الرئيسية » مقالات » معاهدة، بروتوكل؟، جدول؟، (فضاء) ؟، أم ماذا ؟!

معاهدة، بروتوكل؟، جدول؟، (فضاء) ؟، أم ماذا ؟!

نحن في وضع دقيق يتطلب من الكتاب الوطنيين الموضوعيين الكتابة عن العراق بصراحة تامة، ووضوح، دون مزايدة، ولا مناقصة، وبلا اكتراث لهذيان المفلسين، واتهاماتهم. إن المهم هو توخي ما نعتبره الصحيح بروح الحوار، واحترام آراء الآخرين، ودراستها بعمق، ولعل فيها ما يصوب خطأ في الرأي نقدمه، أو توضيحا لما التبس.
لعل هذه الكلمات مطلوبة عند تناول مسألة المفاوضات العراقية مع الإدارة الأمريكية، واقتراح ما نعتبره الأكثر واقعية.

لقد كتب الكثير عن الموضوع، ومن ذلك مقالات الدكتور عبد الخالق حسين، وأمير طاهري، ومنذ يومين مقال الأستاذ غالب الشابندر في موقع “إيلاف”، كما كثرت بتواتر تصريحات المسئولين وبوجه أخص التصريحات المتتابعة للسيد نوري المالكي، رئيس الوزراء، والتي تعكس في نظرنا تبدلا في المواقف، وتناقض مسئولين آخرين من الجبهة الكردستانية، وغيرهم.

نعتقد أننا يجب وضع النقاط التالية بالحسبان التام:
1- إن القوات الأمريكية هي التي أسقطت صدام بعد فشل المعارضة مرة بعد أخرى، بسبب ضربات نظام صدام وشراسة القمع، والخلافات الحادة؛
2 – إن الفضل الأكبر والرئيسي لتحقيق درجة من الانفراج الأمني يعود للقوات الأمريكية، أما القوات العراقية الباسلة فقد اعتمدت كليا على الدعم العسكري الأمريكي، ولا نعتقد أنها اليوم مؤهلة لتحمل الأعباء الأمنية وحدها، وأنه يجب تحويل مهمات القوات الأمريكية للتدريب حصرا، لاسيما والقوات العراقية لا تزال مخترقة حزبيا وطائفيا، ويتطلب وقت طويل لكي يصبح الولاء للوطن والشعب، وليس للحزب، أو الطائفة؛
3 – إن الانفراج الأمني النسبي لا يعني انفراجا تاما، وزوالا لخطر الإرهاب، قاعديا كان، أو صداميا، أو إيرانيا؛
4 – إن الفضل الأول في عملية إلغاء الديون العراقية يعود للإدارة الأمريكية؛
5 – إن الولايات المتحدة منذ دخول العراق ليست هي التي تتصرف بالنفط العراقي، ولا هي التي تهربه لدول مجاورة بتواطؤ عدد من كبار الإداريين الحزبيين في الجنوب؛
6 – نعرف أن هناك ضغوطا كثيرة على السيد المالكي شخصيا من الذين يرون لاعتبارات مختلفة وجوب الانسحاب الأمريكي السريع، سواء إيران، أو مزايدات العروبيين، أو مزايدات داخلية، ولا ندري هل مواقفه المتبدلة من موضوع المعاهدة تحت تأثر هذه الضغوط والمزايدات، أم إنها قناعاته الشخصية؟

وبناء على ما مر، وعلى حقائق أخرى، نعتقد أن المطالبة بانسحاب القوات الأمريكية في زمن قصير ووفق جدول زمني، كما يدعو المرشح أوباما، موقف خاطئ تماما. فعناصر الإرهاب وأوكاره باقية سواء داخلا أو في الجوار، ولإيران أطماع توسعية معروفة في العراق، وبعكس ما يدعو أوباما من أن مركز الثقل يجب أن يكون أفغانستان، فنحن نعتقد أن العراق لا يقل أهمية، إن لم يزد بسبب كونه في منطقة النفط الإقليمية، وكلنا نعرف أهمية ذلك، وخصوصا اليوم وقد وصلت أسعار النفط برقم أسطوري.

لقد استوقفتنا نقاط كثيرة في حديث السيد المالكي مع مجلة “دبر شبيغل” الألمانية.
يقول السيد رئيس الوزراء نصا:
” إننا بصدد وضع جدول زمني لسحب القوات الأمريكية خلال فترة زمنية قصيرة.”
يقول أيضاً في موقف اتهامي:
” ما حصل من تجاوزات على العراقيين كان الأصل هو وجود القوات، [أي الأمريكية]، ولكنه لم يعبر عن تقرير الدور الأمريكي والتضحيات الأمريكية الكبرى على أرض العراق، والتي بفضله تم هذا الانفراج الأمني النسبي، بل وبفضل القوات الامريكية تم إنقاذه شخصيا عندما حاصره جيش المهدي في البصرة بعد أن أقدم على الهجوم من دون تنسيق مسبق مع القيادة العسكرية الأمريكية.

يقول أيضا بصدد توضيح موقفه وتعليقا على مطالبة أوباما بسحب القوات خلال 16 شهرا الجديد: “نحن نعتقد بان هذه مهمة تزيد أو تنقص قليلا”، أي يتوقع جاهزية القوات العراقية ووجوب الانسحاب خلال أقل من عامين، ونعتقد أن هذا التقدير مفرط جدا في التفاؤل، بل يعبر عن سوء فهم الأوضاع العراقية المعقدة والمرشحة دوما للأخطار، والانتكاسة الأمنية.

لقد لاحظ الأستاذ غالب الشابندر: ” أنا أقول ليس من المعلوم أن كل حكومته راغبة، أو متطلعة لمثل هذا الطلب”، و” إن معاهدة أمريكية – عراقية طويلة الأمد ليست بعيدة عن رغبة الكثير من العراقيين، على مختلف مشاربهم القومية، والمذهبية، والسياسية، وذلك لاعتقادهم بأن التواجد الأمريكي في العراق يعد السبب الأعمق لمنع تدهور الأوضاع الأمنية من جديد، خاصة وإن ما شهدته الأيام المتأخرة من مكتسب أمني يندرج تحت عنوان تراجع العمليات الإرهابية وليس تحقيق أمني مدني بالمعنى العملي..”

لقد فسرت المجلة الألمانية تصريحات رئيس الوزراء حول أوباما بكونها تأييدا لمرشح أمريكي، أي ديمقراطي، دون المرشح الجمهوري، ولكن ناطقا باسم السيد المالكي قال إن كلامه أسئ نقله. لكننا نفهم من مجمل الحديث أنه أقرب لأوباما المطالب بالانسحاب السريع رغم انه يقول يحق بأن أي مرشح يصل للحكم “سيتعامل مع القضية بواقعية” ولكنه يستدرك حين يقول: “أنا أعتقد من يريد [ أي من المرشحين]، الخروج أكثر تقديرا للواقع على الأرض”، ومعلوم أن جون مكين، المرشح الجمهوري، إذ يقر بوجوب سحب القوات، ولكنه لا يعطي سقفا زمنيا بل صرح مرة، والخلاف أيضا ان أوباما كان من بين قلة من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الذي صوت ضد الحرب في حين أن مكين، وحتى هيلاري كلينتون قد صوتا للقرار، وقد صرح أوباما حتى وهو في العراق بأن أفضليته هي أفغانستان لا العراق.

لا جدال أبدا في أن كل الوطنيين العراقيين يريدون اليوم الذي ينسحب فيه آخر جدي أجنبي من العراق، ولا مجال للمزايدات الغوغائية والمغرضة بهذا الشأن، كما ليست الولايات المتحدة راغبة أو قادرة تحت الظروف الداخلية على البقاء أبدا، ولكن القضية هي التعامل مع معطيات الواقع، وتطورات الوضع العراقي، وحاجات شعبنا للأمن الكامل والاستقرار والازدهار.

إن المطلوب أن لا ينفرد السيد المالكي بالتفاوض حول هذه القضية الكبرى، وأن لا ينفرد باتخاذ القرارات سواء هنا، أو في أمور أقل أهمية، حتى عند قرار بتعيين موظف لمنصب مهم من دون استشارة الوزير المختص!!

21 تموز 2008