا وقد كان بالفعل بعثي الواقع وناصري الهوى ) أمطر الله قبر عبد الناصر بشأبيب الرحمة فقد عمل ما يفرضه عليه واجبه بحماية المجرم ليسلطه على العراقيين ويرتكب أبشع المجازر بحقهم من أجل نصرة القومية العربية التي تقتل أبنائها.

ويمضي سيد نصار في تغزله بقادة القومية الميامين مقارنا بين جمال باشا وصنوه صدام حسين فقد قام الاثنان بإنهاء من أوصلوه الى السلطة(ويظهر علي رأس انقلاب يوليو 1968 … وتتكرر قصة صدام حسين مع أحمد حسن البكر بنفس قصة عبد الناصر مع محمد نجيب، وليصبح صدام نائبا لرئيس الجمهورية أحمد حسن البكر إلي أن يستقيل البكر بعد أن أصيب بمرض السرطان في معدته ليصبح صدام حسين رئيسا للعراق.) ولا أدري لماذا لا يقول الحقيقة التي يعرفها الجميع عندما قام صدام بقتل أبن البكر ونسيبه ثم نحاه عن السلطة وحجزه في بيته حتى دس له السم وذهب غير مأسوف عليه،وها هو مصير القتلة والسفاكين.

ويتباكى على زعيمه صدام الذي ملأ كرشه المترهل بالمال العراقي ولا زالت أعطيات الأسرة الصدامية تتوالى على نصار ومن لف لفه،ويرسم لنا بكائية يحاول من خلالها بيان الأثر الذي خلفه إعدام صدام ،متناسيا أن إعدامه كان عيدا لملايين العراقيين ممن ذاقوا الويلات في عهده الجهنمي متناسي مشاعره الإنسانية اتجاه العراقيين عندما كان صدام يقتل المئات منهم كل يوم أرضاء لنزعته الإجرامية المتأصلة في نفسه وعقله وتفكيره(ويموت صدام مشنوقا.. بصورة مؤلمة لمشاعر الإنسانية مسلمين ومسيحيين وحتى اليهود من محبي السلام فالذي رأيناه وسمعناه وما لم نريه وهو كثير ونسمعه يؤكد إننا أمام طغمة حاكمة في بغداد حاقدة علي العرب والإنسانية بصفة عامة..)ولا أدري أي إنسانية تتباكى على منتهكها،فقد أنتهك صدام أبسط القواعد الإنسانية واتى بأفعال تجعل هتلر يقف ذليلا خانعا أمام جبروته وطغيانه،ولا أدري ما هي علاقة المصريين بصدام وبكائهم عليه ،هل يبكون قوميته وهم المشكوك بأصولهم وأرومتهم القومية وأصحاب القومية الفرعونية والشعارات الداعية أن تكون مصر للمصريين ،أم أن لهم وصاية على العراقيين الذين يبرؤون من قومية تقودها مصر الفراعنة.

ولا أدري إذا كان سيد نصار بهذا الحب والوفاء لسيده وزعيمه لماذا لا يرتدي حزاما ناسفا وينتقم من قتلة سيده أو يأتي الى العراق ليزور قبره ويحج إليه ،أو ينقله الى بلد القومية العربية مصر ليضعه الى جانب سيده ومولاه عبد الناصر لينصب عليهم المناحات هو ومن عاشوا على فتات الموائد من رجال الأعلام العربي الذين جنوا الملايين من صدام ليزوقوا صورته أمام أنظار العال.

أن الحديث يطول لو أردنا استعراض ما جاد به يراع الكاتب سيد نصار وتغزله المفضوح بصدام حسين ونظامه البربري ولكني أود التعليق على مسألة الملايين من المصريين الذين جلبهم صدام للعراق والأسباب الكامنة وراء ذلك ،ولعل في مقدمتها خلق الفرقة بين العراقيين والمصريين ودق إسفين العداوة بينهم بعد الامتيازات الكبيرة التي منحها لهم وإذلاله للعراقيين حيث كانت المحاكم لا تنظر بالدعاوى التي يقيمها العراقيون على المصريين في حالات السرقة والاعتداء ..وووو،والأمر الثاني هو مساعدة مصر السادات على تجاوز المحنة بعد المقاطعة العربية لها عند زيارة إسرائيل،والأمر الثالث هو التحضير لحربه القذرة ضد إيران وإرسال العراقيين الى جبهات القتال ليقوم المصريين بما يتطلبه العراق من أعمال لا علاقة لها بالمجهود الحربي ،إضافة لإفساد العراقيين باختلاطهم مع المصريين الذين جلبوا معهم مساوئ الشعب المصري وجرائمه لأن معظم الوافدين من المجرمين والمطلوبين للسلطة أو من تريد السلطة التخلص منهم وأبعادهم لأنهم من أصحاب السوابق كما ذكر وزير الداخلية المصري حينها من أنه أرسل الى العراق من لا يمكن للشعب المصري الاستفادة منه،وكان ذلك الدعم موجها أساسا للإبقاء على نظام السادات الأيل للسقوط مجازات له على زيارته لإسرائيل.