الرئيسية » مقالات » المسيري : الرحيل الاخير

المسيري : الرحيل الاخير

“الصهيونية تمتلك مضامين خطيرة ”
المسيري
مقدمة :
كنت قد نشرت قبل سنوات فصلة من كتابي ” نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ” والتي خصصتها عن الاخ الراحل عبد الوهاب المسيري .. واليوم وقد سمعت انه قد رحل رحلته الابدية ، اذ توفي فجر يوم الخميس 3 يوليو/تموز 2008 بمستشفى فلسطين بعد صراع طويل مع مرض السرطان، وشيعت جنازته ظهرا من مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر بالقاهرة. وهنا اود ان اشارك في تأبين هذا ” الرجل ” الذي جمعتني به المعرفة وتباينت عنه في التفكير السياسي .. ويسعدني ان استعيد ما نشرته عنه ، وما وجدته فيه من خصال ومواقف .

المسيري : المفكر والسياسي
هذا المفكر الهادىء والواثق من علمه والمتخصص في القضايا اليهودية والصهيونية الذي يكاد يكون العربي الوحيد الذي اطمئن الى كتاباته الدقيقة بشؤون اليهود وديانتهم بعد العلامة العراقي الراحل احمد سوسه الذي اختص بتاريخ اليهود القديم .. ان للمسيري جهوده واعماله المتميزة التي يقف على رأسها موسوعته الشهيرة التي صرف من زمنه طويلا لانجازها ، وهو يشكّل قيمة عربية لا تقدر بثمن .. كما ان الرجل صاحب خطاب تحليلي مصري ، وطابعه اسلامي في اخطر شؤون الامة تبعا لمرجعيته الاولى ، اذ كان قد انخرط في شبابه مع جماعة الاخوان المسلمين .. صحيح انه اختص بالادب الانكليزي ، ولكن كّرس جهوده لدراسة اليهود في العالم ، وانه يعرف طبيعة الحركة الصهوينية التي له رؤيتها الخاصة لها اذ يراها تضرب جذورها في التوراة والتلمود والتقاليد الدينية والاثنية معا عند اليهود . انني اعرف الاخ المسيري عالما مفكرا واستاذا باحثا ، ولم اعرفه سياسي بين ركام السياسيين المصريين المعارضين .. ولقد عرفت مكانته في تيار ” كفايه ” السياسي المصري المعارض ، ولكن دوره لم يكن يشغلني ابدا ، بحجم ما تشغلني كتاباته . لقد بقي المسيري طوال حياته منتميا الى الاخوان المسلمين ثم انتمي الي اليسار المصري، وشغل منصب المنسق العام لحركة كفاية، التي تأسست في نهاية 2004 للمطالبة باصلاح ديمقراطي في مصر، ولكن ليس على الطراز الغربي ! وقد تعرض للاعتقال من قبل السلطات المصرية أكثر من مرة . نعم ، ففي يناير 2007 تولى منصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وهي الحركة المعارضة لحكم الرئيس محمد حسني مبارك وتسعى لاسقاطه من الحكم بالطرق السلمية ومعارضة تولي ابنه جمال مبارك منصب رئيس الجمهورية من بعده.

المسيري .. من يكون ؟
ولد الاخ الدكتور عبد الوهاب المسيري في دمنهور بمصر عام 1938 ، ونشأ ودرس فيها ثم حصل ليسانس آداب- أدب إنجليزي- في جامعة الإسكندرية 1959م ، ثم حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي والمقارن في جامعة كولومبيا Columbia University- بالولايات المتحدة الأمريكية 1964م ثم على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي والمقارن في جامعة رتجرز Rutgers University- الولايات المتحدة الأمريكية 1969م وهو خبير الشؤون الصهيونية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام حتى العام 1975م . وعمل عضوا في الوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم حتى العام 1979م . وهو – ايضا – أستاذ بجامعة عين شمس وجامعة الملك سعود وجامعة الكويت حتى العام 1989م وأستاذ غير متفرغ بجامعة عين شمس 1989م-حتى الآن . والمسيري هو المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 1992م-حتى الآن . ايضا عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بواشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية 1997م-حتى الآن .

المسيري والصهيونية
لقد نجح المسيري في الكشف عن هياكل داخلية للظاهرة الصهيونية فضلا عن كشفه لابعاد مجهولة من التاريخ اليهودي وخصوصا من الناحيتين الاجتماعية والثقافية . انه يرى اليهودية في نطاق معين من التاريخ ، ويرى الصهيونية في نطاق معين آخر . يرى اليهودية عالما كلاسيكيا شرقيا قديما لم نعد نجده الا في ما تبّقى من تقاليد كنسية وترديد لعبارات تلمودية او توراتية في حين يرى ان الصهيونية : ظاهرة غربية استعمارية استيطانية احلالية ، ونجح المسيري كما يرى العديد من المحللين والنقاد في تفسير سلوكيات صهيونية متنوعة في دراسته للكلاسيكيات اليهودية التقليدية القديمة . وعليه ، فانه يرى بأن الصهيونية ذات جذور غربية ، ولكنها مزركشة بديباجات يهودية مع وجود عبارات غامضة في المضامين لا يمكن حل الغازها بسهولة ! ولكن البعد اليهودي يبدو في معظم الاحيان زخرفي تبريري شكلاني .. استخدم طويلا لاغراض التعبئة التاريخية.

لقاءان مع الرجل
حتى العام 2001 ، لم التق بهذا الرجل الا مرة واحدة وكان لقاء رائعا عابرا في زمن قصير ولكن كانت له معانيه العميقة عندي وعنده .. كنا نجلس في حفل عشاء رسمي كبير بواحد من فنادق الهيلتون الواقع بمدينة العين في دولة الامارات العربية المتحدة عندما كنت اعمل في جامعتها .. ولم اكن ادري بأن الاخ المسيري موجود في ذلك الحفل ، فكل مجموعة قد اتخذت لها دائرة معينة واصحابها يتحاورون في امر معين .. فجأة ربت على كتفي الدكتور وسام فرج ، وقد وقف على رأسي ليقول لي بأن الدكتور المسيري كان يبحث عنك ويريد رؤيتك . قلت له : اين هو ؟ قال في مكان ما من هذا الحفل . فسررت جدا لوجوده ، وفعلا كان الرجل يريد رؤيتي ومتشوق لي ، فتلاقينا وهو يقول لي : انني اعرف كل شيىء عنك من خلال متابعتي لاعمالك التاريخية والفكرية ، واضاف : ان ما زاد من شوقي لرؤياك ما حدثتني به طالبتي في الدكتوراه التي اقوم بالاشراف على اطروحتها في الدكتوراه .. ! استغربت وقلت : من هي ؟ قال : الا تعرف السيدة فاطمة بلقاسم وهي من الجزائر ؟ اطرقت برأسي مستعيدا ذكراها الطيبة ، واجبت ونعم الطالبة النجيبة التي درستها قبل سنوات طوال في جامعة السينيا بوهران . قال : انها اليوم طالبة دكتوراه عندي وطالما حكت لي عنك وعن تجربتك ومحاضراتك وفضلك على الاخوة الجزائريين .. فشكرته على هذه الرسالة المعنوية الرائعة التي تحمل معاني انسانية عالية المستوى من لدن استاذ فاضل قام كلانا بتأهيل طالبة علم عربية من جيل جديد .. وشكرت لهذه السيدة الجزائرية العربية اخلاصها ووفائها لاستاذها القديم وتمنيت لها كل التوفيق والنجاح . لم يطل اللقاء اذ كان كل مّنا على سفر ، فذهب كل منا الى سبيله بعد ان تبادلنا العناوين على امل ان يكون لنا لقاء اخر في يوم من الايام .
اللقاء الثاني
بعد عامين او اكثر تقريبا ، التقيت بالراحل عبد الوهاب المسيري في دولة الامارات مرة أخرى ، وفرح كل منّأ بالاخر ، وكانت لي هذه المرة معه ، جلسة مطولة في بهو فندق ميراج بالاس بالجميرا ، واخذنا الحديث عن مصر اولا ثم عن متغيرات المنطقة بعد سقوط النظام العراقي السابق .. كان يخشى ان يدلي برأيه بصدد الانقسامات الاجتماعية العربية طائفيا ومذهبيا وتدخلات ايران .. انه يعتقد بأن العدو الحقيقي ( للامة الاسلامية ) اسرائيل ومن وراء اسرائيل .. حدثّنى عن عمله الموسوعي عن اليهود واليهودية والصهيونية ، فباركت جهده ، واختلفت الرؤية بيني وبينه عن اساليب التحديث والعلمنة وتجديد المناهج التربوية . لم اجد منه جوابا شافيا عن تجربة تركيا الحديثة . بدا لي ان الرجل قد تعمّق كثيرا في دراسة الصهيونية ، بحيث غطّت على كل التجارب الاخرى في منطقة الشرق الاوسط . لقد كان لقاء رائعا عندما تحاورنا عن الانقسامات اليهودية في التاريخ ، وسألني عن معلومات عثمانية تخص النازحين من اليهود الاسبانيوليين .. اما بشأن اليهود السيفاردم واليهود الاشكنازم ، فان ذلك الانقسام اليهودي بين الغربيين والشرقيين هو انقسام اوربي فقط ، اي يعود اصل السيفاردم الى اسبانيا من الذين تبعثروا في الشتات الاوربي والعثماني بعد ذلك ، في حين يعود اصل الاشكانزم الى المانيا ، وقد نزحوا هم الاخرين الى اصقاع من اوربا الشرقية .. وكان الشتات بفعل الصراع ضدهم من قبل الكاثوليك ، وقد حماهم الاتراك العثمانيون . ولقد طلب مني الاخ المسيري بعض المعلومات التاريخية عن اليهود المزراحيين ، فارسلتها اليه بعد ذلك بالبريد ، وهي معلومات نادرة تخص اليهود المزراحيين الذين لا يمتون بأية صلة الى الاوربيين ، والمعلومات مستقاة من مخطوطات كنت قد اشتغلت عليها ابان السبعينيات . والمزراحيون هم اليهود القدماء الذين انتشروا في الشرق الاوسط ، وخصوصا في فلسطين والعراق واليمن ومصر وايران ، وهم يختلفون قليلا عن يهود الفلاشا في كل من اثيوبيا والسودان وبعض الاطراف الافريقية .. لقد تبيّن لي من خلال لقائي بهذا الرجل ان معلوماته واسعة عن الصهيونية العالمية ، ولكنه ليس بمؤرخ ابدا ، وان معلوماته عن الجذور التاريخية اليهودية الاولى غير دقيقة بفعل كثرة التناقضات والاختلافات التاريخية ، ناهيكم عن ان الرجل ليس بمؤرخ ابدا . وجدته يستمع ويطيل الاصغاء ويسأل اكثر من ان يجيب . لقد اعلمني بمشروعه الموسوعي ، وقال انه استفاد كثيرا من عشرات المؤرخين المتنوعين في جمع معلوماته الشفوية والتحريرية .

ما الذي اراه في المنهج والتفسير ؟
اقول انني احترم المسيري وتجاربه ومنهجه وتخصصه ، ولكنني قد اخالفه في بعض ما يذهب اليه من تفسيرات ومواقف وآراء بحكم اختلاف الرؤية والمنهج والتفكير .. نعم ، انني احترمه عالما مختصا له جهوده العلمية التي يحتاجها تفكير العرب المعاصر عن اليهودية والصهيونية فكرة وتاريخا وبنية حياة . وربما يسألني سائل : لماذا اذن تختلف مع بعض تفسيراته الفكرية والسياسية ؟ اجيب على ذلك قائلا : ان ذلك ببساطة شديدة نابع بحكم اختلاف التخصص والمدرسة والتفكير السياسي والاتجاه الفكري فالرجل ليس بمؤرخ ، ولكنه دخل ميدان هذه المعرفة من باب اللغات كمتخصص في الاداب الانكليزية والامريكية .. ثم ان له موقفه من الغرب والتغريب ، وبالتالي انعكس على رأيه في التحديث والحداثة كفلسفة وضرورة .. وقد اوصله تفكيره الى قناعة تقول بأن الصهيونية واحدة من منتجات الفكر الغربي .
تبادل المفاهيم وتباينها
ربما التقي مع جملة تفسيرات تاريخية نشرها المسيري عن اليهودية والصهيونية من الناحية التاريخية وحفرياته النقدية الدقيقة فيها ، ولكنني اختلف معه في بعض مواقفه وبعض تفسيراته التي تتخذ لها في بعض الاحيان طابعا مؤدلجا وسياسيا يخلط فيه الظواهر بعضها بالبعض الاخر من دون ان يستكشف اي قطيعة معرفية او تاريخية بينها ! فمثلا لا يمكنني موافقة المسيري على ان الصهيونية هي افراز عضوي للحضارة الغربية الحديثة بدليل ان اليهود واليهودية كانت معزولة على مدى قرون في وحداتها ( = الغيتوات : جمع غيتو ) وان اقسى ما تلقاه اليهود الاوربيين كان على ايدي الكاثوليك ! كما ولا اتقبل هكذا وبسهولة مصطلح ” الحداثة الداروينية ” ، اي : الحداثة التي ترمي الى تحويل العالم الى مادة استعمالية توظف لصالح الاقوى مقابل الحداثة الانسانية . ثم انني اختلف مع الاخ المسيري في تفسيره مفهوم العلمانية ، ذلك ان مفهومها واحد لا يتجزأ لظاهرة تاريخية في التاريخ الحديث وسيطرت على العالم منذ ازمان ، فهي واحدة وليست اثنتان فالمسيري جعلها جزئية وكليانية . انني اعرف بأن العلمانية واحدة لها تعريف واحد يعرفه كل العالم هو : ” فصل الدين عن مؤسسات الدولة وليس عن مشاعر المجتمع وتقاليده وطقوسه ” !
وماذا ايضا ؟ هل كل المفاهيم والظواهر صهيونية ؟
ربما لا اوافق بسهولة في تفضيله تسمية ” تفكيكية ” لما بعد الحداثة قوله انها ليست منهجا بل استراتيجية يسميها دريدا – كما يقول – بلغة الغنوصية : ” استراتيجية بلوغ المستحيل .. ” ، ويستطرد المسيري بقوله : ان الاهتمام بالمستحيل جوهر الفاشية كما فعلت الصهيونية ” التفكيكية ” بتحويل اليهود الى مستوطنين والفلسطينيين الى لاجئين ! اعتقد ان الاخ المسيري يفسر كل مستحدثات الغرب ضمن المناخ الفكري الذي سيطر على ذهنه وتفكيره عشرات السنين ! وهنا لابد لي ان اقول بأنني اعتبر التفكيكية كأي منهج نقدي عالي المستوى له وسائله وادواته الصعبة وليست نظرية صهيونية . ولم يتوقف المسيري على هذا حسب ، بل ويربط المسيري بين ما بعد الحداثة واليهودية خاصة المفاهيم القبالية ( = اله اليهود : يهوا ) مطلق ويهودي ! وان مفهوم ” تناثر المعنى ” التفكيكي يشبه شفيرات هكيليم ، وان مفهوم ” التمركزحول المنطوق” هو صدى الثنائية الحاخامية المتضاربة واكثر التفكيكيين من اليهود بسبب تجربة النفي والاحلال والغربة ولكنهم كانوا وما زالوا من المنبوذين !! ولم يقتصر على ذلك ، اذ يعتبر اطروحات ما بعد الحداثة الفلسفية الامريكية : نهاية التاريخ والانسان الاخير لفوكو ياما وصراع الحضارات لهانتنتغون دعوات امبريالية وايديولوجية النظام العالمي الاستعماري الجديد . وقد رجحت احداث 11 سبتمبر من كفة هانتيتغتون على فوكو ياما بحرارته المشميانية التي تعلن انتهاء التاريخ والجدل وبدالية الفردوس الارضي والتاريخ الطبيعي . والطبيعي هنا اميركي ورغم تناقضهما فهما يشتركان في الغاء التاريخ والغاء الانسان كما الغي بعد قتل سلفهما نيتشه الاله من قبل .

وأخيرا : ورحل المسيري رحلة نهائية !
انني اذ اكتب هذا ” المقال ” لمناسبة الرحيل الاخير للاخ الاستاذ عبد الوهاب المسيري ، ليس لي الا ان اقف وقفة اجلال واكبار امام مفكر اخلص لمبادئه ، وامام عالم اوفى بمنهجه ، وامام استاذ تخرج على يديه العشرات بل المئات من الشباب . لقد كان الراحل الفقيد يخطو نحو السبعين وقد ابتلي بمرض السرطان الذي صارعه بقوة ، فغلبه في اخريات ايامه ليصبح شبحا ، ثم يتوفاه الله فكان فقيدا لاصدقائه وزملائه وطلبته وكل الذين تابعوا كتاباته واهتماماته .. كما افتقدته كل الجماهير ، رحم الله المسيري رحمة كبيرة واسكنه فسيح جنانه .

ملاحظة : المقال في الاصل فصلة من كتاب الدكتور سيار الجميل : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية .

www.sayyaraljamil.com