الرئيسية » مقالات » كيف تقتل أمريكا إسرائيل بدم بارد؟

كيف تقتل أمريكا إسرائيل بدم بارد؟

“كُثر الدلال يُفسد الحبيب”.

هذا قول عربي مأثور، وهو ما يمكن أن ينطبق على علاقة أمريكا بإسرائيل، منذ نصف قرن إلى الآن. فمنذ قيام الدولة الصهيونية عام 1948، وأمريكا تفتح خزائنها، ومستودعات سلاحها، ومنابر إعلامها، وقاعات جامعاتها، لكل ما يُمكنه دعم الدولة الصهيونية في فلسطين. فقد تعدى الدعم الأمريكي الشامل للدولة الصهيونية كل حسابات الأصدقاء للأصدقاء، والحلفاء للحلفاء، إلى درجة أن بعض المعلقين الأمريكيين يقولون، أن الحكومة الفيدرالية تدعم وتموّل إسرائيل أكثر مما تدعم وتموّل ولاية ما من ولاياتها الخمسين.

وهذا الدعم غير المسبوق وغير المحسوب حساباً دقيقاً، من الممكن أن يكون قد عاد بفائدة ما على أمريكا، وهي فائدة – في ظننا – لا تتعدى أن تكون، أن أمريكا جعلت من إسرائيل (القبضاي) صاحب العصا الغليظة (الشومة)، لتأديب المارقين، والمنشقين، والإرهابيين من السياسيين، في منطقة الشرق الأوسط. والقيام بالضربات الإستباقية لكل من ترى أمريكا، أنه يهدد مصالحها العسكرية، والسياسية، والاقتصادية في المنطقة. وإسرائيل ببساطة – وكما قيل ملايين المرات – هي بوليس وحرس أمن أمريكي، في منطقة الشرق الأوسط. ولعل المناورات العسكرية الإسرائيلية ، في اليونان أخيراً، والإشاعات التي تملأ مجالس ودواوين ومنابر إعلام الشرق الأوسط والعالم، من أن ضربة عسكرية إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية قادمة، في هذا الصيف، أو في مطلع الخريف القادم، وقبل مغادرة جورج بوش للبيت الأبيض، خير دليل جديد على ذلك.

ولو وجدت أمريكا بلداً عربياً، له من الإمكانية العسكرية والاقتصادية والعلمية والسياسية، ولديه لوبي قوي كاللوبي الصهيوني (إيباك) المؤثر على القرار السياسي الأمريكي الخارجي في واشنطن، لما توانت في تعيينه شرطياً للمنطقة، وحارس أمن المنطقة، وبرتبة عسكرية رفيعة. فلا يوجد حتى الآن دولة عربية واحدة، أو شرق أوسطية، تصلُح لهذا الدور الأمريكي المهم والحيوي في المنطقة، ولم توجد مثل هذه الدولة، خلال نصف قرن مضى.

ولا شك أن أمريكا، قد لحقها من جراء دعمها هذا الدعم اللامحدود للولاية الواحدة والخمسين (إسرائيل)، الكثير من الأذى والعديد من الأضرار، ومنها:

1- أصبحت أمريكا مكروهة كراهية شديدة من الشارع العربي يميناً ووسطاً ويساراً، نتيجة لعدم حسمها الحسم اللازم لقيام دولة فلسطينية. وربما كان لأمريكا صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في هذا الموضوع، العذر والحجة في ذلك. فالفلسطينيون منقسمون على أنفسهم، ولا تجمعهم كلمة واحدة. فريق يريد الدولة بيضاء، وفريق معارض آخر يريدها خضراء. فريق يريد الدولة علمانية خالصة، وفريق يريدها دينية خالصة. فريق يريد الدولة من البحر إلى النهر، وفريق يرى ذلك استحالةً، وتعجيزاً، وانتظاراً لتحقيق معجزة الشيخ الراحل أحمد ياسين الأسطورية، الذي تنبأ عام 1988 بأن إسرائيل ستزول بعد أربعين عاماً؛ أي في عام 2028. وهذا الفريق ينتظر حلول هذا العام، لكي يقيم الدولة الفلسطينية من البحر إلى النهر. ولقد تمَّ اكتشاف كل هذه الحقائق في محادثات كامب ديفيد عام 2000، بين كلينتون وباراك وعرفات، كما قرأناها في مذكرات بعض السياسيين الشهود على هذه المفاوضات.

2- بما أن أمريكا الآن هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، وهي وحدها القادرة على إحداث التغييرات السياسية الجذرية في الأنظمة العربية، مقابل عتو الديكتاتوريات العربية القبلية والحزبية والعسكرية – ومثال ذلك العراق- ، فإنها فقدت مصداقية ذلك، وأصبح هذا الدور الحيوي معطلاً، وأن لا مكان، ولا مجال، ولا أمل في التغيير السياسي القريب في منطقة الشرق الأوسط، وسوف تبقى الديكتاتوريات العربية تتوالد وتتكاثر كالفِطر والأعشاب البرية، دون أن تجد من يقتلعها من (شروشها). فقد كان هذا حال العالم العربي منذ موجات الاستقلال في بداية النصف الثاني من القرن العشرين حتى الآن. والدليل الأكبر على ذلك ما حصل في العراق. فقد أحبطت، وشوّهت، وسوّدت الديكتاتوريات الحزبية والدينية تجربة “تحرير العراق”. وجعلت عُرس العراق بزوال ديكتاتورية البعث سرادقات للعزاء، وأفراح العراق أتراحاً، وتحوّل العراق إلى جنازات ومقابر، بدل أن يصبح بفعل انهيار الديكتاتورية احتفالات ومنابر. وسمحت لكل إرهابي الأرض من عرب وعجم، بالعبور إلى العراق ودربتهم، ومدتهم بالسلاح والمال. وكان لهذا الدرس القاسي لأمريكا في العراق، نتائجه السيئة على السياسة الخارجية الأمريكية. ولكن بقي الفضل لأمريكا بما تمَّ في العراق. فصحيح أن وجود أمريكا العسكري في العراق، كان بمثابة قضيب المغناطيس الذي جذب بُرادة حديد الإرهاب، و(نَكَشَ) أعشاش دبابير الإرهاب في المنطقة، ولكن كان ذلك من أجل القضاء على الإرهاب. فمن كان باستطاعته أن يواجه الإرهاب الديني والقومي في العراق، وفي خارج العراق، غير قوة عظمى كأمريكا، رغم غضب القوميين والدينيين من هذه الحقيقة الواضحة، ورفضهم لها؟

قلنا في البداية، أن صُنّاع السياسة الأمريكية الحاكمين وغير الحاكمين، يتسابقون على نيل الرضا الإسرائيلي في واشنطن، وتل أبيب. ولكن هذا لا يعني أن الإعلام الأمريكي بقضه وقضيضه، يؤيد السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، على مرِّ الحقب. فهناك جزء كبير من الأكاديميين الأمريكيين ومن الإعلاميين الأمريكيين يتلاوم على السياسة الأمريكية، وينتقد نقداً سلبياً قاسياً السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، ومنهم – على سبيل المثال لا الحصر- الأكاديميان البارزان ستيفن والت، الأستاذ في جامعة هارفارد، وجون مير شايمر، الأستاذ في جامعة شيكاغو. وهما مؤلفا كتاب “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية”، واللذان زارا إسرائيل قبل فترة، وحلاّ ضيفين على الجماعة الإسرائيلية اليسارية المعروفة “غوش شالوم” (معسكر السلام) التي يرأسها الكاتب اليهودي والمعارض المعروف يوري أفنيري. ويقول منتقدو كتاب “اللوبي الإسرائيلي” بأنه مُحمَّل بنبرة معادية للسامية، وأنه يصوّر اللوبي المساند لإسرائيل في الولايات المتحدة بصورة الجماعة ذات النفوذ الذي لا يُحدُّ، والتي تُلحق الضرر بالمصالح الأمريكية والدولية. وقال ستيفن والت أحد المؤلفين للكتاب: “إن تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل لا يزيد من شعبية الولايات المتحدة حول العالم، كما أنه لا يجعل الأمريكيين في الوطن أكثر أمناً”. وأكد والت أن دور إسرائيل كدولة ديمقراطية لا يشكل سبباً كافياً يبرر الدعم السياسي والمالي القوي الذي تتلقاه. وأضاف يقول: “هناك الكثير من الديمقراطيات الأخرى في العالم، لكن أياً منها لا تتلقى مثل هذا المستوى من الدعم, ومن دون أي ضوابط”.

وأضاف: “هذه السياسات الأمريكية مضللة. وهي ليست مفيدة للولايات المتحدة كما أنها لم تكن مفيدة لإسرائيل، ولن تكون مفيدة للشرق الأوسط ككل”.

فهل سوف تقتل أمريكا إسرائيل بمساعداتها ودعمها اللامحدود، وبدم بارد؟

فالدلال الزائد يُفسد الحبيب ويُضيّعه، مما يعني خسران أمريكا لكل من إسرائيل، وكذلك العالم العربي.