الرئيسية » مقالات » الادب الايتماتوفي والشبيبة الديمقراطية العراقية

الادب الايتماتوفي والشبيبة الديمقراطية العراقية

رحل الكاتب والاديب العظيم جنكيز ايتماتوف في 10 حزيران 2008،والشبيبة العراقية واجيال النصف الثاني من القرن العشرين لن تنسى بسهولة أعماله واعمال معاصريه من عمالقة الادب الانساني والواقعي في المعمورة،والتي لبت وتلبي تعطشهم الآيديولوجي والأدبي،في احلك الظروف السياسية والمعيشية التي مروا بها.ايتماتوف كان في صدارة قائمة الكتاب المفضلين لدى شبيبتنا،في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم وابان المد الفاشي اثر انقلاب رمضان الاسود 1963 وحقبة دكتاتورية صدام حسين،الى جانب دوستويوفسكي وبوشكين وتولستوي وشولوخوف وغوركي وتشاكوفسكي وحمزاتوف وكوبرين وهمنغواي وجاك لندن وامادو وماركيز وغائب طعمة فرمان …،وسرعان ما اجتذبتهم نبراتهم الفريدة وأسلوبهم المتدفق وشخصياتهم الآسرة.
ببالغ الألم تلقت الشبيبة الديمقراطية العراقية نبأ رحيل ايتماتوف،لأنها خسارة كبيرة لا للشعب القرغيزي وشعوب رابطة الدول المستقلة(الجمهوريات السوفييتية السابقة)فحسب بل خسارة فادحة للادب الانساني العالمي وروائعه،وقيمة ادبه وشخصيات رواياته ذهبت ابعد بكثيرمن مجرد مرحلة تاريخية محددة.كانت”جميلة”وحدها كافية لتخليد اسم ايتماتوف،فما بالك ب”المعلم الاول”و”وداعا يا غوليساري”و”السفينة البيضاء”و”الكلب الابلق الراكض بجوار البحر”و”النطع”والغرانيق المبكرة”و”يمتد اليوم فيصبح قرنا”و”العروس الخالدة”و”نمر الثلج”و”وداعا ايها الطير”و”وجها لوجه”و”طريق الحصاد”و”شجيرتي في منديل أحمر”و”عندما تتداعى الجبال”و”طفولة في قرغيزيا”… ترجمت اعماله الى 165 لغة،وبيعت من رواياته نسخ تصل الى حد 90 مليون نسخة..
حظيت رواية”جميلة”باعجاب القراء بكل اللغات التي ترجمت اليها،والفرنسيون عرفوها بترجمة شاعرهم اراغون الذي عدها”اجمل قصة حب في العالم”.وقال عنه الروائي العالمي غابريل غارسيا ماركيز:”لم أرى شبيها بايتماتوف في الادب العالمي القديم والحديث،لقد جمع في رواياته الواقعية الانسانية مع الأسطورة والفلسفة والمشاعر الانسانية النبيلة”..وقال عنه الموسيقار العالمي شيستاكوفيتش:”ايتماتوف هو الانسانية كلها في واحد ولا يقل روعة وابداعا عن شكسبير”.. نعاه الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف قائلا:”لقد رحل عنا واحد من اعظم كتاب القرن العشرين ان لم يكن اعظمهم على الاطلاق”..ونعاه رئيس الوزراء بوتين قائلا:”انها خسارة كبيرة لنا وللانسانية جمعاء”…
كان جنكيز ايتماتوف تراثا ادبيا مثل الضمير الروحي الاصيل للانسانية،الامر الذي دفع بالرئيس القرغيزي قرمان باكييف اعلان العام 2008 عام ايتماتوف في بلده.لقداستنهلت شبيبتنا الديمقراطية من ايتماتوف اسمى قيم ومعاني الحب والخير والعدل والمساواة والكفاح الاجتماعي،فكان بحق فخر الأدب الانساني للأبد.سحرت واقعية الادب الايتماتوفي شبيبتنا التي عاشت قسوة الطبيعة والحياة الاجتماعية معا!والتحولات التاريخية في المجتمع العراقي،والرّعب الصدامي،والتي كدت في البحث عن القيم الأخلاقية الأكثر تماسكا…سحرت واقعية الادب الايتماتوفي شبيبتنا التي قاومت الارادوية المنفلتة والعسف ومحاصرة الديمقراطية والحجب المعلوماتي ومحاولات غسل الذاكرة والضغوط الادارية والطرد الجماعي من العمل والمماحكات والارهاب والتدخل بالحياة الشخصية للناس وصياغة عقل وضمير المواطن والزامه بالطاعة والولاء،والتهجير القسري للملايين والعسكرة،ليجر ازاحة رواد التطور الحضاري عن مراكز القيادة واتخاذ القرار وليحل محلهم جهلاء الحزب الحاكم والطائفة الحاكمة واقرباء واصدقاء الطاغية من محترفي التجسس ذوي الولاء المطلق لرموز النظام،وتتحول المؤسسات الى مقرات للخلايا الحزبية والميليشيات ولجان التحقيق واوكار للتجسس والاعتقال وكتابة تقارير الوشاية..
رحل جنكيز ايتماتوف لكنه باق من خلال اعمال تركها للاجيال واستحق عليها لقب كلاسيكي العصر!سيبقى جنكيز ايتماتوف وابطال رواياته احياء في قلوب شبيبتنا الديمقراطية التي تتطلع الى وطن حر وشعب سعيد!وغد تسوده ثقافة الأمل والاحتجاج والنزاهة والثقافة المطلبية!الثقافة الحرة والمنفتحة التي يعبر من خلالها المثقف عن عالمه الابداعي والتي تنمي فرص تطوير المواهب والعقول الشابة الطامحة الى التعبير عن عالمها الفكري والاخلاقي والاجتماعي!افق يلوح باحياء الثقافة العراقية التي قادها علماء وادباء عراقيون نار على علم!
سيبقى لسان حال الشبيبة الديمقراطية”لا اعمار للوطن من دون اعمار الثقافة””مجدا للمثقف العراقي شهيدا وسجينا وملاحقا عصيا على التدجين!”.

22/7/2008