الرئيسية » مقالات » الثقافه وهيمنة الدكتاتو ر – القسم الثالث والأخير

الثقافه وهيمنة الدكتاتو ر – القسم الثالث والأخير

هناك أمر ملفت للنظر يتكرر في معظم أنحاء الوطن العربي دون غيره من أقطار العالم فعندما يشعر الدكتاتور بأن أمرا ما يلوح في الأفق وأن الشعب مل من تقديس هذا الدكتاتور والكرسي الذي يتربع عليه بدأ بالأهتزاز يوعز ألى حزبه الذي يترأسه وأزلامه المحيطين به لأجراء ( بيعه ) او ( استفتاء ) كي يبقى جاثما على صدور الناس كالكابوس لسبع سنوات عجاف أخرى فيبرز ذلك الشعار البائس بالظهور على الجدران على شكل لافتات وفي وسائل الأعلام المرئيه والمسموعه وتسير المظاهرات التي تهتف بهذا الشعار وتكرره ملايين المرات ب ( الروح بالدم نفديك يافلان

أن هذا الشعار الذي يدل على أفلاس الدكتاتور يتنافى وكل القيم التي تضمنتها الشرائع السماويه و الوضعيه في عالمنا المتحضر ولا يمكنني أن اتصور أنسان متوازن العقل والضمير يرقص ويهزج لجلاده الذي لايعير أي اهتمام لأنسانيته بهذا الشعار ليذيقه المزيد من البؤس والظلم والذل والهوان الا أذا كان هذا الأنسان ( ماسوشيا ) أي يرغب في تعذيب نفسه .

لقد أخذ هذا الشعار حصته الكبرى في أرض العراق وصار له صداه الواسع في زمن الدكتاتور المقبور صدام حسين وخاصة في أعياد ميلاده التي فاقت ليالي ألف ليله وليله وفي زمن ( البيعات ) التي كان يحصل عليها في أكثر الأحوال على مئه بالمئه وقد تجاوزت الحد المألوف في الدول العربيه التي تقل عن هذه النسبه بقليل وقد منح الدكتاتور لقب ( المحافظات البيضاء ) التي خرجت منها تلك النسبه الخياليه وهو الذي قتل خيرة رجال تلك المحافظات . ولا عجب أن يتحول ذلك الشعار الذي يحتقر أنسانية الأنسان الذي كرمه الله ألى قصائد ومقالات في أجهزة دعاية الدكتاتور وقد كتب ( حسين الشهربلي ) في جريدة الثوره مرة على سبيل المثال لاالحصر مايلي : ( عندما تقف أمام أية نخله عراقيه وتسألها عن صدام حسين تجيبك بالروح بالدم افديك ياصدام وأذا سألت النهر يجيبك بنفس الكلام وأذا سألت الجنين وهو في بطن أمه تسمع منه نفس الكلام ) هذا نموذج واحد من الذين كانوا يطبلون ويغيبون عقول الناس ويغرقون الساحه العراقيه ب( ثقافة الرده ) ثقافة الطواغيت لكي تستمر هيمنتهم على رقاب شعوبهم .

هكذا كانت الثقافه تحت تلك الهيمنه البغيضه للدكتاتور واليوم مازالت بعض بقاياه متوزعه هنا وهناك تردد في فضائيات لندن وقطر وغيرها بأن العراق انتهى بدون صدام ويردد فيصل قاسم وأحمد منصور وغيرهم في الجزيره بمناسبه وغير مناسبه ( أن العراق ذهب في ستين داهيه ) وهذا لن يحدث ولايمكن لبلد حضاري ضاربة جذوره في عمق التأريخ أن يذهب هكذا وبكل بساطه في ستين داهيه بمجرد سقوط الدكتاتور رغم الحوادث المأساويه التي رافقت سقوطه أنها والله ( ثقافة الرده ) التي يروج لها هذا الأعلام المعادي للعراق من هؤلاء الأدعياء والحاقدين وكأن العراق والبلدان العربيه الأخرى ستنتهي مع انتهاء الدكتاتور .

نحن نعلم أن العراق واقع تحت الأحتلال والأحتلال يرفضه كل عراقي شريف ولابد لهذا الأحتلال من الرحيل بقوة وعزيمة ووحدة الشعب العراقي والحكومات التي تنبثق من أرادة هذا الشعب لابتلك الأبواق المهترئه التي تتباكى على أيام الدكتاتور التي ولت وألى الأبد مهما كانت التضحيات ولا يمكن لعجلة التأريخ أن ترجع ألى الوراء .

ولو ألقينا نظره على مساحة الوطن العربي لرأينا أن معظم حكامه يتسترون خلف أحزاب لالون ولا طعم ولا رائحة لها ويجعلون من هذه الأحزاب كبش فداء لهم ولأهوائهم وهم هذه الأحزاب الوحيد هو التصفيق للدكتاتور والتسبيح بحمده وترشيحه ألى ولايه رابعه وخامسه وسادسه وسابعه ألى أن يلفظ أنفاسه الأخيره كما حدث في العراق واليمن ومصر وسوريا والسودان واليوم في تونس وغيرها والبشير اليوم في أحلك أيامه بعد أن قدم المدعي العام في المحكمه الدوليه أدلته الدامغه بارتكابه أباده جماعيه في دارفور وهو يستنجد بعمر موسى وزملاءه الحكام العرب الذين لايختلفون عنه علهم يجدون له مخرجا من هذه الورطه الكبيره التي وقع فيها.

أن الأحزاب التي تؤمن بالديمقراطيه تحاسب رؤساءها على كل شاردة ووارده تصدر عنهم وتضعهم تحت المجهر وتقوم بتغييرهم متى ماأرادت أكثرية الحزب ذلك لتنتخب شخصا آخر يقوم مسيرة الحزب ويكسب ثقة الشعب أما في وطننا العربي المنكوب بهذه الدكتاتوريات فالرئيس المتربع على كرسي الحكم هو الذي يحاسب كوادر حزبه ولا يحاسب نفسه أبدا فيسجن هذا ويعدم هذا ويفصل ذاك وقلما يحدث الفصل لأن البتر أفضل عنده من أي شيئ آخر ولن يجرؤ أحد من كوادر حزبه أن يقول له ( على عينك حاجب ) لأن نهايته محتومه وقد أعدم صدام مجموعه من رفاقه القدامى في ساعات دون أن ينبس أحد ببنت شفه وأنما أصابهم الرعب والهلع من تلك المجزره حتى أنه أقدم على قتل كادر كبير من كوادر البعث كان يحتل منصبا قياديا كبيرا في الحزب دون أن يعلم أحد بذلك وكان ذلك القيادي هو المفكر منيف الرزاز الأمين العام المساعد لحزب البعث .وقديما قال الشاعر العربي : أذا كان الغراب دليل قوم – أدلهم على أرض الخراب هكذا كان صدام حسين الذي أوصل العراق ألى هذا الأمر المريع من الأنهيار في كل شيئ وما على كوادر حزب البعث المتبقيه الا أن تمتلك الشجاعه الكافيه وتقدم اعتذارها للشعب العراقي عما جرى في العراق لا أن يهدد عزة الدوري وصلاح المختار وغيرهم من المجرمين الذين ارتكبوا أبشع الجرائم بحق الشعب العراق ويصرحوا بتلك التصريحات الخاويه بأن هذا العام هو عام الحسم وأن حزب البعث سيرجع للحكم وغيرها من التصريحات التي لاقيمة لها فمتى سيستيقظ هؤلاء من سباتهم العميق وحالة موت الضمير التي درجوا عليها بعد أن انكشفت عوراتهم للشعب ؟.وهل يعلموا ان الشعب سيمزقهم بالأيدي أذا ظهروا مرة أخرى ؟ وألى متى ستبقى هذه الأوهام تعشعش في عقولهم وأدمغتهم المريضه؟

صحيح أن صداما قال في أحدى جلساته ( من أراد أن يستلم السلطه بعدي فليستلم أرضا بلا شعب ) هذه هي ثقافة الدتاتور الهمجيه التي تربى هؤلاء ويحاولون تطبيقها حسب تصوراتهم الغرائزيه الدمويه التي لاعلاج لها الا الكي .

ووسائل الأعلام في دولة الدكتاتور تلمع وجه هذا الدكتاتور على مدار الساعه وتقدمه للشعب والعالم على أنه رئيس حضاري وديمقراطي ومؤمن بحق شعبه في الحياة الحره الكريمه والفرص متاحه لكل الناس في دولة العدل والحريه والمساواة وكما يقول المثل ( كلام كالعسل وفعل كالأسل ) و ( يدهن من قاروره فارغه ) هكذا تصور وسائل الأعلام على أن هؤلاء الحكام ديمقراطيون حتى الثماله وتنسى أنهم جاءوا بانقلابات عسكريه وأن الديمقراطيه ومفهوم الأنقلابات العسكريه لايلتقيان أبدا وأن فاقد الشيئ لايعطيه .

وليس أشد عمى من أولئك الذين لايريدون أن يبصروا . وليس أشد صمما من اولئك الذين لايريدون أن يسمعوا وهؤلاء هم حكام الوطن العربي والمصفقين لهم والسائرين في ركابهم من دعاة ( ثقافة الرده ) وهم بهذا لايخدعون الا أنفسهم .

يقول الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فأنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) – الآيه 46 من سورة الحج. أن هؤلاء الحكام غارقون في أوهامهم و منفصلون عن شعوبهم وعن العالم الذي أزال معظم الدكتاتوريين وهذه دول اوربا الشرقيه شاهده .

أتذكر خبرا قرأته في أحدى الصحف عندما سقط شاه أيران فقد استقل الشاه طائرة هليوكبتر في أيامه الأخيره فرأى مجاميع هائله من البشر تهتف فسأل الشاه مدير مخابراته ( هل هذه الجماهير الحاشده معي أم ضدي ؟) فاضطر مدير مخابراته أن يجيبه أنهم ضدك ياجلالة الأمبراطور . فأجاب الشاه ( لقد خدعتموني طيلة فترة حكمي وصدقت بكم ولكن اليوم فقط أكتشفت الحقيقه ) فمتى يعرف أحباب الشاه الحقيقه ؟ والعلم عند الله .

أن لسان حال هذه الشعوب المغلوبه على أمرها يقول : أذا كان خصمي حاكمي ماذا أصنع – لمن أشتكي بلواي أو أتوجع وأيضا : أنا من كربتي أفر أليهم – وهم كربتي فأين الفرار ؟

فالدكتاتور يعتبر نفسه صاحب الفضل الكبير في تنفس الشعب الهواء وما درى أن الحقيقه تقول أنه عدو للشعب وعدو لنفسه وعدو لكل القيم الأنسانيه .والدكتاتور سيف مسلط على رقاب الناس وأفكارهم وعقائدهم وهيمنة الدكتاتور تقتل روح الخلق والأبداع لأنها تعيش في الظلام وتخنق كل صوت نقي يريد أن يخرج للنور لذا نرى المثقف الحقيقي تحت هيمنة الدكتاتور على هامش الحياة وله ثلاث خيارات وهي أما السكوت والأنزواء وأما تمرير بعض أفكاره عن طريق أستخدام الرمز في الأدب والثقافه وهو بهذا يغامر بحياته وأما الرحيل ألى بلاد الله الواسعه كي يشم عبير الحريه ويعبر عن أفكاره بحريه ودون خوف .وقد اختار معظم المثقفين الرحيل عندمااستطاعوا أليه سبيلا .

أن معظم الدراسات والوثائق التي تعدها لجان متخصصه في مجال حقوق الأنسان تؤكد حالة الكبت وكم الأفواه وتهميش الطبقه المثقفه المناهضه للدكتاتور وهيمنته التي تتجلى بصوره واضحه في الوطن العربي وتحاول أن تجعل شعوبها جائعة تبحث دوما عن لقمة العيش وتجعل من الثقافه والمثقفين أناس يعيشون على هامش الحياة لكي يحصن النظام نفسه ضد عملية التغيير التي يطمح اليها المثقفون الحقيقيون الذين يعتبرهم الشعب طليعته لذا نرى الدكتاتور ينظر بعين الريبه ألى الطبقه المثقفه لأن أهدافها تتناقض مع أهدافه وتطلعاته المستمره للبقاء في السلطه ألى آخر رمق من حياته وأذا كبتت الحريات قتل الأبداع وانحسرت الثقافه الأصيله وكثر المتطفلون على الثقافه من أعوان الدكتاتور والسائرين في ركبه والمنفذين لأغراضه وغاياته.والثقافه لاتنمو ألا في جو الحريه واحترام حقوق الأنسان والديمقراطيه وهذا الثالوث النبيل هو الدعامه الأساسيه التي تنبع من جوهر القيم الأنسانيه وتقف بجانب الأنسان في كل العصور وهي تتناقض تناقضا كليا وصارخا مع هيمنة الدكتاتور .

واليوم وبعد رحيل الدكتاتوريه في عراقنا العزيز وألى الأبد فأن شعبنا العراقي الذي لاقى الكثير من المصائب والأهوال على أيدي الدكتاتوريين يتطلع ألى رجال شجعان أكفاء يؤمنون بحقوق الأنسان ونشر ثقافة الحوار وعدم مصادرة وتهميش الرأي المخالف وبناء العقول والنفوس ونزع الأحقاد والضغائن من قلوب الناس والتي عشعشت في مجتمعنا لعشرات السنين ونبذ الطائفيه والعنصريه ولابد أن يتحرر الدين من هؤلاء الذين يصادرون آراء الناس ويجعلون من الدين حكرا لهم ولغاياتهم في التسلط والهيمنه واستغلال اسم المرجعيه الدينيه للوصول ألى أهدافهم وغاياتهم فالمرجعيه هي لكل العراقيين على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم لقد علمتنا هذه السنوات التي أعقبت سقوط الدكتاتور الكثير ولا يمكن أرجاع عجلة الزمن ألى الوراء لكي تتحكم فينا دكتاتوريات جديده تحت أسماء ومسميات تخفي وراءها الكثير من الكذب والدجل والزيف ولا مكان بعد الآن لأقطاعيات دينيه دكتاتوريه وقد ولى زمن الخطوط الحمراء ألى الأبد الا مايطعن بشريعتنا الغراء وقيمنا الأخلاقيه وخيانة الوطن لصالح اجندات خارجيه وفي ختام مقالي هذا أحببت أن أذكر بعض الأبيات للشاعر الراحل نزار قباني لقصيده حول الدكتاتوريه ومساوئها والقصيده عنوانها أحمر أحمر أحمر حيث يقول :

لاتفكر أبدا .. فالضوء أحمر

لاتكلم أحدا .. فالضوء أحمر

لاتجادل في نصوص الفقه أو في النحو أو في الصرف أو في الشعر أو في النثر

أن العقل ملعون ومكروه ومنكر

لاتطالع كتبا في النقد أو في الفلسفه

أت زوارك عند الفجر مزروعون مثل السوس

في رفوف المكتبه

أبق في برميلك المملوء نملا وبعوضا وقمامه

أبق في رجليك مشنوقا ألى يوم القيامه

أبق في عقلك مشنوقا ألى يوم القيامه

أبق في البرميل حتى لاترى

وجه هذي الأمة المغتصبه

هذا ماقاله الشاعر الراحل نزار قباني في بعض المقاطع من هذه القصيده التي تبين القليل من وجه الدكتاتور القبيح والقميئ والذي يرفضه كل أنسان ملك زمام عقله ويعيش في عصر الشعوب التي ترفض كل أنواع الهيمنه الدكتاتوريه البغيضه .