الرئيسية » مقالات » جندي مجهول أسمه عبد الغني جرجيس محمد ججو

جندي مجهول أسمه عبد الغني جرجيس محمد ججو








 




أعداد: محمد الكحط
يبدو من الصعوبة الحديث عن إنسان حقيقي عاش في الظل ومات هناك بعيداً عن المدينة وعراكها وصرعاتها، بعيداً عن المتزلفين والطامحين في جذب الأضواء، فالحديث عن إنسان أحتك مع الناس ووسط الأضواء وفي المدينة وعرفه المثقفون والعامة يكون سهلا، فبإمكاننا تتبع خطواته أو الحديث عنه، أما الجنود المجهولون فمن الصعوبة جمع المعلومات الدقيقة عنهم، فكيف أن هذا الجندي المجهول الذي أردنا أن نتحدث عنه وهو من أبناء الريف النائي البعيد، عاش هناك ومات هناك. أنه الإنسان الحقيقي والعراقي الأصيل “عبد الغني جرجيس محمد ججو”، الذي يعرفه لنا العزيز أبو بافل: (ولد في عائلة فلاحية مترفة – يمكن القول أنها عائلة أقطاعية- في قرية شريخان بالموصل في بداية 1900. ولا يعلم احد أن كان ذلك عام 1905 أو 1907، يعد الابن الأكبر في العائلة لأب هو الآخر الأبن الأكبر في عائلته. عاش في عائلة كبيرة ميسرة ودرس حتى السنة السادسة ولم يكمل الدراسة مفضلا البقاء فلاحا ليعيش وسط أبناء جلدته، بل فضل السفر مع العائلة الكبيرة لقرية أخرى للزراعة والتعرف على عالم جديد كان يثير فضوله.) بهذه الكلمات وهذه البيئة ترعرع عبد الغني الذي ورث من جده التواضع والقيم الإنسانية، حيث (كان تأثير جده عليه كبيرا وغالبا ما كان يذكره في مواقف حياتيه متنوعة. مما يرويه عنه انه وهو كبير العائلة ولديه ما يكفي من المال، كان وهو ابن التسعين أو أكثر يذهب كل يوم إلى المزرعة في موسم العمل ليرسل العامل الزراعي لتناول غدائه ويقف هو تحت الشمس بدلا منه ليسقي الزرع. مما ترك لديه تساؤل عن سبب هذا السلوك، وتوصل لجواب تساؤلاته بعد ذلك بسنين.).

أحس بوقت مبكر بمعاناة الناس الفقراء ووقف جنبهم، ضاربا عرض الحائط بتقاليد العائلة الإقطاعية منقلبا عليها، كان يساعد النساء ويقدم لهن المحاصيل الزراعية من القمح والشعير عند العازة، لإعالة أطفالهن وعوائلهن مما جعله محبوبا من الجميع، بل لم يكن صدفة أن تقف النساء يوما لتحميه من غضب الآخرين الذين حاولوا منعه من مغادرة القرية بعد أن أشتد الخلاف بينه وعن ذلك يكمل أبو بافل قائلا:
(كانت حياته كبقية أقرانه، تمتاز بعمق علاقته بالناس المحيطين به وهكذا يروي أخوه الأوسط –خليل-، الرواية التالية, انه عندما اشتد الخلاف بينه وبين والده وقرر ترك العائلة الكبيرة والانفصال عنها وترك القرية، توجه والده لشيخ كبير للعشيرة العربية التي في القرية التي كانوا يعيشون بها ويزرعون أرضها، طالبا مساعدته لمنع أبنه عبد الغني من المغادرة، وقد وعده الشيخ بذلك وأبلغ رجال القرية ليمنعوه. انتشر الخبر في القرية سريعا. في صباح اليوم التالي تجمعت النساء أمام الدار، جئن لمنع رجالهن من إيقافه من الرحيل ونجحن في ذلك، والسبب لوقوفهن هذا الموقف واضح، كونهن نفس النساء اللواتي كان يقدم لهن المساعدة من القمح والشعير عندما كانت تضيق بهن الحياة في الشتاء وكان يحس بوضعهن وحاجتهن واللواتي وقفن معه هذه الوقفة.)، ربما الحادثة بسيطة لكن لها دلالاتها الكبيرة، فالعالم هو عالم الريف المدقع في الفقر والزمن زمن القحط، لكنه كان زمن الناس الطيبين والروح الإنسانية البريئة النقية لأولئك الناس البسطاء.
وتتحدث ابنته حياة عن الروح الأبوية والحنين الجميل الذي كان يغمر به أبناءه والجميع، فلا عجب أن نجد حوله أحفاده وأبناء أحفاده يحيطون به دائما رغم تقدمه بالسن. لقد ربى أولاده على تلك القيم الإنسانية التقدمية الرائعة التي آمن وعمل من أجلها. أصر أن تذهب بناته للدراسة وواجه صعوبات من أجل ذلك من عائلته ومن الآخرين الذين لا يرغبون أن تذهب النساء إلى الدراسة، كان متنورا وأراد لأبنائه وبناته مستقبلا زاهرا.





طريقه إلى الحزب والنضال من أجل (وطن حر و شعب سعيد):

كان لدية زميل طفولة أصغر منه سنا ونقيضه الاقتصادي، من عائلة معدمة وأصبح رفيقه في النضال الطويل وقد حورب من قبل عشيرته لزمالته له، وزميله هذا أصبح فيما بعد أحد القياديين في منظمة الحزب في الموصل، ومع صديقه دخل عالم السياسة في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات. ولا عجب أنه وجد طريقه إلى هناك إلى الحزب الشيوعي العراقي دون عناء فكان هذا المنعطف الهام في حياته، الذي جعله أكثر إيماناً وأكثر عطاءاً، ففي الحزب تبلورت القيم الإنسانية التي كان يحملها، وتطور بوضوح وبدأ عمله يأخذ اتجاها منظما فكريا وسياسيا، وانغمر في العمل السياسي، وما لبثت أن أشرقت ثورة 14تموز، حيث برز نشاطه وسط الفلاحين وكان عضو الجمعيات الفلاحية التي تشكلت حينها وقامت بتوزيع الأراضي على الفلاحين، وكان عبد الغني ججو يقود التنظيم الفلاحي في المنظمة، ، وليس غريبا أن يستشرس الإقطاعيون والقوميين عليهم وعلى الثورة، ومن ثم جاءت محاولة الشواف الانقلابية وشارك هو في قيادة التصدي لها، وكان يروي لعائلته بعض ما كان يجري وكانت الجماهير تعبر عن شعورها تجاه الثورة ودعمها لها.
وكما هو معروف، لم تستمر الفرحة طويلا وانقلب الحاكم على مؤيديه وتم توجيه ضربة إلى الحزب الشيوعي، ودخل عبد الغني السجن في عام 1960م، وكانت زوجته ورفيقة دربه الإنسانة البسيطة أم محمد تحمل له فراشا وملابسا وطعاما وتذهب للبحث عنه في السجون إلى أن تجده وهو الذي كان مصاباً بالروماتيزم ولا يتحمل البرد.
بعدها غادر السجن، ورغم ذلك، عندما خرج عبد الكريم قاسم من المستشفى بعد محاولة اغتياله عمل له اكبر احتفال في تاريخ القرية إلى اليوم، إحتفاءا بشفائه.
ما لبث الأمر أن ساء سياسياً من جديد، مما أضطره لترك القرية والاختفاء في المدينة. دخل السجن من جديد ليخرج منه أكثر صلابة. ثم ترك القرية للعمل الحزبي في المدينة، تاركا عائلته التي كان يزورها بين الحين والحين. وكانت أم محمد تقوم بكل ما هو مطلوب منها من مهمات، من نقل البريد الحزبي إلى قضاء حاجات البيت والعناية بالأطفال وخدمة الرفاق الموجودون لديهم باستمرار، حيث غالبا ما يتواجد في ضيافته العديد من الرفاق الذين ينشطون بالعمل السري، ينامون النهار ويعملون ليلا لساعات متأخرة. فكان بيته مقراً أو وكرا سريا حافظ على حياة العديد من الرفاق القياديين.
في سنة 1963 اعتقل خطأً بعد انقلاب شباط الأسود و أطلق سراحه بكفالة، ولم يذهب للمحاكمة لقناعته بأنها ستكون مصيدة له، وظل مختفيا عن الأنظار متحملا ظروفا غاية في الصعوبة، حيث أضطر لبيع داره التي في القرية لتلافي المطاردة وأنفق كل ما يملكه ليصبح في حالة عوز وهو أبن العائلة المترفة والذي كان يساعد الآخرين ولا يبالي بالمادة، بل كم مرة حرم عائلته من التنعم بما يملكون، وسجن أولاده بسبب نشاطهم السياسي، وأضطر أحد أبناءه وهو نعمة للعمل وهو أبن الثانية عشرة ليساعد العائلة في تدبير أمورها، ولضعف عوده توفي جراء التعب المضني.

أستمر في عمله النضالي غير عابئ بالصعوبات، وقف ضد الدخول مع البعث في الجبهة سنة 1973، وأوقف نشاطه التنظيمي احتجاجا على ذلك، لكنه لم يترك مبادئه ولا قيمه ولم يتنكر لرفاقه، بل أستمر في عطائه الإنساني، يتابع عائلته وأصدقائه ويمد يد العون للجميع.

بقي عبد الغني كما هو في السبعينات رغم كبر عمره وبعد انهيار الجبهة لم يصبح بعثيا، وكان البعثيون يتجنبوه وكانوا يقولون له إننا نعرف انك ما زلت شيوعيا. بقي صامدا يحترمه ويهابه الجميع، لم يخضع للابتزاز ولم يهن ولم يضعف، بقي متحملا الظروف الصعبة والمعقدة التي مرت خلال حكم الدكتاتورية، التي اعتقلت أبنه الناشط محمد سنة 1982م وغيبته ولا زال مصيره مجهولا.

يقول أبو بافل: (عندما سقط البعث سنة 2003م، كان وضعه الصحي قد تدهور وبدأ يفقد القدرة على الرؤيا، وعاش أيامه الأخيرة مقعدا، وتوفى يوم 28/12/ 2005 وكنت قد زرته للمرة الأخيرة صيف عام 2005م.

عاش عبد الغني جرجيس محمد ججو صادقا مع نفسه وقيمه ولذا كسب احترام كل من عرفه عن قرب وعاشره. كان فلاحا ويعرف آلام وحاجات الفلاحين، وكانت له مواقف حول مساواة المرأة تندر مثلها في بيئته الفلاحية، حيث تعاني النساء في الريف هناك من القمع والاضطهاد والمعاناة الكبيرة، لكنه كان يحترم المرأة ويقدرها ولم يرض أن تتعرض أي منهن إلى المهانة.). لقد كان شاهدا على معاناة والدته مع والده لذا فقد أقسم أن يقف بجانب النساء دائما.
كان عبد الغني ججو، شيوعيا فطريا وعاش مناضلا أبيا منسجما مع مبادئه التي آمن بها حد النخاع، ظل وطنيا صادقا وأممياً لا يفرق بين الناس لاختلاف أنتمائاتهم العرقية أو المذهبية، إنسانيا قدم الكثير وربى أجيالاً وتحمل أعباءاً كبيرة. تركنا بهدوء كما يفعل القديسين، مخلفاً إرثا نضاليا كبيرا ستتذكره الأجيال.

كما تحكي أبنته حياة، أنه كان لهم أرضاً يستثمرها أحد الفلاحين لسنين طويلة، وفي آخر أيامه قرر تمليكها له قائلا له، أنك من تعبت في زراعتها وأنت من حقك أن تملكها…!!، لربما أنها حكاية بسيطة ولكن كم من الناس تدفعه مبادئه اليوم ليقوم بنفس العمل هذا…؟

حقا أن أرضنا تلد الأنبياء والرسل والرجال العظام والجنود المجهولين أمثال الفقيد عبد الغني جرجيس محمد ججو.
مجدا لك أيها المناضل الكبير