الرئيسية » الملف الشهري » هل كانت ثورة 14 تموز سبب نكبات العراق؟

هل كانت ثورة 14 تموز سبب نكبات العراق؟

مقدمة
مرت في هذا العام 2008 الذكرى الخمسون لثورة 14 تموز 1958، الحدث الأهم –كما نعتقد- في تاريخ العراق الحديث، والتي كادت أن تسبب حرباً عالمية، إذ دُقت طبول الحرب ونزلت القوات الأمريكية والبريطانية على عجل في الأردن ولبنان، واستنفرت قوات الجيش الأحمر في روسيا السوفياتية آنذاك. وحبس العالم أنفاسه. ولما أدركت أمريكا وبريطانيا أن الحرب غير مجدية، فعدلتا عنها عملاً بالحكمة القائلة “لا تحارب شعباً في حالة ثورة”، وتحولتا على الفور للعمل بكل السبل لإسقاط الثورة من الداخل وأفلحتا في ذلك بعد أربع سنوات ونصف السنة بانقلاب 8 شباط 1963 الذي أدخل العراق في نفق رهيب لم تدرك نهايته حتى الساعة. لذا، فهذه الذكرى هي مناسبة للحديث عن هذا الحدث التاريخي الكبير، لمراجعة تاريخنا الحديث وقراءته قراءة نقدية متأنية من اجل استخلاص الدروس والعبر.

بعد اغتيالها بوقت مبكر من عمرها، وعدم السماح لها بتحقيق أهدافها كاملة، يحاول البعض تحميل ثورة 14 تموز 1958 تبعات الكوارث والنكبات التي نزلت على العراق فيما بعد، ويصرون على أنه لولا ثورة أو “انقلاب” تموز لما دخل العراق في سلسلة من الانقلابات العسكرية، ولما ابتلى بالنظام البعثي الصدامي ونتائج سياساته الطائشة وعواقب إسقاطه. وانهال هؤلاء بإلقاء اللائمة على الثورة وقادتها مسؤولية تسييس العسكر وتسلطهم على الحكم ومقدرات البلاد والعباد، مدعين أنها دشنّت عهداُ للانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي. كما وبالغوا في كيل الحسنات للعهد الملكي، حيث راحوا يصفونه بأنه كان عهداً ديمقراطياً زاهراً مستقراً، فيه دستور وانتخابات وبرلمان، وكانت هناك أحزاب المعارضة تمارس نشاطاتها بمنتهى الحرية تحت قبة البرلمان، وحقق ذلك العهد تقدماً ملحوظاً في التطور الاجتماعي والاقتصادي وجميع المجالات، وكان نبتة طرية لبناء النظام الديمقراطي ومؤسسات المجتمع المدني “لولا اقتلعها عبد الكريم قاسم” على حد تعبير البعض منهم، وأنه لم تكن هناك أسباب كافية للتغيير، وأن ما حصل في يوم 14 تموز 1958 كان نتيجة طيش بعض الضباط المغامرين في الجيش لتحقيق طموحاتهم في السلطة والجاه.

أما أنصار التغيير، فإنهم يؤكدون أن ما حصل يوم 14 تموز كان ثورة وطنية نقية بكل معنى الكلمة، واستجابة لطموحات الشعب ومتطلبات وطنية ملحة وظروف موضوعية لمرحلة تاريخية معينة من مراحل تطور العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكان لها برنامج وطني تقدمي واسع متعدد الجوانب، تَضَمَّنَ برامج الأحزاب الوطنية المتحالفة في جبهة الاتحاد الوطني، وبرنامج اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار، كان من شأنه أن ينتقل بالعراق إلى مستوى حضاري متقدم، واقتصادي مزدهر، لولا اغتيالها المبكِّر، حيث واجهت الثورة عداءً شديداً من قبل الدول الإقليمية، وصارت هدفاً في الصراع الدولي بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي في ظروف الحرب الباردة، فراحت ضحية التآمر الدولي بالتحالف مع الأعداء الداخليين المتضررين بالثورة، والإقليميين المتخوفين منها، مستفيدين من الصراعات الفئوية بين الأحزاب الوطنية ذاتها التي ساهمت في إنجاحها في أول الأمر، فتم لهم اغتيالها في الانقلاب الدموي يوم 8 شباط 1953 الأسود.

نحاول في هذا البحث، النظر في هذه الاتهامات الموجهة لهذا الحدث الذي حصل في ذلك اليوم التموزي من عام 1958 ودعوات مناصريها، للتأكد من أي الفريقين على صح أو خطأ، بالاعتماد على دراسات باحثين محايدين أجانب، وأدلة تاريخية موثقة، وشهادات مستشرقين من الصعب الطعن في أقوالهم.

ثورة أم إنقلاب؟
بدءً، لنحسم بإيجاز شديد موضوع، ماذا حصل يوم 14 تموز 1958، ثورة أم مجرد انقلاب عسكري؟
فالانقلاب، هو تبديل رجال الحكم بالعنف المسلح وغالباً بعملية عسكرية، دون أن يكون مصحوباً بأي تغيير للنظام السياسي والإٌقتصادي والإجتماعي. أما الثورة فهي عملية تبديل الحكام، وقد يتم بالعنف المسلح أو حتى بدونه، ولكن بالضرورة تكون مصحوبة بتغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. المهم هنا تغيير القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

لقد حصل يوم 14 تموز 1958 وما تلاه، إسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، وتبنى سياسة عدم الإنحياز، وإلغاء جميع المعاهدات الإستعمارية الجائرة المخلة بالإستقلال الوطني، والخروج من الأحلاف العسكرية (حلف بغداد)، وتحقيق الإستقلال السياسي التام والسيادة الوطنية الكاملة، وتحرير الإقتصاد والعملة العراقية من الكتلة الإسترلينية، وإلغاء حكم العشائر والنظام الإقطاعي وتحرير الملايين من الفلاحين الفقراء من سيطرة الإقطاعيين بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وتحرير 99.5% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الإحتكارية بإصدار قانون رقم 80، وازدهار الصناعة وبناء عشرات الأحياء والمدن السكنية للفقراء، والتفاف الجماهير حول الثورة و قيادتها وحماية منجزاتها… وغيرها كثير، والقائمة تطول.

ولهذه الأسباب مجتمعة، بعد كل هذه المنجزات والتغييرات التي حصلت في المجتمع العراقي بعمق، فلا يمكن لأي باحث منصف إلا وأن يعترف بأن ما حصل يوم 14 تموز 1958 وما تلاه، كان ثورة بكل معنى الكلمة. ولعل أدق شهادة بهذا الخصوص جاء على لسان المستشرق الفرنسي الراحل مكسيم رودنسون الذي قال: “إن ثورة العراق هي الثورة الوحيدة في العالم العربي”، وأيد ذلك بقوة الموضوعية المؤرخ والباحث الأكاديمي الراحل حنا بطاطو عندما سأل: “هل ترقى أحداث 14 تموز (يوليو) إلى مستوى الثورة أم أنها مجرد انقلاب؟ ويجيب قائلاَ: “والواقع إن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة، يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة.”

تهمة تسييس العسكر والانقلابات وعدم الاستقرار
إن إلقاء تهمة تسييس العسكر وتدشين مرحلة الانقلابات العسكرية على ثورة 14 تموز لم يصمد أمام أية مناقشة منطقية ومنصفة. إذ لم يكن العسكر غرباء عن الدولة العراقية في عهدها الملكي، فأغلب المساهمين في تأسيس الدولة العراقية كانوا من العسكر، سواءً الذين عرِفوا بالضباط الشريفيين (نسبة إلى الشريف حسين-شريف مكة) من خريجي المدرسة العسكرية التركية، ومنهم نوري السعيد نفسه الذي كان برتبة جنرال والذي تولى رئاسة الحكومة 14 مرة، أو الفريق جعفر العسكري والفريق نوري الدين محمود اللذان تسلما رئاسة الحكومة في العهد الملكي، وغيرهم من الضباط العراقيين في الجيش العثماني. لا بل أن الجيش العراقي تأسس حتى قبل الدولة العراقية، بمعنى أنهم كانوا مسيَّسين قبل تأسيس الدولة، ولهم دور كبير في تأسيسها. ولذلك كان العراق الدولة الوحيدة التي كانت تابعة للجيش وليس الجيش تابعاً للدولة. لذا، فإن تسييس العسكر لم يبدأ بيوم 14 تموز 1958 كما يدعي البعض، بل حصلحتى قبل ولادة الدولة العراقية.

كذلك مرحلة الانقلابات العسكرية دشِّنتْ في العهد الملكي نفسه وذلك بانقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، أول انقلاب عسكري في العالم العربي والمنطقة (وحتى يعتقد البعض أن الملك غازي كان مشاركاً به) وما تلاه من خمسة انقلابات عسكرية أخرى لم يُكتب لها النجاح، وأحداث مايس 1941 بقيادة العقداء الأربعة، والتي عرفت بحركة رشيد عالي الكيلاني، كل هذه الاقلابات حصلت في العهد الملكي أي قبل 14 تموز 1958 بسنوات. كما وكانت هناك وثبات وطنية وانتفاضات شعبية وعشائرية، وإضرابات عمالية واضطرابات سياسية طيلة العهد الملكي، كانت تواجه بالرصاص دون رحمة. ونستنتج من كل ذلك أن تسييس العسكر، والانقلابات العسكرية، وعدم الاستقرار السياسي، قد حصل في العهد الملكي نفسه وكانت ملازمة للدولة العراقية منذ تأسيسها، وإن ثورة 14 تموز كانت نتيجة لهذه الانحرافات وليست سبباً له، كما وكانت وتتويجاً لنضالات الشعب لتحقيق طموحاته في الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية الكاملة.

الثورة والتطور السلمي التدريجي
وإنصافاً للتاريخ نقول أن العراق الحديث بدأ نهضة تدريجية واعدة منذ التأسيس بقيادة الراحل الملك فيصل الأول، وسار بخطى ثابتة ومتزنة على طريق التطور السلمي التدريجي لبناء دولة عصرية دستورية وديمقراطية وفي أشد الظروف تخلفاً وصعوبةً. وليس من الإنصاف التقليل من الصعوبات التي واجهها الرواد الأوائل في بناء الدولة العراقية الحديثة.

ولكن هذا التطور السلمي التدريجي توقف فجأة بوفاة الملك فيصل الأول المبكر عام 1933، وتسلط الثنائي نوري السعيد وعبد الإله على مقادير السلطة، خاصة بعد مقتل الملك غازي في ظروف غامضة. ويؤكد هذه الفرضية الباحث الدكتور كمال مظهر أحمد فيقول: “وفي الواقع إن أكبر خطأ قاتل ارتكبه النظام (الملكي) في العراق يكمن في موقفه من الديمقراطية، فعلى العكس من منطق الأشياء، سار الخط البياني لتطور الديمقراطية في العهد الملكي من الأعلى إلى الأسفل، لا من الأسفل إلى الأعلى، ويتحمل الجميع وزر ذلك، ولكن بدراجات متفاوتة”.

لذا فإني اعتقد جازماً أن نهاية النظام الملكي قد بدأت عملياً برحيل مؤسسه الملك فيصل الأول، حيث لم يحصل أي نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق منذ وفاته، إذ فقدت الحكومة العراقية هيبتها وصار نوري السعيد هو الحاكم المطلق في العراق، ولعب دوراً كبيراً في إيقاف عجلة التطور السلمي التدريجي وتجميد أو تهميش الدستور. وكانت الأحكام العرفية هي القاعدة وليست استثناءً، حيث أُعلِنَتْ 16 مرة بين 1932 و1958، أي ما يعادل نصف فترة العهد الملكي.

والحق يقال أن فيصل الأول كان سياسياَ محنكاَ بالفطرة والتجربة، وذو ثقافة سياسية واجتماعية جيدة نسبياً حسب ظروف ذلك الزمان، فكان يلتقي باستمرار بقوى المعارضة والشخصيات الوطنية ورجال الدين ورؤساء العشائر، يستمع إلى آرائهم وطلباتهم ويشرح لهم الصعوبات التي تواجه الدولة في تلك المرحلة، وكان يهدئهم ويطمئنهم، ويوعدهم على تحقيق مطالبهم على شرط أن لا يحاولوا فرضها على السلطة بالقوة، وأن هذه الطلبات ستتحقق مع الزمن وأن خيراً عميماً سينتظرهم إذا ما تجنبوا العنف. لذلك كان الملك فيصل بمثابة صمام أمان حيث سارت الأمور في عهده بهدوء وكان التطور التدريجي يجري بسلام.

ولكن بعد وفاة فيصل تغيّرت الأمور رأساً على عقب حيث امتنعت السلطة، وخاصة بعد مصرع الملك غازي، عن أي حوار أو تفاهم مع المعارضة الوطنية، إذ كان نوري السعيد ذا ثقافة عثمانية قديمة، غير ملمٍّ بفن التواصل مع الآخرين، فلم يكن خطيباً مفوهاً ولا كاتباً مثقفاً، ولا محاوراً مقنعاً، ولم يهتم بالدعاية والإعلام من أجل شرح سياساته وإقناع الآخرين والمعارضين بجدواها، إن كان لها جدوى. إضافة إلى أنه كان ينظر إلى الجماهير والمعارضة باستخفاف، والتعامل معها بالعنف، معتمداً كلياً على سياسة القمع بواسطة القوى الأمنية في حماية نظامه، وعلى شيوخ الإقطاع في إدارة الحكم وإدامة السلطة، مردداً مقولته المعروفة (دار السيد مأمونة).


دور المثقفين في التحريض ضد العهد الملكي
لا ينكر أحد، أن العهد الملكي حقق الكثير من الإنجازات في مرحلة صعبة جداً، ولكن في نفس الوقت كانت طموحات الشعب والأحزاب الوطنية تفوق التوقعات والإمكانيات المتاحة وظروف المرحلة. لذا نعتقد أنه لم يكن العهد الملكي كان كله شراً كما يتصور أعداؤه، بمثل ما لم يكن العهد الجمهوري كله شر كما يتصور أنصار الملكية. فدائما هناك نوع من المبالغة مع الأسف، في تقييم العهدين، وفي أغلب الأحوال عن حسن نية والموروث الاجتماعي المعادي للسلطة أصلاً والذي يصب في هذا الاتجاه. ففي العهد الملكي كان هناك شبه إجماع بين المثقفين من الشعراء والكتاب وقادة الأحزاب الوطنية، ورجال الدين، في التحريض ضد الحكم الملكي وأبلسته وإبرازه كشر مطلق يجب التخلص منه بأي ثمن.

وقد حاولت تلك النخب السياسية والثقافية والدينية إبراز حتى حسنات ذلك العهد إلى سيئات. فإذا ما قامت الحكومة في العهد الملكي ببناء المدارس والمستشفيات، قالوا عنها أنها ليست لمصلحة العراقيين، بل هي ثكنات عسكرية احتياطية للجيش البريطاني في حالة نشوب الحروب. وإذا ما بنت الحكومة الطرق وخطوط السكك الحديد، أوَّلوها إلى أنها لنقل القوات الاستعمارية عند الحاجة. كما وقد قف رجال الدين وخاصة الشيعة منهم ضد مشاريع بناء الدولة الحديثة منذ البداية، مثل الدعوة لأبناء الطائفة بمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وعدم إدخال أطفالهم إلى المدارس لأنهم يتعلمون فيها “الكفر”…الخ على حد زعمهم. فلو راجعنا دواوين الشعراء العراقيين الكبار مثل الجواهري والرصافي على سبيل المثال، لوجدنا معظم قصائدهم فيها تحريض ودعوة للشعب على الثورة ضد العهد الملكي.
لذلك فالثورة كانت نتيجة لتلك الحملات المعادية للعهد الملكي، والآن وبعد فوات الأوان وكل ما حصل، و”خراب البصرة”، راحوا يلقون اللوم على الثورة وقيادتها دون أن يوجهوا أي نقد لتلك النخب التي دعت الشعب والجيش للثورة.

مساوئ العهد الملكي ومبررات الثورة
ولكن العهد الملكي هو الآخر وفر ذخيرة هائلة لأعدائه بتشويه سمعته. لذلك نعتقد إن مساوئ العهد الملكي ومبررات الثورة عليه كانت كثيرة وقد ذكرناها بشيء من التفصيل في كتابنا عن ثورة 14 تموز، ولكن يكفي أن نشير هنا إلى بعض منها وبإيجاز شديد في هذه العجالة.
يقول أنصار الملكية أنه كان في العراق في العهد الملكي برلمان وانتخابات ودستور دائم يصلح لأرقى المجتمعات المتحضرة والدول العريقة في الديمقراطية. ولكن العبرة ليس في الدستور والقوانين المكتوبة، بل في التطبيق. ولهذا لخص الشاعر العراقي معروف الرصافي الوضع قائلاً:
عَلَمٌ ودستور ومجلس أمـة كل عن المعنى الصحيح محرَّفُ

ولم تكن المعارضة حرة كما يدعي البعض، بل زج بزعمائها وحتى الليبراليين منهم مثل المرحوم كامل الجادرجي وغيره في السجون، وأسقطت عن البعض الآخر جنسياتهم وتم نفيهم إلى الخارج، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ مهدي الخالصي، عبدالقادر اسماعيل البستاني، عزيز شريف، توفيق منير، كامل القزانجي، كاظم السماوي، وفائق السامرائي، وكذلك زعيم الحركة الكردية الملا مصطفى البرزاني وجميع أفراد عائلته والمئات من أبناء عشيرته، تم نفيهم إلى الاتحاد السوفيتي، لا لشيء إلا لأن هؤلاء كانوا من المعارضة الوطنية. علماً بأن إسقاط الجنسية كان منافياً للدستور.

أما قيادة الحزب الشيوعي فتمت إبادتها بدون أي مبرر مشروع، وكان التعذيب الجسدي والسجن في نقرة السلمان سيئ الصيت من نصيب الشيوعيين وحدهم… وأما الانتخابات فكانت تزيف علناً، مما دفع عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي إلى القول بهذا الخصوص: “وعلى هذا المنوال تتسع الثغرة بين الشعب والحكومة وينشق الضمير والأمر لله الواحد القهار.” وكانت المظاهرات والإضرابات تواجه بالرصاص. ومجزرة عمال كركوك التي سميت بمجزرة “كاور باغي” لا يمكن لأحد نكرانها. إضافة إلى أن معظم السياسات الخارجية للحكومة آنذاك كانت ضد طموحات التيار الوطني العام السائدة على ذهنية الشعب العراقي وشعوب المنطقة وتطلعاتها، بغض النظر عما إذا كانت هذه السياسات أثبتت صحتها في المستقبل.

لذا فكان العراق بأمس الحاجة إلى التغيير والإصلاح السياسي. ولكن النظام الملكي نفسه، وبالأخص نوري السعيد، وقف ضد التغيير، وأمعن في انتهاك حقوق الشعب، وأوقف التطور السلمي التدريجي، ووقف عقبة كأداء أمام التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها قوانين التطور إلى أن استنفد دوره. ومما يؤكد صحة ما نقوله نذكر على سبيل المثال، أن حصلت في عام 1954 محاولة إصلاح سياسي عندما تسلَّم رئاسة الحكومة ولأول مرة، رجل مثقف ومستنير بالمعنى العصري، وهو الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي تلقى تعليمه ونال درجة الماحستير والدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية، وكان من تلامذة الفيلسوف الأمريكي المعروف جون ديوي. فقام الجمالي ببعض الإصلاحات السياسية، حيث أطلق سراح السجناء السياسيين، وأجاز الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية، كما وأجريت الانتخابات النيابية، فاستطاعت أحزاب المعارضة أن تفوز بـ 11 مقعداً من مجموع 131 مقعداً. لم يتحمل نوري السعيد هذا العدد من نواب المعارضة رغم قلته، فما كان منه إلا وأن قام بانقلاب القصر على زميله الجمالي، واستصدر الإرادة الملكية بحل البرلمان بعد جلسة واحدة فقط من افتتاحه بخطاب العرش. نقول، ماهو تأثير 11 نائباً معارضاً من مجموع 131 نائباً على قرارات السلطة الحاكمة؟ أليس هذا دليل على عدم تسامح السلطة الملكية مع المعارضة الديمقراطية حتى وإن كانت ضعيفة، وأنها كانت تقود إلى تمرد المعارضة وتحث الخطى نحو الهاوية؟

ولهذه الأسباب يئِسَ قادة الأحزاب الوطنية، وفقدوا الأمل في إجراء أي إصلاح سياسي بالوسائل السلمية، فاضطروا إلى اللجوء إلى القوة لإحداث التغيير عند الاقتدار، أي إلى الثورة المسلحة التي كان الجيش هو أداتها المنفذة. ومن كل ما تقدم، نستنتج أن المسئول الأول عن تفجير ثورة 14 تموز 1958 هو نظام العهد الملكي نفسه وبالأخص نوري السعيد، لأنه فشل في مواكبة التطور وفق متطلبات ظروف العراق آنذاك. ولهذا السب صرح قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم مرة قائلاً: ” لو اعتقدنا أنه كان باستطاعة الشعب أن يزيل كابوس الظلم الجاثم على صدره، لما تدخلنا بالقوة المسلحة، ولكننا كنا نعرف أن الناس كانوا يائسين ولا من يدافع عنهم .”

شيء عن حركة التاريخ
يسأل البعض، أما كان الأجدر بالقوى السياسية والعسكرية الانتظار إلى أن يموت نوري السعيد، وعندها كان من الممكن إجراء تغيير الوضع بالطرق السلمية لتجنيب البلاد والعباد من كل هذه الكوارث التي حصلت فيما بعد؟
والجواب على هذا الاعتراض كما يلي: إن ما يحصل في التاريخ هو أفعال ردود أفعال في ذلك الوقت. لذا يجب أن نحكم على الحركات السياسية والثورات الشعبية وفق معايير زمانها والذهنية السائدة على المجتمع آنذاك، لأن الأمور مرهونة بأوقاتها، ونحكم على الأحداث مثل ثورة تموز وفق معايير ذلك الزمن وليس وفق معايير زماننا وبعد حصول النكبات فيما بعد. فالذين قاموا بالثورة كانت لديهم مبررات كافية وأهداف وطنية مشروعة، وليس هناك من عنده علم الغيب في قراءة المستقبل بأن سيتحول لاحقاً حزب البعث الذي كان أحد مكونات جبهة الاتحاد الوطني، إلى تنظيم فاشي وبقيادة شقي دموي مثل صدام حسين ليهلك الحرث والنسل. إذ كما يقول المثل الإنكليزي: “After the event every body is clever” أي بعد فوات الأوان كل يدعي الذكاء وامتلاك الحلول الصحيحة.

إن التطور سنة الحياة ويشمل كل شيء في الوجود، وحتى الجمادات. نعم هناك قوانين لحركة التاريخ، إلا إن هذه القوانين ليست كبرامج الكومبيوتر، أو برنامج جهاز الـ GPS الذي يرشد السفن والناقلات والطائرات بمنتهى الدقة لا تحتمل الخطأ. بل هي خاضعة لعوامل عديدة قابلة للتغيير والتأثير على النتائج، فهناك عشوائية وفوضى في حركة التاريخ، لا تعتمد على خبرة وذكاء القادة فقط، ولا يخضع لإرادة الأفراد أو النخب السياسية أو الثقافية كما يتصور البعض، بل يتحرك التاريخ وفق مستوى العقل الجمعي للمجتمع. فكما قال الفيلسوف هربرت سبنسر:”أن التحول الحضاري لا يتم على يد بطل، أو حاكم، ولكنه يتم على يد الحكمة الجماعية” أي العقل الجمعي للمجتمع. أما إذا جاءت نتائج الثورات مخالفة لتطلعات الثوار أو صناع التاريخ، فهذا الأمر هو الآخر ليس غريباً، إذ كما يقول كارل ماركس في هذا الخصوص: “الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكن النتائج غالباً تكون على غير ما يرغبون”. فالتحولات التاريخية تشبه إلى حد كبير التطور البيولوجي، أي الداروينية، وفق مبدأ الصراع بين الأضداد والاختيار الطبيعي، والبقاء للأصلح، أي لا يصح إلا الصحيح.

فالوضع الحضاري المتقدم المستقر الذي تعيشه الشعوب الغربية اليوم لم يحصل بين يوم وليلة، ولم يتم بسلام وسلاسة ودون سفك دماء، بل حصل عبر هزات وكوارث تاريخية واجتماعية وحروب وثورات وزلازل سياسية على مر العصور، وهذه مسألة طبيعية جداً في حركة التاريخ ومساره. فالتغيير أو التطور هو حتمي كما ذكرنا، إما أن يحصل بصورة سلمية إذا لم تعيقه الحكومات، أو على شكل ثورة دموية عارمة تجرف كل شيء أمامها إذا ما وقفت الحكومات عائقاً ضد التغيير.

وعليه فإن التطور السلمي التدريجي لم يحصل في أي مجتمع إلا بعد أن يبلغ ذلك المجتمع مرحلة حضارية متقدمة كما الحال في المجتمعات الغربية الديمقراطية الآن. ففي النظام الديمقراطي الناضج، توجد حكومة منتخبة من قبل الأغلبية من الشعب تحاول قدر المستطاع ان تستجيب لرغبات الناخبين. ويتم تداول السلطة بين الأحزاب السياسية المتنافسة بالتناوب بصورة سلمية حسب الحاجة للتغيير أو البقاء على الموجود بدون سفك دماء عملاً بالقول: Ballet instead of bullet. أي قصاصة ورقة بدلاً من الرصاص وعبر صناديق الاقتراع. فالمجتمع في الأنظمة الديمقراطية الناضجة كما يقول علي الوردي، يسير على رِجلين، رجل تتحرك إلى الأمام ورجل ثابتة على الأرض للاستراحة! ولكن يجب أن لا ننسى أن هذه المجتمعات الناضجة قد هي نفسها مرت خلال تطورها بمراحل عدم النضج ومارست العنف والثورات والحروب إلى أن بلغت مرحلة النضج العقلاني الهادئ فسارت بسلام.

حتمية الثورة وشرعيتها
هناك بديهية تفيد أن كل مرحلة تاريخية هي وليدة المرحلة السابقة، لذلك فبذور ثورة 14 تموز قد نمت في رحم العهد الملكي نفسه. والجدير بالذكر أن الثورات لا يمكن تفجيرها “حسب الطلب” أو بفرمان من أحد، وإنما هي نتيجة لانفجار تراكمات ومظالم ومتطلبات سياسية واجتماعية واقتصادية، وعندما تنتفي الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق التحولات المطلوبة، وتتوفر لها الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، عندئذِ يحصل التغيير بالعنف الدموي وما يصاحب ذلك من هزات عنيفة واضطرابات خطيرة في المجتمع.

كذلك يجب التوكيد على إن ثورة 14 تموز كانت الإبنة الشرعية لثورة العشرين (30 حزيران 1920) ووريثتها، مضموناً وفكراً. فثورة العشرين كانت ثورة جيل تأسيس الدولة العراقية على أيدي عراقيين من خريجي المدرسة التركية العثمانية، ولكن هذه الدولة الوليدة كانت باستقلال ناقص. لذلك ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، كانت القيادات السياسية للأحزاب الوطنية غير مقتنعة بدولة ناقصة السيادة، إضافة إلى اتساع فجوة الخلاف بين الشعب والحكومة. ولهذا السبب كانت هناك سلسلة متواصلة من الانتفاضات الشعبية والانقلابات العسكرية ضد السلطة إلى أن توجت بثورة 14 تموز التي هي ثورة جيل آخر غير جيل التأسيس، أي جيل المدرسة العراقية، الذي حقق الاستقلال السياسي الكامل وسيادته الوطنية، ومهدت الطريق للسيطرة على ثرواته النفطية لاحقاًً.

لذلك نعتقد أن ثورة 14 تموز ومهما حصل لها فيما بعد، كانت ثورة وطنية شعبية مشروعة، بدليل أن احتضنتها الجماهير من أقصى العراق إلى أقصاه منذ الساعات الأولى من اندلاعها. صحيح أن الجيش كان أداتها الضاربة المنفذة، فقام بالتغيير، ولكن الجماهير الشعبية هي التي حولت الحدث إلى ثورة شعبية عارمة بعد لحظات من اندلاعها.

الاستنتاج
1- كانت ثورة 14 تموز استجابة ضرورية لمتطلبات مرحلة تاريخية، وتتويجاً للانتفاضات الشعبية ومساعي تنظيمات ضباط الجيش، ونضال الأحزاب الوطنية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة،
2- العهد الملكي لم يعد يستجيب لمتطلبات المرحلة في التغيير، لذا استنفد دوره وجاوزه الزمن، وقد لعب نوري السعيد دوراً معوِّقاً أكثر من غيره في هذا الخصوص والتمهيد للثورة عليه،
3- لعبت النخب المثقفة وقيادات الأحزاب السياسية والدينية دوراً كبيراً في التحريض ضد العهد الملكي والدعوة لتغييره،
4- وأخيراً، أن الثورة على النظام الملكي كانت حتمية ومسألة وقت، ولو لم تقم بها اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، لقامت بها جهات أخرى، إذ كانت هناك عدة تنظيمات في الجيش بما فيها تنظيم خاص بحزب البعث، تهيئ للثورة في نفس الوقت. لذا ونظراً لمعاناة الشعب العراقي، وتردي سمعة النظام الملكي، وعداء الشعب له، وتوفر الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، كان العراق محكوم عليه بالثورة في جميع الأحوال. أما ما حصل فيما بعد، فثورة تموز كانت الضحية له وليست السبب.
ــــــــــــــــــــــ
* ألقيت في ندوة لندن يوم 19/7/2008، بمناسبة اليوبيل الذهبي لثورة 14 تموز/يوليو 2008.